خيارات ميتشل وادارته!

بقلم: كاظم محمد

بعد ان حاولت ادارة الرئيس اوباما ولا تزال، ان تثني اسرائيل عن التوسع الشرس للاستيطان مقابل مغريات التطبيع العربي معها، فشلت وفشل معها لحد الان مبعوثها الخاص روبرت ميتشل في اقناع رئيس الوزراء الاسرائيلي بالمطالبة الاميركية والاوروبية في التوقف عن البدء بمشاريع استيطانية جديدة، وفسح المجال امام المفاوضات المقبلة مع قيادة السلطة الفلسطينية لتحريك ما يسمى بـ"عملية السلام" على اساس حل الدولتين الاميبي، الذي طبلت له ادارة بوش بعد مؤتمر انابوليس، وترفع شعاره اليوم ادارة اوباما كتوجه ضمن النهج الجديد لها، في ايجاد تسوية مقبولة للقضية الفلسطينية.
فما هي خطواتها المقبلة في فرض ارادتها، بوقف الاستيطان والبدء في مفاوضات جدية تتناول قضايا الوضع النهائي، وما هي الخيارات المتاحة امام اوباما، الرئيس الذي يريد ترميم نتائج وتبعات سياسات سلفه في المنطقة؟
كان زخم الفوز الذي حققه اوباما بشعاراته وخاصة بعد حروب بوش واحتلال افغانستان العراق، وطبيعة المأزق السياسي والاقتصادي الذي وجدت اميركا نفسها فيه، قد رفع من اسهم الامال التي علقها الكثيرون على ادارة اوباما في حل مشاكل العالم وانقاذ اميركا من مأزقها، وكعادة النظام الرسمي العربي ومعه عشاق المفاوضات الماراثونية في السلطة الفلسطينية، كان ولا يزال اتكالهم على الادارات الاميركية في الحصول على بعض "التنازلات" الاسرائيلية، لتمشية امور التفاوض ومحاولة الوصول لحلول تنهي الصداع المزمن الذي سببته قضية الشعب الفلسطيني لقادة هذا النظام.
فرغم التنازلات الكبيرة التي قدمها هذا النظام الرسمي العربي، العلنية منها والسرية، واستعداده للذهاب الى اقصى الحدود مع توجهات الادارة الاميركية، ورغم نسيج العلاقات والتفاهمات التي اقامتها بعض الانظمة مع الكيان الاسرائيلي، وتحول السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الامنية والمخابراتية الى اداة لحماية امن اسرائيل ومستوطنيها، عبر مطاردة ومكافحة خلايا المقاومة المسلحة واعتقال وقتل عناصرها وكوادرها، وضرب البنى التحتية لقوى المقاومة، ووصول التنسيق الامني الى مستويات تبادل المعلومات حول "المخربين والارهابيين" من ابناء الشعب الفلسطيني، فأن التعنت الاسرائيلي برفض حتى تجميد الاستيطان لأستئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، الذي لا زال متمسكا بموقفه بان لا مفاوضات قبل اعلان نتنياهو تجميد الاستيطان، يؤشر الى دراية اسرائيلية، بان حدود الضغط الاميركي عليها مرسوم بحدود طبيعة العلاقة الاستراتيجية بمكوناتها العسكرية والامنية والسياسية معها، وبإمكانيات التأثير على القرار السياسي الاميركي التي تمتلكها داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وبان يوم حسم المواقف، هو يوم الاخراج السياسي لصيغة ضبابية مطاطة، تسمح بالنهاية لاسرائيل بالتحكم بسير المفاوضات وتحديد مفاصلها ومتطلباتها من العرب.
لذلك فان اقصى ما سيقدمه نتنياهو هو التجميد المؤقت لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، مقابل المطالبة بزيادة الضغط الاميركي على النظام الرسمي العربي لقبول التطبيع، وتنشيط وتفعيل محور دول "الاعتدال العربي" زائدا اسرائيل في مواجهة "الخطر الايراني"، وتغيير عنوان الصراع في المنطقة لصالح اسرائيل خاصة بعد فشل حروبها الاخيرة في لبنان وغزة في تحقيق اهدافها التكتيكية والاستراتيجية، والتراجع الذي اصاب عموم المشروع الاميركي في الشرق الاوسط لهدف تحويله الى واحة تؤدي فيه الانظمة الموالية ودولها وظائف الخدمة المطلوبة للمصالح الاستعمارية والصهيونية، والذي كان فيه للمقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية دورها الرئيسي في ايقافه وتصدعه.
