داعش ترتعد من عودة العلاقات السعودية العراقية

لم يمر على إعلان السعودية فتح السفارة السعودية في بغداد فترة وجيزة جدا إلا وتعرضت لهجمة شرسة من داعش على حدودها. السفارة ظلت مغلقة لمدة 24 عاما بعد احتلال صدام حسين الكويت، وبعد الغزو الأميركي لبغداد وتسليم العراق لإيران.

تود السعودية أن يستعيد العراق ومنطقة الخليج مرحلة استقرار بعد اضطرابات عاشها العراق ومنطقة الخليج نحو 34 عاما أي منذ الثمانينات. وقفت دول الخليج إلى جانب العراق لدعم القوات العراقية ليس ضد إيران ولكن من أجل وقف تدهور الدفاعات العراقية. لكن الولايات المتحدة انهت تلك الدفاعات بغزو العراق عام 2003 وتسريح الجيش بالكامل.

لا تود السعودية أن تستمر في المواقف الحيادية، وترك الساحة العراقية تنافسا إيرانيا – أميركيا، وقبض ثمن داعش في العراق، لأن إيران تستخف بقوة العراق، وهذا يتجلى مع تصريحات أبو مهدي المهندس الرجل الثاني في الحشد الشعبي الذي هاجم السعودية واتهمها بدعم الجهاديين ولا يخفي نيته في اجتياح محافظة صلاح الدين بالكامل حيث يقتل العراقيون على الهوية تحت بند محاربة داعش، ولن تفقد داعش الأسباب البنيوية الذي يسهل عليها تجنيد أبناء العشائر.

تصريحات أبو مهدي المهندس الصحفية وهو أحد أبرز الحرس التابع للمالكي في اتهام السعودية بأنهم حاضرون مع داعش كممولين ومقاتلين وانتحاريين تهدف إلى إحراج رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي لم يقم بزيارة السعودية حتى الآن كي لا يثير حفيظة إيران، ولكنه اكتفى بزيارة دولة الإمارات وأرسل وزير الخارجية إبراهيم الجعفري الذي كان رئيس وزراء العراق سابقا لحضور مؤتمر مكافحة الإرهاب في السعودية. زيارات غير مسبوقة منذ عقد من الزمن لكن سبقتها زيارة الرئيس العراقي فؤاد معصوم والتقى فيها بالملك عبدالله بن عبدالعزيز.

العبادي حريص على تطبيع العلاقات مع دول الخليج وخصوصا مع السعودية تنفيذا لتوجيهات أكبر مرجع ديني في العراق السيستاني. هذا يقلق إيران ومليشياتها الشيعية في العراق، التي تقف عقبة أمام تنفيذ مبادرة الحرس الوطني في المحافظات، ومحاولة السيطرة على المناطق السنية بحجة تحريرها من داعش عن طريق الحشد الشعبي.

لا زال الحشد الشعبي يستخف بالقوات العراقية لأنه لا يريد عودة القوة للجيش العراقي مرة أخرى. وزير الدفاع يعلن عن إعادة بناء قوة الجيش مرة أخرى، وهو ما جعل العبادي يخالف توجهات الحشد الشعبي الذي تسيطر عليه إيران، عندما طالب العشائر السنية بثورة عشائرية ضد داعش، وحاول تطعيم الحشد الشعبي بمتطوعين من العشائر لمحاربة داعش، حتى يستعيد الثقة مع العشائر، كما عين محافظا جديدا للأنبار، وصرف لهم الرواتب حتى يستعيد الثقة مع العشائر السنية، وأفتى السيستاني بحرمة نهب ممتلكات مواطني المناطق المحررة من داعش، بعد اعتراف قائد عسكري عراقي بأن غالبية الخسائر البشرية ناتجة عن نهب الحشد الشعبي للمناطق المحررة.

إيران (والحشد الشعبي التابع لها) قلقة مع عودة القوات الأميركية للعراق بعدما تمكنت إيران والحشد الشعبي التابع لها في العراق من مقاتلة الجنود الأميركيين وإجبارهم على الخروج من العراق حتى يستفردوا بالساحة العراقية.

لذلك لا تريد السعودية ترك العبادي دون مساندة حقيقية، خصوصا بعدما مد العبادي يده للسعودية حتى لا يضطر للعودة مرة أخرى لإيران، إذ تحرص السعودية على عودة العراق إلى الحظيرة العربية، وتقليص النفوذ الإيراني، خصوصا وأن القبائل أصبحت براغماتية عند صنع قراراتها، وستبقى تبحث عن اللاعب الأقوى حتى لو كان داعش، وهي حذرة من قوات الحشد الشعبي، ولن تتحول هذه القبائل تماما ضد داعش إلا إذا ضعف التنظيم على الأرض، وقدمت لهم ضمانات بالقضاء على داعش.

