'خيار أوكسفورد' لا يقلُّ سوءاً

بقلم: جواد البشيتي

خيار الحل النهائي (للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني، أو للنزاع التاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين) من خلال تفاوض سياسي، يفضي إلى إقامة "دولة فلسطين (الصغرى)" إلى جانب دولة إسرائيل، هو الآن، أي مُذْ بدأ العمل به، في "أزمة مستحكمة"، من وجهة النظر الفلسطينية، فإسرائيل، وبعيون مصالحها، ترى ما لا يراه الفلسطينيون، أي أنَّها ترى في تلك الأزمة المناخ الملائم لمصالحها.
الفلسطينيون يدركون أزمتهم جيِّداً؛ ولكنَّهم لا يدركون بما يكفي من الوضوح مكمنها، أهي أزمة في "الهدف" أم في "الوسيلة"؟
هل الأزمة تكمن في كون هدف "الدولتين" غير قابل للتحقيق بسبب "عدم واقعيته"، بحسب معيار المصالح الإسرائيلية، أم تكمن في التفاوض السياسي المتَّبَع حتى الآن بوصفه الوسيلة الفضلى للوصول إلى هذا الهدف؟
"الأزمة"، على ما نرى، ليست هنا، أو ليست هنا فحسب؛ ويكفي أن يتوفَّر الفلسطينيون، أو بعضهم كأولئك الذين يحسبون أنفسهم ممثِّلين لـ "الوعي الاستراتيجي الفلسطيني"، على دراسة وبحث "البدائل (الاستراتيجية)"، أو كل خيار بديل من الخيار المعمول به، حتى الآن، والذي أفضى إلى تلك الأزمة، حتى يتأكَّدوا أنَّ "الأزمة" هي أيضاً، إنْ لم تكن في المقام الأوَّل، "أزمة بدائل (استراتيجية)"، فليس من "بديل" تفتَّقت أذهانهم عنه لا يعاني أزمة، تَعْدِل، إنْ لم تَفُقْ، أزمة خيار "حلُّ الدولتين" عبر المفاوضات السياسية، التي شحنها "لقاء أنابوليس" بمزيدٍ من أسباب الفشل، جاعلاً أزمتها تشتدُّ وتَعْنُف.
"الخيارات جميعاً" هي حلقات في سلسلة الأزمة (الاستراتيجية) الفلسطينية، فاشتداد الأزمة في كل خيار، أو في كل حلقة، هو ما حَمَلَ الفلسطينيين على الانتقال إلى "الخيار التالي"، أو "الحلقة التالية"، فالفلسطينيون لم يعترفوا بإسرائيل (عبر منظمة التحرير الفلسطينية) ويأخذوا بخيار "حلِّ الدولتين"، إلاَّ بعد، وبفضل، "تجريبهم" خيارات من قبيل "الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين كلها"، و"الدولة ثنائية القومية في فلسطين كلها".
وهذا إنَّما يعني (في لغة السياسة المنتمية إلى عالمها الواقعي) أنَّ "الأزمة" التي انتهى إليها الأخذ بخيار "الدولة ثنائية القومية"، أو ما شابهه، هي ما حملت الفلسطينيين، عبر منظمة التحرير الفلسطينية، على الانتقال إلى "خيار الأزمة التالي"، أي إلى خيار "حل الدولتين"؛ فإذا كان هذا هو الذي حدث، من وجهة نظر تاريخية، فبحسب أي منطق يُصوَّر خيار، أو بديل، "الدولة ثنائية القومية" على أنَّه "المَخْرَج" الممكن سياسياً، أي واقعياً، من أزمة خيار "حل الدولتين"؟!
إنَّ خيار "الدولة الواحدة (ثنائية القومية، أو الديمقراطية)" إنَّما هو ذاته ما يسمَّى خيار "إسراطين"، فهل تمثَّلوا معنى هذا الخيار قبل الدعوة إلى الأخذ به بوصفه "بديلاً استراتيجياً"، أو "مَخْرَجاً" من أزمة خيار "حل الدولتين"؟!
