خيبة ديمقراطية في تونس: كلهم يريدون السلطة


احباط انتخابي

تونس - بعد ثلاثة أيام من انطلاق حملة انتخابات المجلس التأسيسي المقررة ليوم 23 تشرين الاول/ أكتوبر بدا المشهد السياسي في تونس باهتا وفاترا خاليا من أي حركية سياسية تقنع بأن البلاد مقبلة على موعد سياسي تاريخي سينقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الأبرز دولة مدنية ومجتمع ديمقراطي وتنمية شاملة تستفيد منها كل الفئات والجهات.

على امتداد شارع روما المتفرع عن شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة يتوقف بعض المارة قليلا أمام سيل من معلقات اللوائح الانتخابية التي تجمل الجدران أكثر مما تثير انتباه التونسيين، يلقون نظرة عابرة ثم يمضون إلى قضاء شؤونهم غير عابئين بأسماء المترشحين ولا بانتماءاتهم السياسية ولا بوعودهم الانتخابية.

تقول آمنة منيف، موظفة في بنك " كلهم كيف كيف)متشابهون (، وتضيف " كلهم يريدون السلطة أكثر مما يهتمون بمشاكلنا".

ولم يكن رأي منيف نشازا بل هو يعكس موقف فئات واسعة من المجتمع التونسي من الانتخابات، موقف مشحون بكثير من الإحباط وبقليل من الأمل في الخروج بالبلاد من الأوضاع المتردية اقتصاديا واجتماعيا وعمقت أزمتها ضبابية المشهد السياسي.

وبرأي هشام بلقاضي، أستاذ التاريخ في أحد معاهد العاصمة ،"هناك مشكلة حقيقية تعترض الناخب، إنها كثرة الأحزاب التي فاق عددها الـ 100 حزب" ويضيف باللهجة التونسية "إنها الكثرة وقلة البركة" "أي كثرة الأحزاب دون جدوى ونتائج ملموسة".

ورغم أن الأحزاب السياسية قامت بحملات سياسية على امتداد 6 أشهر مستفيدة من مناخ الحرية وعقدت الكثير من الاجتماعات ونظمت التظاهرات في مختلف جهات البلاد وفتحت أمامها وسائل الإعلام منابر التعريف بنفسها إلا أنها لم تنجح في تعبئة الرأي العام ولا في إقناعه.

ويرى المحللون السياسيون أن الناخب التونسي يعيش حالة إحباط تجاه العملية السياسية وهو إحباط ناجم عن عدم بروز قوة سياسية أو أكثر قادرة على تقديم برامج سياسية واقتصادية واجتماعية مقنعة.

ويضيف المحللون أنه لئن كان إحباط الناخب التونسي يعود إلى طبيعة النظام السابق الذي حفر هوة سحيقة بين المواطن والنشاط السياسي فإنه يعود أيضا إلى الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد اليوم وهي أزمة أغرقت المواطن في مشاغله اليومية التي تعد اليوم سقف تطلعات التونسيين.

عبد العزيز بن عمر، بائع متجول، أحد زملاء البوعزيزي، يقف على رصيف شارع إسبانيا قرب السوق المركزي ويعرض للبيع لعب الأطفال نظر إلي نظرة حادة لا تخلو من الريبة حين سألته عن الانتخابات قبل أن يجيبني بكل استهزاء "آش يهمني في الانتخابات، خليني نخدم على روحي".

ورغم ذلك هناك فئات أخرى من المجتمع التونسي تهتم بالانتخابات وتنتظرها بشيء من الخوف.

يقول نزار الرياحي، طالب علوم قانونية بالمرحلة الثالثة بالجامعة التونسية "انتخابات المجلس التأسيسي موعد وطني وتاريخي ولكن تجربة التونسيين مع السياسة طيلة نصف قرن خلال نظامي بورقيبة وبن علي جعلتهم لا يثقون في رجال السياسة".

ويتابع الرياحي "هناك أزمة ثقة، لا أدري ما إذا كانت الأحزاب السياسية على وعي بها أم لا وهي أزمة ستكون لها نتائج وتداعيات على الانتخابات".

وبخصوص المترشحين، يلاحظ الرياحي "إنهم غير معروفين، هم كثيرون ولكنهم متشابهون في ما يقولون، وهذا مشكل خطير".

وبالفعل فقد تشابهت كلمات المترشحين على القنوات الإذاعية والتلفزية ولم تزد الناخب التونسي إلا مزيدا من التردد والإحباط، والأخطر من ذلك بدا المترشحون وهم يلقون كلماتهم كما لو أنهم يتنافسون على مقاعد في المجالس البلدية لا على مقاعد في مجلس تأسيسي سيحدد مصير البلاد.

خلال الأيام الثلاث الماضية بدت كلمات المترشحين دون سقف التطلعات، تعد بإصلاح الطرقات ونظافة البيئة وتعميم النور الكهربائي والمياه الصالحة للشرب، كلمات لا تعكس وعي المترشحين بأنهم يتنافسون على مقاعد في مجلس تأسيسي سيصوغ دستور جديد للبلاد وتشكيل حكومة شرعية وانتخاب رئيس للجمهورية.

وفي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على إنجاح الانتخابات وتعتبر إجراءها في موعدها "إنجاز تاريخي" على حد تعبير الوزير الأول الباجي قائد السبسي تبدو قطاعات واسعة من التونسيين غير مكترثة.

وتتوجس الأوساط السياسية التونسية خيفة من نتائج حالة إحباط الناخب التونسي مشددين على أن الإحباط قد يؤدي إلى نسبة إقبال ضعيفة مما يجرد الانتخابات من مصداقيتها ، وعندها تحدث الكارثة.

ويتوقع المراقبون أن نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع ستتراوح بين 40 و60 في المائة وفي أقصى الحالات لن تتجاوز نسبة 70 بالمائة ويضيفون أن مثل هذه النسب غير كافية لإضفاء الشرعية على الانتخابات.

أما الفاعلون السياسيون فإنهم أكثر تفاؤلا ويراهنون على إجراء انتخابات تستقطب ما بين 80 و90 بالمائة من التونسيين ستفضي إلى مجلس تأسيسي تعددي لن يحتكر فيه أي حزب من الأحزاب مقاعده.

وما بين تقديرات المراقبين وتفاؤل السياسيين يقف الناخب التونسي محبطا بين مفترق طرقات إما الاقتراع العشوائي أو الاكتفاء بدور المتفرج على اللعبة السياسية.