"خيبة يعقوب".. تناص الفكرة ومغايرة الدلالة

العنوان يشكل أحد  العناصر المهمة في عملية تلقي النص، أيًّا كان، فهو الباب الذي يلج منه المتلقي إلى النص.


في "خيبة يعقوب" يتشكل العنوان من عبارتين متلاصقتين


الأشخاص يرحلون والمدينة تبقى تعيد ترميم نفسها لتستفيق على فجر جديد

يشكل العنوان أحد  العناصر المهمة في عملية تلقي النص، أيًّا كان، فهو الباب الذي يلج منه المتلقي إلى النص، ويفتتح عملية الاتصال بينهما. لذلك جعل جيرار جينت منه أولى العتبات النصية المصاحبة لأي كتاب، بكونه نصاً موازيا لمحتوى العمل.
ولا يختلف أحد في موضوع أهمية العنوان وضرورة الاعتناء بصياغته من الكاتب أو تحليله ودراسته من الباحث الذي يتناول النص، فلا يمكن فهم النص بشكل دقيق وواضح من دون البدء بدراسة العنوان وتفكيك دلالاته ودراسة ما يتضمنه من إشارات وإيحاءات. 
ويرى رولان بارت أن العناوين هي أنظمة دلالية سيميولوجية، تحمل في طياتها، قيما أخلاقية واجتماعية وأيديولوجية. فيما يشير جميل حمداوي إلى أن العنوان يساهم في "توضيح دلالات النص، واستكشاف معانيه الظاهرة والخفية، أن فهما، أو تفسيرا، وأن تفكيكا أو تركيبا". ويجد بسام قطوس أن العنوان يشكل سمة العمل الفني أو الأدبي الأول، من حيث هو يضم النص الواسع في حالة اختزال وكمون كبيرين، ويختزن فيه بنيته أو دلالته أو كليهما معا. 
وحدد جيرار جينيت في عتباته النصية أربع وظائف للعنوان هي: الوظيفية التعيينيية، والوظيفة الوصفية، والوظيفة الإيحائية، والوظيفة الإغرائية. ويرى جينيت أن العنوان من أهم العناصر التي يستند اليها النص الموازي (Paratext) وهو بمثابة عتبة تحيط بالنص، عبرها نقتحم أغوار النص، وفضاءه الرمزي الدلالي. ويستعير خطاطة جاكوبسن لوضع خطاطة مقابلة توضح الوظيفة الإتصالية للعنوان التي يعدها موازية لعملية تلقي النص كالآتي:

الأحداث تنتهي لتبدأ أخرى جديدة في خيال المتلقي، بمتوالية مستمرة. الأشخاص يرحلون والمدينة تبقى تعيد ترميم نفسها لتستفيق على فجر جديد