إنَّهم، أوَّلاً، لم يحسنوا تصويره "إعلامياً"، فلقد صوَّروه على أنَّه الخيار الذي بفضله تخسر إسرائيل فرصة تاريخية لإنهاء نزاعها مع الفلسطينيين بما يحفظ لها البقاء بوصفها "دولة"، وبوصفها دولة "قومية" لليهود، الذين يؤلِّفون غالبيتها (أو غالبيتها العظمى) الديمغرافية، فهل ينتهي الإنهاء الفلسطيني لهذه الفرصة إلى تهيؤ فرصة للفلسطينيين لاجتذاب تأييد دولي إلى هذا الخيار، أو البديل، "الجديد"؟!
وهذا الخيار، أو البديل، يفقد معناه إذا لم يكن "حق اللاجئين الفلسطينيين جميعاً في العودة إلى إقليم الدولة الواحدة" مكوِّناً أساسياً من مكوِّناته، فإذا حدث ذلك فهذا إنَّما يعني أنَّ الدولة ثنائية القومية يمكن، ويجب، أن تكون، في الوقت نفسه، دولة الغالبية الديمغرافية الفلسطينية (أو العربية) حاضراً، ومستقبلاً على وجه الخصوص.
المخاطِبون، كأنَّهم يخاطبون إسرائيل قائلين: إمَّا أن تقبلي خيار "حل الدولتين" بما يلبِّي شروط هذا الحل، على ما يتصوَّرها الفلسطينيون، وإمَّا أن تواجهي خطر خيار "الدولة الواحدة"، ثنائية القومية، أو الديمقراطية.
هذا الخطاب، ليس بخطاب "القوَّة"، وإنَّما بخطاب "اليأس"، فمنسوب "الواقعية السياسية" في هذا الخيار "الجديد" يقلُّ كثيراً، وكثيراً جداً، عن منسوبها في الخيار "القديم"، أي المعمول به الآن، والذي يقوم على "حل الدولتين".
وإذا كان لإسرائيل أن تفاضل بين أمرين أحلاهما مُرُّ، فلن تفاضِل إلاَّ لتفضِّل "الخيار الثالث"، الذي جرَّبته في قطاع غزة، فهي ما أن تستكمل بناء "الجدار الأمني" في عمق أراضي الضفة الغربية، وما أن ترى ما تودُّ رؤيته من العواقب الفلسطينية المترتِّبة على فشل "مسار أنابوليس"، حتى تنهي كل وجود (عسكري واستيطاني) لها شرق "الجدار"، من حيث المبدأ والأساس، تاركةً للفلسطينيين هناك حرِّية "تقرير المصير"، بما يؤدِّي، في آخر المطاف، إلى تكرار تجربة قطاع غزة في "التحرير الأوَّل" و"التحرير الثاني".
وذريعتها الفضلى ستكون هي أنَّ الفلسطينيين تسبَّبوا بفشل "مفاوضات السلام" التي كان يمكن أن تؤدِّي (لو تحلُّوا بما يكفي من "المرونة") إلى إنجاز "حل الدولتين"، وأنَّهم قد عادوا إلى الأخذ بخيار "القضاء على الدولة اليهودية" إذ أخذوا بخيار "الدولة الواحدة" ثنائية القومية، أو الديمقراطية!
إسرائيل لن تكترث، عندئذٍ، لإنهاء "الاعتراف التاريخي" لمنظمة التحرير الفلسطينية بها؛ لأنَّ هذا الإنهاء ستجري رياحه بما تشتهي سفينتها، ولن تعتقل، أو تطرد، قيادات وممثِّلي السلطة الفلسطينية؛ لأنَّ على هؤلاء أن يديروا أمور الفلسطينيين بما يوافِق "حقائق الواقع" التي جاء بها "الخروج الإسرائيلي" إلى ما وراء "الجدار"، أي إلى غربه.
