داعش: الأسباب والحلول في جملتين!

واحدة من نتائج التأويل المتطرف للدين

تداولت وسائل إعلام عديدة تغريدة بارعة باللغة الإنجليزية، نشرها على موقعه مطلع هذا الشهر المدون اللبناني الساخر، كارل شرّو. والتغريدة، بالعربية، كما يلي:

"تريد تفسيراً بسيطاً من جملة واحدة لظهور الدولة الإسلامية؟ إليكَه:

"فشَل نخب ما بعد الاستعمار في خلق مجتمعات ديمقراطية أصيلة وتعزيز إحساس بالوحدة الوطنية واختيارها بدلاً من ذلك إقامة دكتاتوريات عسكرية ألغت الإمكانية لحدوث تطور اقتصادي وسياسي، مصحوباً بأخطاء تاريخية للأحزاب العربية التقدمية واسترضائها الحكام الاستبداديين، مسهمة بذلك في إجهاض أطر العمل السياسية البديلة التي يمكن أن تخلق مقاومة عضوية ضد التطفل والهيمنة والتدخلات العسكرية الخارجية المباشرة، تاركة تأويلاً متطرفاً للدين ليكون البرنامج الأيديولوجي الوحيد المتبقي والقادر على تحشيد المحرومين، مُفاقماً بالتراجع الكوني للمثل العالمية وصعود الهوية كعنصر التحشيد الأعلى، مُمكَّناً بالدعم السياسي والمالي من الأنظمة الثيوقراطية الهادفة إلى إنقاذ شرعيتها وذاهباً إلى مزيد من السوء بانهيار النظام الأمني الإقليمي بطريقة صنعت الظروف لنشوب الحروب بالوكالة والاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، معزَّزاً بالتدخل الدولي غير المتساوق جيوسياسياً على نحو يصعد الصراعات ويفضي إلى حالة دائمة من الفوضى التي تكوَّن في ظلها قبولٌ بنظام سياسي ديني رجعي تمثَّل في الخلافة وأصبح جذاباً بشكل خاص عندما ترافق مع سرد ألفيّ مروع عن نهاية العالم. ببساطة".

جملة طويلة تقطع النفّس، لكنها تلخص مجلدات من القراءات والتأويلات الجزئية لظهور المجموعة الإرهابية المحيِّرة. وفي الوقت نفسه، يطرح هذا التكثيف الذكي سؤالاً كثيفاً بنفس المقدار: كيف تُحل هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والأطراف والعوامل التاريخية والموضوعية للأزمة؟

الإجابات أيضاً تصنع مجلدات.

لكن الإجابة المطروحة عملياً الآن، هي القضاء على "داعش" -الكيان الفيزيائي- عسكرياً، باعتبار ذلك العمل البطيء بطريقة محيِّرة سيعيد السلام والاستقرار للمنطقة والعالم. والمفارقة أن الأطراف التي تحارب هذا التنظيم هي نفسها التي صنعت -بما هي عليه وبأعمالها- كل المقدمات التي أنجبته. وبذلك تشبه محاربتها له رجل اللجنة في رواية صنع الله إبراهيم الذي يأكل نفسه. وفي الحقيقة، يستطيع المرء تلخيص مسببات الوضع الراهن للإقليم في بضع نقاط، كما تغصُّ الأدبيات بالاقتراحات والحلول. لكن هذه البساطة المعقدة لعناصر المشكلة وإحجام الفاعلين عن حلها تُسلم الفرد لشعور إرهابي جداً بالعجز وقلة الحيلة.

يومياً، نجتر ونتشارك التحليلات والحلول، وتحيلنا الحوارات إلى حقيقة أن الجهات الوحيدة المالكة لأدوات الحل هي نفس الجهات التي صنعت المشكلات، والتي هي مشكلات. ويكاد يرسلنا الاستنتاج دائماً إلى نفس التعلُّق -صانع التطرف- بأمل تدخُّل قوة مطلقة القدرة من خارج هذا الكوكب، تستطيع هي فقط فك هذه العقدة الممتدة في الكرة الأرضية، لأنها تستطيع وحدها تجريد كل هؤلاء المتحكمين الإشكاليين من قدرة التخريب الذي يصنعونه. ومع ذلك، لا مناص من تجاربنا اليومية في اللغة، ربما كوسيلة لمحاولة البقاء على أي قدر من الصلة والاعتقاد بأننا نفعل شيئاً.

وإذن، تريدون الحل للقضاء على "داعش" -الفكرة والتجلي- في جملة واحدة؟ إليكموه:

قيام مجتمعات ديمقراطيات أصيلة تعزز الوحدة الوطنية بإدارة نُخب متجذرة في شعوبها ووطنيتها بدلاً من الدكتاتوريات العسكرية، تعكف على إحداث تطور اقتصادي اجتماعي برعاية أطر سياسية بديلة قادرة على صنع مقاومة عضوية للتطفل والهيمنة والتدخلات العسكرية الأجنبية واجتراح حل لاحتلال فلسطين وعدوانية الصهاينة، ارتكازاً على برامج عملية مرنة رؤيوية تنجب نتائج ملموسة مقبولة تحل محل التأويلات المتطرفة للدين بقدرتها على تحشيد المحرومين وتوجيه طاقتهم في مشاريع جماعية تكاملية آملة، تستطيع إطفاء جاذبية الهويات الضيقة بابتكار جوامع تعبئة أعلى في حركة تفضي إلى نزع الشرعية عن الأنظمة الثيوقراطية لصالح تكوينات إيجابية التوجه والمنتج، بما يهيئ لاستعادة النظام الأمني الإقليمي بقتل النظام الإيكولوجي الذي يغذي فيروس الحروب بالوكالة وإعدام فرصة التدخل الدولي في وجود حالة دائمة من الاستقرار الموسوم بطابع تقدمي لا يدع مجالاً لتنفس النظم السياسية الدينية الرجعية فاقدة الأهلية أمام العقل التعددي العلمي السائد الجاذب الذي يعبر عن نفسه عملياً بالتقدم المادي والاقتصادي والتنمية المستدامة الخالية من الفساد، مقرونة بالحرية والمساواة والفرصة. ببساطة!

علاء أبو زينية

كاتب أردني