يعتبر دخول السعودية ضمانة كبيرة تنضم إلى التحالف مع العراق ضد داعش، مما أربك داعش وجعله يرتعد من أن نهايته باتت قريبة، لأن داعش لا يخشى إيران ولا الولايات المتحدة فهو يدرك حقيقة الولايات المتحدة البراغماتية، وأنها لا تستهدفه بشكل مباشر وسريع حتى تضمن تحقيق أجنداتها في المنطقة على المدى الطويل، بينما تضمن داعش وقوف القبائل معها ضد إيران وضد الحشد الشعبي التي تسيطر عليه إيران لكنها لا تضمنها حينما تدخل السعودية.

الحدود السعودية العراقية طويلة تبلغ 812 كيلو مترا، وسبق أن تعرضت منطقة العوجة في 22/11/2013 المحاذية لحفر الباطن لقذائف من جيش المختار الشيعي الذي يرأسه البطاط من مناطق ذات ثقل شيعي مثل المثنى، البصرة، الناصرية، السماوة، والنجف. أتت تلك الضربات مباشرة بعد استهداف السفارة الإيرانية في بيروت.

تدرك داعش أن السعودية واجهت القاعدة ما بين عامي 2003-2006 بعد موجة من الهجمات الدامية التي شنها تنظيم القاعدة في كافة مدن السعودية. إلا أن السعودية تمكنت من التضييق على نشاط القاعدة والذي بات يتحصن في اليمن المجاور، بينما اليوم بعد انهيار دولة سوريا والصراع السياسي في العراق استثمرته داعش ووظفت تلك الظروف لصالحها، مما جعلها تنمو وتترعرع في المناطق الهشة، وجعلت العالم يصاب بصدمة بعد السيطرة السريعة على الموصل وعلى مناطق واسعة من العراق من قبل داعش.

بدأت داعش بإرسال رسائل للسعودية بدأتها بتنفيذ مجزرة الدالوة في المنطقة الشرقية حيث استهدفت حسينية لتأجيج الصراع بين المكونين السني والشيعي لكي تتدخل إيران والمكون الشيعي في العراق لضرب أي تقارب مستقبلي خصوصا بين العراق والسعودية التي تتلاقى مع هدف محاصرة الحشد الشعبي الموالي لإيران.

الرسالة الأخرى كانت في يوليو عندما أطلقت ثلاثة قذائف في منطقة عرعر الحدودية، ويأتي الهجوم على مركز سويف الحدودي التابع لجديدة عرعر في منطقة الحدود الشمالية المنطلقة من منطقة الأنبار التي يتواجد فيها داعش خشية أن تفتح السعودية جبهة بعد عودة التقارب لمحاصرة داعش، قتل في تلك الهجمات الإرهابية أربعة إرهابيين وثلاثة رجال أمن أحدهم العميد عودة البلوي قائد منطقة الحدود الشمالية في حرس الحدود.

تدرك داعش أن التعاون الإقليمي بين العراق والسعودية سيقضي بشكل سريع عليها بدلا من تسويف الولايات المتحدة والتلاعب الإيراني لتعزيز نفوذها في المنطقة، ويمثل الهجوم على الحدود السعودية من داعش بمثابة احتضار للتنظيم، ويمثل بداية النهاية لهذا التنظيم الذي تهدد به الولايات المتحدة المنطقة ومن خلاله عادت قواتها إلى العراق وإلى المنطقة.

عندما يشعر أي تنظيم إرهابي بقرب نهايته بالذات بعد القضاء على البيئات الحاضنة التي ينشأ فيها بشكل خاص التي نشأ في المحافظات السنية العراقية الغاضبة في غرب العراق، وكذلك في سوريا، وهي تربة خصبة ترعرع فيها التطرف والتنظيم، لأن الحواضن الاجتماعية هي أخطر أنواع الحواضن التي يجهلها كثير من محللي مواجهة الإرهاب.

ستتوالى الهجمات من قبل تنظيم داعش إلى أن يتم القضاء على التنظيم بشكل كامل، رغم أن الفكر سيبقى، ولابد من مواجهته بفكر مماثل، بدلا من إلقاء اللوم على الولايات المتحدة وعلى إيران، فهو فكر داخلي نتاج ممارسة وتبني فكر الغلو والتعصب الذي يعتبر شريان حياة التنظيمات المتطرفة، والتي عادة ما تدعو إلى مواجهة التطرف المقابل بتطرف مماثل.

ينبغي ان لا تنشط الخلايا النائمة التي تتعاطف مع داعش وتؤمن بنفس التفكير التي يصعب مواجهته بشكل استباقي، وهي خلايا يمكن أن تحركها داعش خصوصا في ظل الظروف الحالية التي يمر بها داعش، وهي تختلف عن مواجهة داعش المباشر التي تحارب بقوات على الأرض بشكل مباشر، رغم عدم الاستهانة بمثل هذا التنظيم الذي وجد الظروف مواتية له في التسويق لتنظيمه على رقعة جغرافية واسعة من المنطقة العربية كأسباب بنيوية سبيل على تجنيد الشباب.