داعش.. بين سوريا روسية وعراق أميركي

الأمريكي المنافق غير المكترث لحلفائه

قاربت "حدوتة" داعش على نهاياتها. ضاق عليها الخناق في سوريا وسيطرت القوات السورية على مناطق واسعة كانت تحت تنظيم داعش حتى وقتٍ قريب. تتقهقر داعش في العراق اليوم أيضاً، والمؤشرات العسكرية تشير الى قرب معركة الموصل بعد سيطرة الحكومة العراقية على الرمادي، إلّا الفلوجة فقط. هناك أسباب متعدّدة لانهيار داعش السريع هذا، أهمها التدخّل العسكري الروسي في المنطقة.

صحيح أن الروس لم يتدخلوا في العراق حتى الآن، لكنهم وبانتصارهم العسكري في سوريا قد كشفوا ظهر التنظيم وأربكوا خطوط دفاعاته الأوليّة مّا أثّر على معنويات مقاتلي داعش في العراق حتى صاروا يفقدون مدينةً عراقية بعد أخرى.

ما نجح فيه الروس حتى الآن، فشل فيه الأميركيون قبلهم.

الفشل الأميركي

تحاول الصحافة الأميركية البحث في اسباب الفشل واستقصاء الحيثيات في مهمّة قد تبدو أحياناً إيديولوجية لتبرير هذا الفشل أو تجميله بوصفه عجزاً ناتجاً عن الوضع الطائفي المعقّد في العراق وليس فشلاً بمعنى الفشل.

ثمّة تبرير غريب صرت أسمعه وأقرأه في الصحافة الأميركية يلمّح بل أحياناً يصرّح أن روسيا نجحت في حربها على داعش ليس بسبب قوتها بل بسبب حجم التبادل الإستخباري والمعلوماتي بينها وبين دول العراق وسوريا وإيران، ولو أن هذه الدول زوّدت أمريكا بهذه المعلومات ووقفت معها مثل وقفتها مع روسيا لانتصرت أميركا أيضاً على داعش وفي الفترة الزمنية ذاتها أو ربما أسرع.

أصحاب هذا التبرير لم يسألوا أنفسهم لِم لا تثق دولٌ مثل العراق وإيران وسوريا بأميركا.

لنُخرج إيران وسوريا من هذه المعادلة نظراً للعداء الأيديولوجي التاريخي بينهما وبين أميركا، فلِمَ يا ترى لا يثق العراق بأميركا وهو الحليف المفترض لها؟

التخبّط الأميركي في المنطقة ومحاولة تفسير أيّ توتّرٍ في الشرق الأوسط على أنه صراعٌ بين السنّة والشيعة هو ما أفسد على الأميركيين المبادرة ووضعهم في موقف العاجز الحائر الذي لا يريد إغضاب السنّة ولا استفزاز الشيعة، بل فقط مسك العصا من منتصفها بانتظار الاستفادة من ابتزاز هذا الطرف أو ذاك. بالتالي خسروا ثقة الطرفين معاً وصاروا في نظر السنّة والشيعة مجرّد متفرجٍ غير فاعل.

راهن الأميركيون على التهوّر الروسي في سوريا وساهموا بطريقةٍ أو بأخرى في دفع العرب وتركيا الى تصعيد خطاب المواجهة مع الروس، لكن الروس كانوا حذرين هذه المرة ولم ينجرّوا الى هذه المواجهة خصوصاً بعد إسقاط الترك لطائرتهم قبل شهرين تقريباً. وها هي دبلوماسيتهم تنجح اليوم ويظهر أثرها في زيارات زعامات وملوك الخليج الى موسكو، الواحد تلو الآخر. فبعد زيارة ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد، زار قبل أيام موسكو ملك البحرين حمد بن عيسى وأهدى الرئيس الروسي بوتين "السيف الدمشقي" هدية "انتصارٍ محتوم" في سوريا، أو هكذا فُسِّرت.

إن دلّ هذا التحوّل الكبير في العلاقات الخليجية الروسية على شيء فهو يدلّ على أن"دبلوماسية" الروس انتصرت على "تهوّرهم" وليس العكس مثلما ظنّ الأميركيون وراهنوا عليه، وأن المعسكر الخليجي - التركي قد تصدّع اليوم وصار الترك مع الأميركيين في موقفٍ حرج.

نجاح الروس

لقد نجح الروس (حتى الآن طبعاً) في ثلاثة أشياء: أوّلها تضييق الخناق على داعش وربما إنهاؤه في الفترة القليلة القادمة، ثانيها تفكيك واختراق جبهة التحالف الخليجي - التركي، وثالثها إظهار أميركا بمظهر المنافق غير المكترث لحلفائه من العرب والترك والمعارضة السورية فصارت أميركا في موضع شك مستمر حتى ازدادت نقمة هؤلاء الحلفاء عليها وبشكل صريح في الإعلام. ما زاد في نقمة المعارضين السوريين هو موقف أميركا الأخير الذي تجبر فيه هؤلاء المعارضين على حضور اجتماعات جنيف والجلوس مع الأسد وإلّا سيكونون خارج العملية السياسية القادمة في سوريا. الخطوة التي جعلت المعارضة السورية تشتم أميركا وتتهمها أنها شريكة الأسد في إبادته للشعب السوري.