وعندئذٍ، لا بأس من إعادة فتح وتشغيل "معبر رفح"، ولا بأس، أيضاً، من فتح وتشغيل المعابر الفلسطينية في الضفة الغربية مع الأردن، فالأمر الذي من الأهمية بمكان، إسرائيلياً، هو الإغلاق الأبدي لكل معبر فلسطيني مع إسرائيل، وبقاء الممر بين قطاع غزة والضفة الغربية مقطوعاً بالسكين الإسرائيلية..إلى أن تشتد حاجة الفلسطينيين إلى تحويل هذا "الحل"، أي "حل الأمر الواقع"، إلى "حل قانوني" من خلال اتفاقية سلام مع إسرائيل.
لا بدَّ من "خيار آخر"، أو من "بديل آخر"؛ ولكنَّنا لن نعثر عليه في "الخلاصة" التي توصَّل إليها ذلك "الفريق الفلسطيني للدراسة الاستراتيجية".
"البديل (الاستراتيجي)" يجب ألاَّ يقوم على "إعلان إنهاء الاعتراف التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل"، ولا على "إعلان إنهاء خيار حل الدولتين"، ولا على "إعلان الأخذ بخيار الدولة الواحدة ثنائية القومية أو الديمقراطية"، ولا على "إعلان إنهاء خيار الحل عبر التفاوض السياسي". هنا، دعوا "الغموض" قائماً مستمراً.
إذا فشل "مسار أنابوليس"، وهو فاشلٌ لا محالة، وإذا ما غادر الرئيس بوش البيت الأبيض من غير أن يأتي بما يقنع الفلسطينيين بأنَّ ما سعوا إليه، وحاولوه، لم يكن بـ "الوهم الخالص"، فعندئذٍ، تلتقي كل القيادات الفلسطينية، وفي مقدَّمها قيادات "فتح" و"حماس"، للاتفاق، ولإعلان الاتفاق، على أمر واحد فحسب، هو إنهاء كل سلطة فلسطينية في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، فمبتدأ "الحل" لـ "الأزمة الفلسطينية الاستراتيجية"، يمكن ويجب أن يكون على هيئة حلٍّ متزامن للمجلس التشريعي، ولرئاسة السلطة، ولحكومتي فياض وهنية، مع دعوة الدول العربية إلى تحمُّل مسؤولياتها كاملة، ودعوة الأمم المتحدة إلى تحمُّل مسؤولياتها كاملة في "الأراضي الفلسطينية المحتلة"، أي في كل قطاع غزة، وفي كل أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
هذا "الفراغ" هو الذي يمكن ويجب عندئذٍ أن يُملأ بـ "المقاومة الفلسطينية الشاملة"، التي لن تكون "ذكية" إلاَّ إذا عرفت كيف تقصِّر المسافة بين "الاحتلال" و"إنهائه" بما يلبِّي الشروط والمطالب الفلسطينية الأساسية.
خيار "الحل (النهائي) عبر التفاوض السياسي" يجب ألاَّ يُسْقَط (رسمياً وعلانية). ولكنَّ هذا لا يتعارض، ويجب ألاَّ يتعارض، مع إعلان الفلسطينيين في "بيان الحل المتزامن" أن لا مفاوضات مع إسرائيل قبل تولِّي الأمم المتحدة الإدارة المؤقَّتة للأراضي الفلسطينية.
إنَّها ثلاثة خيارات فلسطينية كُتِبَت بمداد "الوهم الخالص": "خيار أنابوليس"، و"خيار منتصف حزيران 2007 في قطاع غزة"، و"خيار أوكسفورد".
قد تكون قدرة الفلسطينيين على تغيير واقعهم أو عالمهم ضعيفة، أو حتى في منتهى الضعف؛ ولكنَّ وعيهم لواقعهم وعالمهم يمكن ويجب أن يكون أكبر وأوسع من قدرتهم تلك! جواد البشيتي