خير جليس.. كتاب أم كمبيوتر أم الانترنت؟

بقلم: علي محمود
وداعا للكتاب.. مرحبا بالتقنيات الرقمية

يتراصف المتنبي وطه حسين ودستوفسكي وشكسبير وهيغو، بأناقة وثبات على رفوف المكتبات الأدبية بمجلدات ذات طباعة فاخرة، راح الغبار يزيد من تراكمه عليها، ويتأكد صاحب المكتبة يوميا من (الموجود) الحالي للكتب المتراصفة على الرفوف دون تغيير يذكر وبنظرات عميقة متحسرة على العقود المنصرمة حين كان الطلب على الكتاب الأدبي أكثر من اليوم.
ويحمل باعة الكتب القديمة صناديقهم الثقيلة بالكتب العتيقة والمتنوعة الموضوعات في مدخل شارع النجفي بمدينة الموصل (400 كم شمال بغداد) ويفرشونها على الأرض بانتظار قراء الكتاب ومن يبحث عن كتاب قديم أو مثقف يريد إضافة كتاب ما الى مكتبته.
ومع ثورة المعلومات التي أغرقت السوق التجارية بنظم المعلومات وانتشار العمل بأجهزة الحاسوب وشبكة المعلومات (الانترنت) بجانب ثورة الشاشة الفضية التي أغلقت دائرة القراءة بشكل كبير من خلال عشرات البرامج المنوعة بين المسلي والعلمي والإخباري والفني، وانشغال العراقيين عامة والموصليين خاصة بالعمل اليومي لتوفير لقمة عيش للعائلة والتواصل في دخول الحروب وظهور المشاكل داخل الأسرة أبعد بشكل مباشر الفرد داخل الاسرة عن القراءة والتواصل مع الثقافة بأوجهها المتعددة.
وابتعدت الحاجة عن القراءة والبحث عن المعرفة باستثناء الدراسة في المدرسة أو الكلية وهناك من وصل إلى مرحلة متقدمة من العمر ولم يفتح كتابا واحدا يقرأه بعيدا عن نشاطه التعليمي اليومي أو حتى دخل مكتبة أهلية أو حكومية أو زار مكتبة الجامعة بحثا عن مصدر لكتاب منهجي.
فيما ينظر أبناء الجيل الحالي الى من أبيض شعره من الأجيال السابقة بعين (حسودة) اذ كان لهم المتسع من الوقت للقراءة والجولات بين المكتبات لشراء الكتب و(التهامها) بالقراءة من الجلد إلى الجلد وقراءة الكتب المتنوعة من قصص وشعر وفلسفة وتاريخ.
وبالمقابل نشاهد أن الوقت الذي يمضيه الفرد من الشباب (خاصة) بحثا عن عمل والعمل لساعات طويلة لتوفير لقمة العيش لعائلته ويكتفي بمتابعة الأخبار عبر شاشة الفضائيات.
ومع هذا فإن القراءة والتعلم وزيادة ثقافة الفرد تبدأ وتنتهي بالكتاب الذي يتوفر في المكتبات والسوق الأدبية وتتوزع قراءة الكتاب إلى قراءة الكتاب التعليمي وهو ما يتلقاه الطالب على طول فترة الدراسة والبحث العلمي وهو الحاجة للكتاب للتعلم ثم الحاجة إلى الكتاب في مرحلة التخصص والتعمق في موضوع ما وهي تحتاج للكتاب الدقيق في التخصص والكتاب العلمي هو ليس بالضرورة الارتقاء بالمستوى الثقافي في موضوعات وعلوم متنوعة بل الوصول إلى درجة متقدمة في التحصيل العلمي. حتى ظن كثيرون أن مع وصولهم الى درجة الدكتوراه أو الأستاذية أنهم بلغوا درجات عليا من الثقافة، والصحيح أنهم وصلوا درجات متقدمة في التعلم وليس الثقافة.
فالشاعر يقتني الدواوين التي تزيد من خصوبة مزرعة أفكاره وإنعاشها وتدعيمه بالمفردات والقوانين ويعمل القاص على (أسر) كل القصص وشراؤها وقراءتها وزجها في سجن مكتبته كذلك الحال للطبيب الجراح الذي يبحث ويراسل ويشتري الكتب ويطلع على البحوث المنشورة على شبكة المعلومات التي تعنى بعلم الجراحة.
وبجانب الكتاب التعليمي على طول مرحلة الدراسة، هناك قراءة الكتب المنوعة وحسب رغبات الفرد من شعرية الى القصة إلى العلمية والسياسية والتاريخية والاجتماعية والرياضية وهي تقوم أساسا على هدف مميز هو بناء شخصية الفرد في التعرف على معلومات غزيرة ومنوعة في مجالات الحياة الكثيرة لترسم شخصية الفرد ثقافيا وتمكنه من التواصل في الحوار وتبادل الآراء والانطباعات وادارة الجلسات وإبداء الآراء في قضايا عديدة.
وتتسارع الأسئلة التي تسقط بسرعة سقوط الماء من شلال عالي التي نقرأ منها ما يجري في رافد صغير يتفرع من مياه الشلال وأهمها: هل يستمر الشباب في قراءة الكتاب؟ وأي نوع من الكتب يطالعون الآن؟ وماذا عن متابعة الفضائيات التي تهتم بثقافة الشخصية؟ وهل يتحاور الشباب وحتى الرجال ممن أصبحوا اليوم يديرون عائلة أو الموظف في موضوعات ثقافية واجتماعية مهمة؟
هل يشتري الطالب او التدريسي أو الكاسب كتابا يقرأه في وقت ما في النهار او في ساعات الليل بعد اعلان حظر التجوال والجلوس الإجباري في البيت؟ لنتوقف عند أكثر من محطة لكشف المزيد عن قراءة الكتاب.