ان نتنياهو، يحاول تغيير مسار التوجه الاميركي الجديد في التعامل مع ايران والقضية الفلسطينية من خلال الايقاع بالجميع في مصيدة الاستيطان، مدعوما من بعض دوائر صناع القرار الاميركي ومن بقايا اليمين المحافظ في الادارة الجديدة واوساط الجمهوريين بشكل خاص في مجلسي الشيوخ والنواب، الذين يدفعون ويدعون الى رفع "الضغطط المسلط على اسرائيل من قبل الرئيس الاميركي وادارته، فهو إذ يحاول الاستفادة القصوى من الوضع المتخلخل عالميا وعربيا وفلسطينيا بقضم ما يمكن قضمه من الاراضي الفلسطينية وتهويد القدس بشكل كامل وتكريس حدود مستقبلية لدولة فلسطينية مسخ، يحاول كسب الوقت لأفساح المجال لتفعيل التحرك المؤيد لاسرائيل داخل الادارة الاميركية وخارجها برفع "الضغط" عنها وتمييع المطلب الاميركي بوقف الاستيطان، وتحويل الضغط الاميركي بالكامل على الجانب الفلسطيني والعربي في تجاوز مطلب ايقاف الاستيطان والاستعداد لتقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر قضية الشعب الفلسطيني، والدخول في مفاوضات بائسة تكرس هزالة واقع القوى المسيطرة على القرار الفلسطيني، والمعروفة بمحدودية خياراتها وقدرتها وطبيعة وضعها الداخلي، واعتمادها في بقائها على الدعم المالي واللوجستي الاميركي، وتخليها الكامل عن خيار المقاومة الشعبية للاحتلال كبديل لفشل الحل السياسي الذي تتبناه.
وربما يكون تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية بي جي كراولي بأن وقف الاستيطان ليس شرطا لاستئناف المفاوضات، اولى مؤشرات التراجع الاميركي عن طلب وقف الاستيطان. وكذلك موافقة رئيس السلطة الفلسطينية على اللقاء بنتنياهو مع الرئيس الاميركي في نيويورك يوم الثلاثاء 22/9 على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، من ثمار الضغط الذي بدأت ادارة اوباما ممارسته على الحلقة الاضعف في المعادلة القائمة، رغم محاولة صائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات، استغباء العقل الفلسطيني والعربي بتصريحه بان اللقاء هو تلبية لدعوة الرئيس الاميركي، ولا يعني استئناف المفاوضات مع اسرائيل.
وعليه فان الحديث عن ارادة وخيارات اميركية جديدة تجبر اسرائيل على الانصياع وتصب في صالح العرب، يرتبط بشكل اساسي بارادة الطرف العربي في اجبار ميتشل وادارته والرئيس اوباما، على النظر في خيارات جديدة، يدفع بها الجانب العربي بقوة الى طاولة التداول السياسي والتبني الاميركي لها بمساعدة وتشجيع الفلسطينين على اعلان دولة فلسطين بحدود 1967 من جانب واحد، والدفع برفع الحصانة السياسية والدبلوماسية عن اسرائيل في مجلس الامن، والاصرار على ان ياخذ التقرير الاممي الاخير حول حرب غزة طريقه القانوني في معاقبة مجرمي الحرب الاسرائيليين، والطلب بتدويل القضية الفلسطينية. انها الخيارات التي من الصعب على الادارة الاميركية النظر فيها وهي مخيرة ومطمئنة بان الجانب العربي، بانظمته الرسمية قد وضع كل بيضه في السلة الاميركية، لذلك لا يمكن الركون لارادة اميركية صادقة في ايجاد حل عادل لقضية زاد عمرها عن الستين عاما، وصدرت حولها مئات القرارات الدولية ولم ينفذ منها شيء، وبمساهمة اميركية لجميع الادارات السابقة في توفير الغطاء الدبلوماسي والسياسي والعسكري والاقتصادي لتمكن الكيان الاسرائيلي في حروبه واحتلاله للارض العربية وطرد سكانها. إلا بتغيير حقيقي في العقليات الحاكمة واستنهاض الحركة الجماهيرية واطرها التحررية الى جانب قوى المقاومة العربية في فرض الخيارات العادلة.
ان النظام الرسمي العربي وقوى الارتداد السياسي المتلبرن، التي لم تقرأ وتستوعب بعد طبيعة المتغيرات العالمية او ترفض الاستدلال بها، بسبب مصالحها الانانية، لازالت اسيرة لتأثيرات سياسة بوش وطغمته، وهي إذ عملت على تسخيف وامتهان النضال الوطني والقومي منذ عقود، فهي حرفت طبيعة الصراع واضرت بالقضايا الوطنية والقومية، وخاصة القضية الفلسطينية، وبمصالح وامال الناس الحياتية واليومية، ولم تدرك بعد ان الغول الاميركي ينزف، وهو غير قادر حتى على ادارة الازمات التي يصنعها لخدمة اغراضه السياسية، في اشغال العرب بلبنان واثارة ازمة مفتعلة بين حكومة الاحتلال في بغداد وسورية، فما بالك بشن حرب جديدة. فاذا كان اوباما شخصية اخلاقية ويرتدي قفازا من حرير، فهو ابن هذا النظام الراسمالي ومؤسساته الذي لابد ان ينتصر لمصالحه، وان ارادته و حدود خياراته ومبعوثيه ترتبط بهذه المصالح وتاثرها سلبا او ايجابا في منطقتنا. كاظم محمد