دارفور والكتاب الأسود

بقلم: إبراهيم الهطلاني

دارفور حجة لمن لا حجة له وعذر لمن لا عذر له، إنها مدخل لكل زائر غريب ومطية لأصحاب المصالح وشعار للقوى الخارجية، هكذا تبدّى الوضع في السودان عبر وسائل الإعلام أو هكذا أظهره عجز حكومة الخرطوم.
في السودان أسلوب التعبير بالمنشورات مذهب منتشر على نطاق واسع لدى القوى السياسية المعارضة وكذلك الحال في العالم العربي خاصة الدول التي تفتقد إلى حرية التعبير ولذلك يحرص الناشر أو المصدر على التخفي أو التمويه .
ولو كانت العناصر المتنفذة في النظام الحاكم تتمتع بقدر معقول من المصداقية أو بأقل قدر من الاهتمام بمصالح الشعب لحرصت وبشكل فعال وسريع على إزالة المظالم وإصلاح الخلل. إلا أن التصرف المشهور والمعتمد عند الأجهزة الأمنية العربية هو البحث عن الكاتب أو مصدر المعلومات وتجاهل أساس المشكلة وكذلك فعلت أجهزة الحكم في السودان .
في آخر زيارة لي للخرطوم عام 2003م أرسل اليّ أحدهم نسخة من مؤلَف مجهول المصدر بعنوان "الكتاب الأسود – اختلال ميزان السلطة والثروة في السودان" في جزئه الأول وقد علمت انه قد تم توزيعه قبل سنتين في مساجد الخرطوم وبقية التجمعات الشعبية وقد تصدى له آنذاك بعض الخطباء الرسميون في مساجد الخرطوم ووصفوا المعلومات الواردة فيه بأنها مغالطات وكذب واتُهم الترابي بأنه وراء هذا الكتاب وقال آخرون أن هناك أيادي عنصرية من دول مجاورة للسودان .
وفي لقاء صحفي نشر عام 2003 اعترف رئيس "حركة العدل والمساواة" السودانية خليل إبراهيم بأنه مصدر الكتاب الأسود وانه أصدره عام 1999 ووزع بعد ذلك في الخرطوم .
ومن ضمن ما ورد في الكتاب .. انه كتاب راصد للواقع عارض للحقائق المجردة الموثقة التي لا تنكرها العين ولا تخطئها البصيرة ..
كما ورد على لسان رئيس الحركة انه منذ الاستقلال حكم السودان 12 رئيسا جميعهم من الإقليم الشمالي .. ونحن نتساءل هل هذا الوضع مقصود لأهداف عرقية وسياسية أم أن الظروف العسكرية والسياسية الوقتية هي التي كانت تتحكم في عملية الاختيار.
وخلال المؤتمر الذي عقده اتحاد الأغلبية المهمشة السودانية في ألمانيا عام 2003م وهو عبارة عن تجمع لبعض الأحزاب السودانية المعارضة قامت حركة العدل والمساواة المشاركة في المؤتمر بالإعلان عن تبنيها للكتاب ووزعت الجزء الثاني منه على المشاركين والحاضرين في المؤتمر .
يتظلم أبناء دارفور في هذا الكتاب وفي مختلف وسائل الإعلام من تهميش حكومة الخرطوم لهم واستئثار أبناء الشمال للمكاسب والمناصب العليا وحرمان أبناء دارفور خاصة وبقية المناطق السودانية من برامج التنمية وتطالب بحصة عادلة في السلطة والثروة، ولعلنا نحسن الظن ونقول أن التراخي الرسمي مع مليشيا الجنجويد وعدم الحزم في إيقاف التعديات المسلحة والانتهاكات التي تقوم بها قوات متعددة الولاءات وتحظى بدعم من مختلف الجهات والأطراف حتى من المعارضة أدى إلى تدويل المشكلة كما دولت القضايا السابقة وربما اللاحقة .
إضافة إلى أن حكومة الخرطوم انشغلت كثيرا في ملف الجنوب وتجاهلت مشاكل المناطق الأخرى ومن أبرزها منطقة دارفور ولم تتحرك بما فيه الكفاية لعلاج المشكلة، حروب ودماء وخسائر تختم بمفاوضات على كل شيء في مقابل الاحتفاظ بالمناصب .
يتساءل الكثير من المتابعين عن أسباب الاهتمام الأمريكي بقضية دارفور وربما نحتاج إلى وقت طويل وأدلة خيالية كي نصدق أن ضمير العم سام بدء يرق لأطفال دارفور وضحايا النزاعات المسلحة في العالم الثالث .
وهذه القناعة يؤكدها لنا تاريخ السياسة الأمريكية في المنطقة فنحن نعلم أن الاهتمام الأمريكي بالسودان برز في فترة الخمسينات الميلادية بعيد حرب السويس من خلال "مشروع آيزنهاور" الذي يهدف علنا إلى تقديم العون الاقتصادي والعسكري للسودان بينما هو مصمم أساسا لاحتواء المد الشيوعي في المنطقة ويدخل التعاون الأمريكي العربي أو الاستخدام الأمريكي للمجهود الإسلامي في أفغانستان ضمن هذا المشروع وهو ما أشار إليه الصحفي محمد حسنين هيكل في برنامجه السياسي في قناة الجزيرة الفضائية أثناء حديثه عن التعاون الأمريكي مع الأنظمة الملكية في المنطقة آنذاك .
إلا أن الاهتمام الحالي بالسودان يتجاوز تلك الأسباب القديمة فلم يعد هناك سوى قطب واحد وسياسة واحدة تسير العالم، إذا ما هو سبب هذا الاهتمام؟ هل هو البترول واليورانيوم أو أي معدن آخر على ارض السودان ؟ أم انه مخطط لتأسيس قاعدة عسكرية في شرق أفريقيا؟ هل نعتبرها حملة إعلامية لصرف الأنظار عن ما يحدث في العراق أو فلسطين ؟ أم أن المستهدف هو الإسلام كما أعلن الرئيس السوداني ؟ الأمر الذي لا شك فيه إنها المصلحة الأمريكية، ولكن ما هي هذه المصلحة؟ هذا ما نسعى لمعرفته .
وفي الوقت الذي لا ادعي فيه بمعرفتي بحقيقة السياسة الأمريكية تجاه السودان يمكنني الزعم فيه باني مطلع على حقيقة الوضع في السودان إلى حد بعيد وبناءً على ذلك أعلن قلقي مثل كثير من المهتمين في الوطن العربي بمصير ومستقبل السودان، ويبدو أن ثمة شيء ما يدبر لمستقبل السودان ولا اعتقد أن الوقت في صالح حكومة الخرطوم، فالحكومة أضاعت كثيرا من الفرص السياسية والوقت إما بسبب إهمال وفساد في الإدارة والسياسة أو تعنت من بعض القيادات المتقنفذة في الحكم، بدأت معاناة السودان في الجنوب واليوم في الغرب ولا شك عندي أن أبناء الشرق يتهيئون وللأسف كما يبدو لنا فان ثورة الإنقاذ التي كانت قوية متماسكة في بداية التسعينات أصبحت في الوقت الحالي في هذه الظروف الصعبة فهي ألان بالكاد تدافع عن وجودها في الداخل والخارج، عدو الأمس اصبح صديق اليوم والعكس كذلك! هل هي السياسة وتغير المصالح أم تحول في المفاهيم والقيم؟ إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com