دار الكتب الوطنية بأبوظبي تعيد للساحة الأدبية 'عيون النثر العربي القديم'

تعدد وخصب

أبوظبي ـ تبرز سلسلة "عيون النثر العربي القديم" ما شغله النثر من مساحة واسعة في التراث الأدبي العربي القديم، فهو الجناح الآخر الذي طار به طائر الإبداع العربي إلى جانب الشعر، باعتباره أحد قسميْ "القول"، فالكلام الأدبي كلُّه إما أن يصاغ في قالب الشعر المنظوم، أو في قالب القول المنثور. ولأن الثقافة القديمة قامت في أساسها على الشفاهة، فإن الشعر هو عمادها الأساسي، نظراً لسهولة حفظه واستظهاره بسبب الوزن والقافية، وانعدامهما في النثر – إن تغاضينا عن السجع - مما يجعله عرضة للنسيان والضياع.

وسننتظر قليلاً بعد الإسلام ليزدهر النثر، بعد أن تمتَّنت تقاليد التدوين، ولا شك أن القرنين الثالث والرابع هما أوج ازدهار كتب النثر وكتّابه، على أيدي مبدعين كالجاحظ والتوحيدي، ومع ذلك فقد ظل الشعر مادة أساسية في كتب النثر، بوصفه الشاهد الأعظم على الهوية والذائقة العربيتين.

وتلقي السلسلة الأدبية الجديدة "عيون النثر العربي القديم" التي يقوم بتحريرها د. خليل الشيخ ود. أحمد خريس، عبر مختاراتها التي تناهز الثلاثين ما يحفل به النثر القديم من تعدد وخصب، لقد عرف التراث الأدبي العربي أجناساً نثرية عدة كالأمثال، والخطب، والوصايا، والأخبار، والخرافة، والسيرة، والرسائل القصصية والفلسفية، والمقامات، والنوادر، وكتب الأمالي، والطبقات، والرحلات...إلخ.

أما خصوبة النثر فنلتمسها في تعدد موضوعاته وأساليبه، واهتمامه بقضايا اجتماعية، وسياسية، ودينية، وفلسفية، ومذهبية، مما أحدث شكلاً من أشكال الثورة المعرفية في الخطاب العربي الإسلامي.

وتتوجه هذه السلسلة التي تصدرها "دار الكتب الوطنية" في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، إلى القارئ العادي أو مجمل القراء، وقد زودت بمقدمات دالة، وشروحات تفض مغاليق النصوص، التي روعي في اختيارها القرب من الذائقة الحديثة، والبعد عن التقعر والتعقيد.

وتهدف السلسلة إلى وصْل القارئ بالتراث العربي، وتوعيته إلى ما يحفل به ماضينا من كنوز أدبية حجبه عنها ربما انشغال الكثيرين بالثقافات الأخرى ضمن أفق العولمة والثورة التكنولوجية الحديثة التي وصلتنا بالعالم، وقطعتنا أحياناً عما يشكل جوهر ثقافتنا.

اقتطفت نصوص هذه السلسلة من أمهات كتب النثر العربي القديم، وقد روعي في اختيارها كذلك أن تكون شاملة وملمة بأبرز توجهات أئمة النثر العربي أسلوباً، وموضوعاً، وجنساً أدبياً، كما غطت السلسلة فضاء زمنياً واسعاً بدءاً من القرن الثاني الهجري وانتهاء بالقرن التاسع، ويمكن تصنيف المختارات في السلسلة ضمن أطر عامة، أبرزها: الكتب المهتمة بالتأريخ للشعر والشعراء كطبقات فحول الشعراء للجمحي، وأشعار النساء للمرزباني، والأغاني للأصفهاني.

وثمة الكتب المهتمة بالتاريخ والاجتماع، كمقدمة ابن خلدون. وهناك كتب الرحلة كرحلة ابن فضلان ورحلة ابن جبير، وأخرى في المقامات كمقامات الهمذاني.

أما كتب الحكايات والأخبار والنوادر فأمثلتها كتاب البخلاء للجاحظ والصداقة والصديق للتوحيدي والفرج بعد الشدة للتنوخي والأذكياء لابن الجوزي. وفي السلسلة ما يمثل كتب الغرائب والعجائب ككتاب عجائب المخلوقات للقزويني، والقصص الفلسفي كحي بن يقظان لابن طفيل، والكتب الموضوعية أو الدائرة حول موضوع واحد كالحب في كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، والقصص الجاري على ألسنة الحيوان ككليلة ودمنة لابن المقفع.