ليس هذا فحسب، بل رحبّت أميركا رسمياً بحضور حزب الإتحاد الكردي وفصائل المعارضة الكردية الأخرى في اجتماعات جنيف القادمة وهو ما "صدم" أردوغان وجعله يصرخ في الإعلام متهماً الأميركيين بإدارة ظهرهم للأصدقاء، أو حتى طعن المعارضين السوريين من الخلف، على حد وصف إحدى الصحف التركية مؤخراً.

أقنعت روسيا أميركا بضرورة الانفتاح على المعارضة الكردية، حتى الماركسية منها، ولربما ستقنعها أيضاً بضرورة إنشاء منطقة آمنة لأكراد سوريا على غرار ما حصل لأكراد العراق عام ١٩٩١، وبهذا سيكون الروس قد ردّوا الرد المناسب على إسقاط طائرتهم من قبل الأتراك، طالما خاف الأتراك إنشاء مثل هذه المنطقة وحذروا مراراً من تأثيراتها على مستقبل الأكراد في تركيا.

حتى أكراد العراق، وهم حلفاء أمريكا وتركيا وأصحاب علاقة طيبة بالسعوديين، قد لفتت انتباههم "إشارات" روسيا الأخيرة في الدفاع عن حقوق الكرد وصار الذهاب كلّياً مع خط التحالف القديم مجازفة صريحة بمستقبل دولتهم على التراب العراقي. فبالنسبة للكرد، التوازن في العلاقة مع التحالفين مطلوب في هذه المرحلة طالما كل الطرق تؤدي الى أربيل بالنهاية. وهذا ما تخاف منه تركيا، إذ أنها لم تكن تتصوّر أن نهايات داعش ستخلق بدايات الأكراد ولم تفكر يوماً أن إنهيار داعش سيأتي لصالح تقوية الكرد.

"انسحاب" المرجعية الدينية

في مقابل "النصر" الروسي في سوريا، تبحث أميركا هي الأخرى عن نصرٍ موازٍ وسريع في العراق، نصر يجب تحقيقه بكل الوسائل بعيداً عن الحشد الشعبي والمقاربة الإيرانية. فلا تقضي الرسائل السرية التي تبعثها أميركا للعبادي بعدم تدخل الحشد في معارك التحرير ضد داعش فحسب، بل بضرورة حل الحشد نهائياً أيضاً. وهو أمرٌ لا يحرج العبادي فقط بل حتى مرجعية النجف كذلك، فاختارت الأخيرة "الابتعاد" عن السياسة في المرحلة الحالية في خطوة تبدو وكأنها ضوءٌ أخضر وموافقة ضمنية على إنهاء سلطة الحشد مقابل خلاص العراق من داعش. فأولوية المرجعية الآن الخلاص من داعش حتى لو جاء ذلك على حساب الحشد الشعبي، ذلك الكيان الذي تجاوز ظروف نشأته الأولى وصار ابن لحظة مختلفة تهدّد سلطة الدولة والمرجعية على حدٍ سواء.

تتفهم مرجعية النجف خارطة التعقيد في المنطقة والتنافس الأميركي على العراق مقابل تنافس روسيا على سوريا فتريد "بسكوتها" توظيف واستثمار الرغبة الأميركية في العراق لصالح إنهاء داعش أوّلاً، ومن ثم إعادة ترتيب أوراق الحكومة العراقية وفق وصايا الجُمَع الأخيرة. الوصايا التي بدأتها تسلسلاً بدعم مطالب متظاهري التحرير، محاربة الفساد والفاسدين الكبار، السعي نحو دولة مدنية، إنهاء المحاصصة الطائفية، وآخرها ولعلها الأهم ضرورة الاعتماد على التكنوقراط في إدارة الدولة العراقية والاستفادة من الخبراء المحليين والأجانب لحل المشكلة الإقتصادية. يبدو أن العبادي التقط إشارات المرجعية وفهم "صمتها" أنها الفرصة الأخيرة له ولابد من استغلالها، وها هو ذا يطالب بتغيير حكومي جوهري لصالح تكنوقراط مستقلين. لكنها تبقى خطوة صعبة بالتأكيد طالما ستضعه مرجعية النجف أمام "شياطين" الأحزاب السياسية ومحاولات التفافها على أي تغيير وزاري ينال من حصصها ووزرائها.

في النهاية أقول ان تركيا في ورطة حقيقية وداعش تعيش سكرة النهايات بين صعود سوريا "الروسية" والعراق "الأميركي"، فيما تبقى الحكومة العراقية في مأزق وجودي خطير حيث ان عليها ضبط مسارات الأطراف كلها والتوفيق بين رؤى اللاعبين الأساسيين، الخارجيين منهم مثل أميركا وروسيا وإيران، والداخليين مثل المرجعية الدينية والحشد الشعبي والأحزاب السياسية.

سليم سوزة

كاتب عراقي