المعُنون ← العنوان← المعنون إليه
مرسل ← رسالة ← مرسل إليه
الكاتب ← العنوان ← المتلقي/القارىء
من هنا فأننا نلج إلى رواية سعدون جبار البيضاني المعنونة "خيبة يعقوب" من عتبة العنوان لقراءة الدلالات السيميائية التي يحملها وما تعنيه بالنسبة للنص الروائي الذي بين أيدينا. حيث إن المرسلة/الرواية الموجهة من المرسل/الكاتب إلى المتلقي/القارىء لا يمكن أن تنحصر في العمل وحده، كون النص والعنوان متكافئين تكافؤا سيميوطيقيا.
وفي "خيبة يعقوب" يتشكل العنوان من عبارتين متلاصقتين "خيبة" التي تحمل معنى معجميا يدل على عدمُ تَحقُّق بنيل المطلوب، عدمُ الفوز بما كان مُتوقَّعًا، فَشَل، إخفاق. كما يدل على عدم تحقيق ماكان يُرْجى أي خيبة الأمل فيما كان مرجوا أن يتحقق.
اما الشق الثاني من العنوان فيتعلق باسم العلم يعقوب .. والذي يحمل دلالة مباشرة  كونه اسم نبيّ ورد في القرآن الكريم، هو يعقوب بن إسحاق، الذي رزقه الله تعالى اثني عشر ولدًا أشهرهم النبيّ يوسف. وهذه الدلالة هي التي تجعلنا نذهب إلى مقاربتها السيميولوجية، إذ لم نجد في النص ما يشير بشكل مباشر إلى يعقوب سواء أكان النبي نفسه، أو أي شخص يحمل اسمه كما اعتاد الناس أن يسموا أبناءهم بأسماء الأنبياء والصالحين وغيرهم من الشخصيات المعروفة.
عدم وجود يعقوب بالاسم في النص يجعلنا نبحث عن التناص بين حكاية يعقوب النبي وقصة جبر (الأب) في رواية البيضاني وهو ما يطلق عليه جينيت التعالي النصي، الذي يعرفه بأنه: "كل ما يضع النص في عالقة، سواء كانت واضحة أو خفية بنصوص أخرى".
والكاتب هنا يمنحنا مفاتيح البحث عن شكل التناص بين حكاية جبر غضبان وأبنائه، مع قصة يعقوب وأبنائه، كما وردت في سورة "يوسف" بالقرآن الكريم. إذ يرد على لسان الابنة سكينة، الناجية الوحيدة من العائلة المنكوبة "تلوم الناس أبي.. يقولون ليس عاقلا، قال سيأتي أحدهم، أريد واحدا فقط، كيف فقد بصره عندما قالوا له هذه آخر وجبة أسرى، قال يا ليت كان أحدهم أسيرا، ضرب جبهته براحته وفقد بصره في الحال". وأني لأجد في هذا المقطع مفتاحاً أول يمنحنا إياه الكاتب حتى نتمكن من اكتشاف العلاقة بين يعقوب العنوان والنص الروائي الذي لا يعقوب فيه إلا الأب (جبر)، فالاقتباس أعلاه يحيلنا بشكل غير مباشر إلى النص القرآني "وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85). قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(86).(سورة يوسف). والتناص يكون مباشرا وأكثر وضوحا في استخدام الآية (86) التي كان جبر يرددها باستمرار حتى موته، كما يخبرنا الكاتب، وهذا هو المفتاح الثاني الذي يضعه بين أيدينا لنفك دلالة العنوان، وهو ما يتضح بشكل أكثر وضوحا على لسان سكينة "أبي قال له ملك من السماء أن أحد أولاده سيعود"، فهو يعلم من الله ما لا يعلمه الناس.
إن هذا التناص الذي نجده بين حكاية جبر وحكاية يعقوب النبي، يمكن أن يفك لنا الشفرة الدلالية التي وضعها الكاتب في عنوان الرواية، وكان ذكيا في ذلك عندما جعل العنوان لا تفتح مغاليقه إلا بالرجوع للنص، واكتشاف أين يكمن يعقوب في الحكاية التي لا تذكر اسمه إلا بالعنوان.
ومع ذلك فأن الكاتب الذي استعار من حكاية يعقوب فقدانه لابنه، وأمله المستمر بأن يعود إليه يوما ما، وهو ما تحقق، لم يكرر الحكاية كما هي، وكأنه يريد أن يخبرنا أن صبر العراقيين فاق صبر يعقوب النبي حين فقد ابنه، كون الحرب أخذت من جبر ثلاثة أبناء دفعة واحدة، ولحقتهم أمهم (صبرهن) التي بقيت تنتظر عودة أحدهم حيا، حتى ماتت دون أن تحقق ذلك، وهو ما حدث لجبر أيضا  الذي رحل قبل أن يشهد عودة أحدهم حيا، ولكن بعد 15 عاما من الأسر، وكان جبر قد مات ولم يشهد تحقق ما كان يشعر به في داخله، ولا تصدق الناس به لأنهم شهدوا جبرا وهو يستلم جثث أبنائه الثلاثة تباعا ودفنهم واحدا بعد الآخر.
وفي هذه الثيمة بالذات تكمن الخيبة، الخيبة التي لم يشعر بها يعقوب النبي إذ عاد ابنه إليه كما عاد بصره، ولكن جبر الغضبان أودت به الخيبة إلى فقدان بصره ليموت وهو حزينا على أولاده وزوجته، وتتضاعف الخيبة بعودة الابن كريم الذي لم يجد أحدا بانتظاره بعدما استطاع الهرب من سجن للأسرى في الأطراف الشمالية من إيران لم يكن مسجلا حتى عند الصليب الأحمر لذلك لم يعلم أحد بأنه موجود فعلا إلا ذلك الإحساس الذي كان ينتاب أبيه قبل رحيله.
ومع كلّ الخيبات التي تترادف على النص يضع الكاتب في النهاية أملا بأن تعود الحياة إلى مجراها حين يبدأ كريم العائد من المجهول يرمم بيتهم الذي أصبح خرابا بمساعدة أهل المدينة: "رمم له أبناء المدينة إحدى الغرف وتم صبغها وتأثيثها فيما جرت حملات عمل شعبي وتبرعات لإعادة إعمار الدار، استقر بالدار وحيدا، أعاد جميع الصور إلى الغرفة".  

