داعش بين منيف وابودهمان وشحبي

كتب الكثير عن ظاهرة داعش. فمنهم من قرأها من خلال مذكرات الريحاني وبعيون ابن بشر في "تاريخ نجد"، ومنهم من قرأها من خلال تاريخ الخوارج وبعيون الطبري وابن الأثير، ومنهم من قرأها من خلال أرشيف الوثائق البريطانية وبعيون عبدالله فيلبي. كل ذلك في سبيل الوصول إلى حقيقة هذا التنظيم الفكرية وتفكيكها بشكل تستطيع معه الدول مواجهة هذا التنظيم الإرهابي.

لكن ما أظن أنه فات الكُتَّاب والقرَّاء الكرام أن نقرأ ظاهرة داعش في عمقها الإنساني، بعيداً عن حسابات السياسة، ولعبة الأديولوجيا، والخطاب التعبوي المستهلك بين أطراف الخصومة، وذلك من خلال الأعمال الأدبية، وخصوصاً الرواية العربية. وقد فعل الغرب هذا، خصوصاً أوروبا التي تحرص على ترجمة كثير من أعمال أدبائنا الروائية لما فيها من بعد انثربولوجي يعطيهم صورة عن الواقع العربي أكثر مصداقية مما يجدوه في تقارير الدول العربية عن نفسها في مبنى الأمم المتحدة.

لماذا لا نقرأ داعش بعيون عبدالرحمن منيف واحمد ابودهمان وابراهيم شحبي، عبر "متعب الهذال" و"حزام" و"ميسون"؟ أولئك الذين تفاجئوا بأنياب الرأسمالية عبر آبار النفط تنهش في واديهم وقراهم، ومن حولهم مشغولون بمكاسب القفز على واقعهم ليصبحوا بدواً في ناطحة سحاب، خلال بضعة عقود فقط... بضعة عقود فقط... دون أي جهد حقيقي ينحت الذهن البدوي من أجل الصناعة والبناء والإنتاج.

باع البدوي جمله والريفي ثوره واشتريا رانج روفر، صمام أمانهما الوحيد في الحفاظ على الأصالة والهوية اختزلوه في حرملك المرأة وما عداه فهرولة استهلاكية عمياء. وعلى القارئ الكريم تخيل الارتطامات الوجدانية التي ستتعاقب على الأجيال لردم هذه الفجوة الحضارية من خلال عبارة يتداولها كل بدوي وريفي يقف أمام ما يجهله من فنون وإنتاج حضاري للبشرية عبر تاريخ طويل من عصر التنوير إلى النهضة الصناعية التي لا يعرف عنها شيء، فيقاوم ضعفه واندهاشه بسؤاله المتكرر دائماً والمليء بالغرور الفارغ "يَعنِي بِكَم!؟!! كم قيمتها" متوهماً أن قدرته الشرائية هي كل ما يلزمه لامتلاك روح التقنية والمعرفة والحداثة، كي يصعد في مصاف "الجنتلمان" الذي يراه في دول العالم الأول.

أخوات ميسون أصبحن "عورة يجب سترها" وأحفاد متعب الهذال وابن عمه حزام ضاعوا ما بين صالات لاس فيغاس وكهوف تورا بورا، بحثاً عن قيمة تتجاوز أهداف الثدييات من مأكل ومشرب ومسكن. أضاعوا الطريق إذ لم يعرفوا أنها مختصرة في "الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعوب" والتي كفلتها كل المواثيق الدولية ليشعر الإنسان في دولته أنه شريك في صناعة تاريخ بلده، لا مجرد هامش لا قيمة له في معادلة النماء والبناء في أرضه وبين أهله.

عندما عجز أبناء وبنات ميسون ومتعب الهذال وحزام أن يجدوا لهم منفذا لتكوين نقاباتهم ومؤسسات مجتمعهم المدني التي تردم الهوة الحضارية ما بين الحداثة والبداوة عبر نقابة أو اتحاد أو جمعية، تحولوا إلى شخصيتين لا ثالث لهما، محاولين التواؤم مع واقعهم المرعب خوف "السيف الأملح أو سجن العبيد". فإما شخصية "المطوع" الذي لا يتجاوز همه حدود النهي والأمر بتقصير الثوب لأولاد حارته، وإما شخصية "الخوي" التي لا يتجاوز تنظيرها السياسي حدود "الشيوخ أبخص". وما عداها من شخصيات فإنها تبقى على الهامش، ليصل الأمر حتى بلقب "رفيق" الذي يتبادله اليسار العربي بفخر لمعناه الأصيل والعميق في لسان العرب إلى لقب يصرف للعامل الساذج من شرق آسيا.