يستمر (شيابنا) بقراءة الكتب حسب اهتماماتهم وهو تمرين يومي يزاولونه لسنوات طويلة وبعضهم أعاد قراءة أكثر من كتاب وهم يتباهون بامتلاكهم مكتبات (عامرة) بأمهات الكتب وضخامة المجلدات النفيسة فيها والنادرة.
في المقابل استوقفنا عددا من طلبة جامعة الموصل وسألناهم عن شراؤهم للكتب أو قراءة كتب حسب اهتماماتهم الشخصية. يقول مشرق عبد الستار (طالب في قسم اللغة العربية كلية الآداب): ليس هناك وقت للقراءة أنا بالكاد أتابع فروضي وبديل الكتاب اليوم هو (الانترنت) أجلس أكثر من ساعة يوميا للتصفح في مواقع عديدة على (الانترنت).
ويشاطره الرأي زميل له بالقول: من الجامعة أذهب للعمل في متجر لبيع الألبسة وعند عودتي لايوجد وقت للقراءة أتناول عشائي لارتاح قليلا بمتابعة التلفاز ثم إلى النوم.
قريبا من مكتبة داخل المركز الطلابي بجامعة الموصل تحدث الموظف صفوان محمد عن ضرورة القراءة: أتابع في الأسبوع عددا من الصحف الصادرة في مدينة الموصل وأقرأ بين فترة وأخرى كتابا موجودا في مكتبة والدي أما شراء كتاب فهذا بعيد اليوم عن برامجي فالكتاب غالي الثمن وهو بالنسبة لي شيء ثانوي.
والطالبة سهى .م. طالبة في الدراسة الإعدادية تحب مشاهدة البرامج التلفازية والاستماع إلى الأغاني بدل القراءة، أما اللاعب مروان أحمد فهو يقرأ الصحف والمجلات الرياضية وبس!
واستوقفنا كرم فيصل (صاحب محل مواد غذائية) الذي يمنح وقتا كافيا للقراءة ويحب المشاركة في الحوارات والندوات ويعلق على قراءة الكتب وشراؤها: بالتأكيد ترتبط عملية القراءة وحب الكتب بالبيئة التي يعيش فيها فإذا كانت العائلة والأب خاصة يهتم بالكتب والثقافة وتفعيل التعلم والارتقاء بثقافة العائلة نجد أن الأولاد يهتمون بالكتاب وقراءته رغم الظرف الحالي ولكن اليوم هناك العشرات الذين لايبحثون عن الكتب وشراؤها وقراءتها بسبب انشغالهم بالعمل.
يقول الصحفي سفيان حاتم انتشار القنوات الفضائية وظروف الحياة اليومية الصعبة وظهور العاب الـ(سوني) وحتى انقطاع التيار الكهربائي أثرت كثيرا على قارئ الكتاب حتى ان المكتبات الحديثة التي فتحت عزف كثيرون عن الدخول إليها.
ويشير صاحب مكتبة في شارع النجفي: أن أسعار الكتب شهدت ارتفاعا ومثال على ذلك كتاب (زبدة التفسير) ارتفع سعره من دولار واحد إلى خمسة عشر دولارا ورغم وصول عشرات الكتب التي وصلتنا بطبعات حديثة لدور نشر مختلفة إلا أن سعرها مرتفعا وهذا لايتساوى ويتلاءم مع دخل الفرد.
ويشاطره الرأي السيد زهير شاكر صاحب مكتبة ويقول عن القراءة: ان عصب التواصل الثقافي لايمكن أن ينقطع ويتوقف قد يصاب بنوع من الخمول لكنه لن يتوقف وهناك كثير من الشباب والشابات وكبار السن من أساتذة وكتاب أدباء يواصلون تغذية أفكارهم من خلال القراءة واعتقد أن سعر الكتاب يرتبط طرديا مع السوق التجارية.
فيما يؤكد السيد هاشم أحمد صاحب مكتبة ان لكل هاو هدف محدد في القراءة وشراء الكتاب وهناك قارئ جديد وقديم مستمر وجيل هذا الزمان يطلب روايات الحب او قصائد الغزل وهناك من يطلب كتب الأبراج وكتب الأدعية الدينية.. وان الكتب الدينية أسعارها عالية ونشاهد أيام العطل تواجد الشباب في المكتبات وهناك من يبحث عن كتب الحاسبات او الانترنت.
في مدخل شارع النجفي تنتشر (بسطات) الكتب القديمة ويبيع أصحابها كتبا قديمة تتنوع موضوعاتها بجانب المجلات الفنية والسياسية وهناك من يبيع كتب مدرسية ويشير بائع الكتب عبد الكريم شيت الذي يمضي السنة السابعة عشر في هذه المهنة بالقول إن الكتب الآن غالية الثمن ومقارنة لحاجيات أخرى فان سعره مناسب وهناك العديد من الشباب يبحث عن كتب في اختصاصات معينة.
الحاسوب.. الأقراص الليزرية.. العاب الحركة على جهاز (السوني).. عشرات الفضائيات ببرامجها المختلفة تشد القارئ الذي ابتعد كثيرا عن قراءة الكتاب واقترب أكثر للحاسوب وللانترنت ولألعاب (الاكشن) والفضائيات ولكن الحكاية لن تنتهي عند هذه النقطة فقراء الكتاب لم ينقطعوا عن قراءته ورغم الانفجار الواسع للمعلوماتية وعولمة التلفزة إلا أن الكتاب يستمر في جريان معلوماته ولن ينقطع أبداً. علي محمود/ العراق