novel
مرحلة موجعة ومثقلة بالخيبات للعراقيين

وتكمن أهمية هذا المقطع في كون الكاتب يتآلف مع المكان بشكل كبير حتى أنه يبدء روايته بمدخل وضع له عنوان "ذاكرة المدينة / صومعة الحدث قريباً من الواقعة" ليحدثنا عن مدينة المجر الكبير التي تشهد الأحداث قبل أن يعرج لاحقا على حياة جبر وكيف بدأت وكيف استقل عن أهله في بيت من قصب بناه في أطراف المدينة فعائلة جبر وضعت هذه الدار "لبنة لبنة مذ كانت من القصب ثم تحولت إلى الطين، إلى أن تطورت وصارت دارا حديثه مشيدة بالطابوق". وكأني بالكاتب وهو يصف دار جبر الغضبان، يتحدث عن المدينة وتطورها إلى ما هي عليه فيختزل ذلك المجتمع الصغير المليء بالأسرار والحكايات بسيرة عائلة افجعتها المصائب والأحداث التي يمرّ بها البلد، ولكن رغم ذلك مستمرة بالحياة.
لقد كان الكاتب ذكيا في استخدام التناص في العنوان بدلالته المغايرة، كما كان ذكيا في إطلاق الأسماء على شخوص عائلة جبر غضبان، التي لم يتبق منها قبل أن يعود كريم من الاسر إلا "سكينة" الابنة الصغيرة التي بقيت وحيدة بعد رحيل أمها وأخوتها ووالدها الذي بقيت ترعاه وحدها حتى موته، وهنا نجد تناصا آخر في استخدام الاسم الذي يتوافق مع شخصية دينية تاريخية تتداولها الذاكرة الشعبية في العراق كثيرا هي "سكينة بنت الحسين" التي شهدت فاجعة مقتل والدها وأخوانها واحدا بعد الآخر في معركة الطف ولكنها بقيت صابرة محتسبة.
بقي أن نقول إن الروائي سعدون جبار البيضاني قدم لنا توثيقا تاريخيا لمرحلة موجعة ومثقلة بالخيبات للعراقيين، رغم أنه، وهذا من الحسنات التي تضاف إلى النص، لم ينجرف إلى الخطاب السياسي على حساب الخطاب الروائي، كما يذهب العديد من الروائيين العراقيين الذين يوثقون لأحداث التاريخ الحديث، بل جعلنا أمام خطابا روائيا يقدم الأحداث برؤية اجتماعية، وعين لماحة ترصد الزوايا الضيقة من الأحداث بعيدا عن التكرار الملل والخطابية الزائفة، تاركا المجال للمتلقي/القارىء لينظر إلى الأمور بالكيفية التي يريدها، وهو ينهي النص بخاتمة مفتوحة على أفق متسع، فالأحداث تنتهي لتبدأ أخرى جديدة في خيال المتلقي، بمتوالية مستمرة. الأشخاص يرحلون والمدينة تبقى تعيد ترميم نفسها لتستفيق على فجر جديد.
يذكر أن رواية "خيبة يعقوب" صدرت في طبعتها الأولى عن "منتدى عين للثقافة والابداع عام 2006" ، وأعاد اتحاد الأدباء والكتاب في ميسان إصدارها بطبعة جديدة عام 2020.