عندما تحدث حزام في رواية الحزام لأبي دهمان عن قريتهم، تتفاجأ بواقع المرأة المتقدم وكيف أنه كان بالإمكان آنذاك، وفي تلك الفترة تحديداً، جعل شريكة الرجل في الحقل التي تحمل معه الفأس والمنجل، أن تكون شريكته في قاعة الدرس لتحمل الكتاب والقلم، دون نضالات باردة،لتضحك الدنيا على مفارقة تحتاج قراراً ملكياً لدمج وزارة التربية مع تعليم البنات دون اختلاط (!) مع إمكانية الابتعاث بعد التخرج لأقصى بلاد الدنيا مع كل الأجناس! وهذا ما اكتشفته ميسون في رواية ابراهيم شحبي بعد عودتها تحمل أعلى الشهادات، لتكون بلقيس القادرة على إحياء ما مات من شراكة الحقل بين الرجل والمرأة.

نصنع العقدة ثم نصرخ منها، نصنع كل ما يُنَفِّر ميسون في بداية حياتها وينفر متعب الهذال من وادي العيون، إذ لم نجعلهم شركاء حقيقيين يستطيعوا الرؤية بعيون حزام في رواية أبو دهمان، ذلك الرجل الذي يعرف قيمة الريال لأنه رجل إنتاج ولم يكن إبن حالة ريعية استغفلت بنات ميسون وابناء متعب الهذال فضاعوا في أول فِطَامٍ اقتصادي واجهوه. فالوظائف الحكومية ذات الطابع الريعي في حقيقتها بدأت تنضب، ولم يبق سوى استنهاض عقيدة قاوم بها أجدادهم استبداد الامبراطورية العثمانية إذ كان أجدادهم فيها مجرد مواطنين من الدرجة الثانية.

استعادوا هذا التراث العقائدي الذي يبرر لهم الخروج على دولتهم العثمانية (المبتدعة الكافرة) ليعيدوا ثورتهم، ويستنطقوا تاريخهم بأدواتهم التي تجاوزها الزمن. فظاهر عقيدتهم محاربة البدع والكفر وباطنها كراهية الواقع الذي يعيشوه ولم يجدوا فيه سوى إحدى دهاليز أربعة لا خامس لها، فإما داخلياً "مطوع" لا تتجاوز مشاركته السياسية حدود تقصير ثياب شباب قريته، أو "خوي" لا تتجاوز مشاركته السياسية حكاياته الظريفة عن رحلات القنص مع أسياده. وأما خارجياً ـ خارج مساحة "الخصوصية بالسيف الأملح" ـ فأنت أمام شخصيتين: فإما "فاسق" بأبجدية التعامل الإنساني فتراه يعيش حالات الفرح والبهجة بكل بشاعة وسخف مخجل، وإما "متطرف" بكل الأعراف الإنسانية يعيش قلقه وخوفه من الصدمة الحضارية تحت قناع عقائدي بربري، أما ميسون فتشكلت بهموم "الحريم" بلا هوية حتى أفاقت متأخرة فاستعادت هويتها.

لو استطاع أحفاد متعب الهذال وأخوات ميسون أن ينظروا بعيون حزام لخلقوا هوية مليئة بالفروسية المهذبة، خاليةً من الوحشية والتطرف، لشابات يتجاوزن هموم الحرملك وشباب يتجاوزوا هموم بناء الملاعب الرياضية إلى هموم المواطنة كمفهوم حقيقي للدولة الحديثة لحقوق يأخذونها (سياسية اقتصادية اجتماعية) قبل واجبات يعطونها، فهكذا يكون الوطن بحق في القرن الحادي والعشرين.

هكذا يستطيع أخوات ميسون وأحفاد متعب الهذال وحزام أن يواصلوا المشوار بهدوء الأذكياء النابهين ليمزجوا ما بين براءة ونقاء أبناء وادي العيون وحب حزام للعمل بيده الخشنة في بلده، لتبقى أرضهم منبعاً لرجالٍ ونساء يتعلمون ويخترعون ويبدعون ويشاركون في بناء وطنهم على جميع الأصعدة (السياسية والاجتماعية والاقتصادية). فعظمة الحضارة ليس بناطحات سحاب (نشتريها)، بل بإنسانها العَارِف العَالِم الذي وضع تصميمها واخترع معدات بناءها، لشركاء في وطن حقيقي ينتسبون له، وبه يكونوا من العالم الأول، بلا ادعاء أو تنفج، ولهذا فإن "حدائق النفط" وناطحات السحاب مهما توهمت أنها عالية على وادي العيون وقرية آل خلف فستبقى كما قال أحدهم: غابةٌ من الاسمنت وشعبٌ ينتظر الموت.