خيال الذاكرة

أراد أن يكون لا مرئياً

يروق لي عند التفكير في عنوان السيرة الذاتية "ذكريات تراني" للشاعر السويدي توماس ترنسترومر، التي ترجمها طلال فيصل، والصادرة عن سلسة "الجوائز" بالهيئة المصرية العامة للكتاب، يروق لي تأمل هذه الفقرة التي كتبها ترنسترومر في بداية السيرة، وتحديداً في فصل "ذكريات":

"تجاربنا المبكرة في معظمها، يصعب الوصول إليها؛ فهي لا تزيد على كونها مرويات، وذكريات للذكريات، وإعادة تركيب مبنية على حالات مزاجية تتوهج بشكل مباغت في الحياة".

كيف تكون التجارب المبكرة "ذكريات للذكريات"؟

إنني أستطيع تحليل هذا التعريف في ضوء استدعائين ملهمين في تصوري؛ الأول لـ خابير مارياس من روايته "قلب ناصع البياض":

"حتي الأشياء التي لا تُمحي لها زمن معين. مثل تلك التي لا تترك أثراً أو لم تحدث أصلاً. وأننا نتدخل وننتبه لها أو أن نسجلها أو نصورها، وأن نمتليء بالذكريات، بل وأيضاً نحاول أن نستبدل ما حدث بما نملك من أحداث وأرشيف لما جرى، بطريقة ما، وكأن ما جري في الحقيقة منذ البداية هو توقعنا أو تسجيلنا أو تصويرنا لها، هذا وحسب؛ والآن بهذا التمام الدقيق للإعادة نكون قد أضعنا الوقت بترتيب الأشياء كما وقعت فعلاً (حتي لو كان الزمن هو وقت الانتباه)"، وبينما نلجأ لاستعادته أو إنتاجه من جديد، أو نعمل على منعه من أن يكون ماضياً، فزمن آخر مختلف سيقع حتماً".

الاستدعاء الثاني لـ باسكال: "الأفكار التي تهرب، أريد أن أكتبها، أكتب عوضاً عن ضياعها مني".

إذن يمكن الإجابة عن السؤال السابق "كيف تكون التجارب المبكرة "ذكريات للذكريات" بتعبير توماس ترنسترومر من خلال اقتراح أقرب إلى المعادلة التي تزاوج بين الاستدعائين السابقين؛ فإذا كان في استعادة التجارب المبكرة يكمن شكل من "الخلق المختلف للذكريات" الناجم عن تدخلنا وانتباهنا وتعديلنا لما يتم استرجاعه، وبما أننا عند كتابة هذه الأزمنة التي أُعيد إنتاجها نواجه ضياعها، فتتحول الكتابة إلى محاولات تعويض عن فقدانها، فإن الكتابة إذن ـ كما ينطبق على السيرة الذاتية لـ توماس ترنسترومر، هي اكتشاف العالم المخبوء داخل الاستدعاءات القاصرة لذكريات غير مضمونة.

هذه الذكريات هي التي تحتل موقف الفاعل المسيطر ـ لكونها غير مضمونة ـ وهي التي ترى؛ أي تراقب وتتفحص ذلك الذي لا يتوقف عن خلقها، أي أنها الماضي الذي يستعمل هذا الخالق كي يستمر في الحياة وفقا لخيالاته المتغيرة. لنقرأ ما كتبه ترنسترومر في قصيدة "أمسية ديسمبرية":

"هأنذا الرجل اللامرئي، الذي ربما تستخدمه / الذاكرة الكبيرة، حتى يعيش الآن".

يمكن الوعي بالانتقالات الانتقائية السريعة التي تتمسك بعمومية الرصد عند ترنسترومر في سيرته، والتي تطغى على الرغبة في التمهل لإعمال التدقيق الوصفي والانشغال المتأنّي بالعلاقات الممكنة بين التفاصيل الصغيرة، والحرص على إعطاء الخطوات المتتابعة نصيباً دسماً من التحليل والتشريح.

لا يعد هذا بالنسبة لي تعمداً لتنظيم السيرة بما يقترب من الاختزال الشعري، أو تمرير حالة باطنية من الإيحاء بالإيقاع الناتج عن التلاحق الإيجازي كما في قصائد توماس ترنسترومر التي يبدو فيها الميل نحو الاختصار وحسب، وإنما تبدو أيضاً هذه اللطشات التذكرية المبتورة أو الوخزات المشهدية المتعاقبة، والتي يمكن أن تُبطىء من حركتها أحياناً، تبدو كإيمان بالخيال الذي يمثل واقع الأزمنة المستدعاة، وجوهر الكيفيات المبهمة لاسترجاع الماضي. تؤكد الاقتناع الجمالي عند ترنسترومر حيث يتوافق التحريض على التورط في غموض مساحات الخيال الصامتة داخل اللقطات المسترجعة مع ترك إشارات، عتبات، علامات محفزة، ومرشدة نحو الاحتمالات التي تجعله ـ أي الخيال ـ يعيد تركيب المرويات.

لقد أراد توماس ترنسترومر أن يكون لا مرئياً، بقدر ما يستطيع، كما يقول المقطع السابق من قصيدته، حتى يكون مرئياً كيفما يريد، ولتتمكن علاقته بالذكريات التي تراه من أن تتحقق.

ربما حاول بواسطة هذا الاقتضاب المقصود أن يدفعنا نحو شعور يقارب المرض الذي أصابه في الطفولة، وجعل الوساوس والمخاوف تتحكم في عالمه، أو يمتد بهذا الشعور كوجود مهيمن أو كتاريخ شامل، حاول أن يدفعنا نحو العتمة التي تعيش بداخلها أشباحنا الخاصة.