خيارات حماس بعد إتفاق روما بين إسرائيل وتركيا

بدون أدنى شك أن إتفاق روما بين إسرائيل وتركيا بمختلف مضامينه، خضع لحسابات شديدة التعقيد، وهي التي أملت على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الإتفاق بعد قيامه بمراجعة شاملة لدور تركيا وسياساتها السابقة التي أدت في كثير من المراحل إلى إضعاف وتهميش الدور التركي في المنطقة، في سوريا وغيرها، كما حددت هذه المراجعة موقفه من روسيا التي تأزمت العلاقة معها نتيجة إسقاط طائرة السوخوي الروسية فوق سوريا، ولن تقف هذه المراجعات عند حدود إسرائيل وروسيا، بل اكثر من ذلك وربما مصر.

وضعت حركة حماس كل رهاناتها على دول في الإقليم (تركيا وقطر) وقبل ذلك على مصر الإخوانية، وفي البداية على سوريا وإيران وحزب الله، ضمن مشهد شديد التعقيد والغرابة. سياسة اللعب في الإقليم والتنقل بين المحاور المتخاصمة أربكا الحركة وسببا لها حرجا وللفلسطينيين بشكل عام. والأكثر من ذلك أنها وضعت نفسها مؤخرا في محور، أقل ما يقال عنه أنه حليف لإسرائيل، هو محور تركيا وقطر.

ولكن حسابات المصالح والسياسة تسقط حسابات الايدولوجية. شكل إتفاق روما بين تركيا وإسرائيل ردود افعال واسعة في أوساط الفلسطينيين، خاصة وأنه يأتي في ظل أجواء غير طبيعية ومعقدة. فالكثير من العرب وتحديدا في الخليج العربي بدأوا في إستبدال الدور الأميركي في المنطقة بالدور الإسرائيلي، في الوقت الذي كانت فيه حماس تراهن على هذا المحور لترتيب وضعها في قطاع غزة التي تسيطر عليه منذ 14 حزيران 2007، ككيان تم صناعته، وروجت له دولتا قطر وتركيا. وهذا الترتيب كان من المفترض أن يبدأ بفك الحصار عنها، والسماح لحليفتيها ببناء مطار وميناء، وبهذا يترك القطاع وحماس تحت الوصاية التركية. وهذا الوهم إتضح في الكثير من التصريحات لمختلف قيادات حماس وبشكل علني وواضح، كما جاء في تصريح سابق للسيد إسماعيل هنية عندما قال بأن الإتصالات التركية مع الإحتلال قطعت شوطا مهما في ملف ميناء غزة، وفي مكان آخر قال بأن همنا الأساسي خلال المرحلة القادمة هو فك الحصار والميناء. هذه هي الرؤية الإستراتيجية، وهذا الرهان كان أحد الاسباب الرئيسة في تعطل جهود إنهاء الإنقسام وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني وإستعادة الحياة الديمقراطية. ولكن حسابات الحقل لم تتوافق مع حسابات البيدر.

بدون أدنى شك بان قطر وتركيا تتعاملان مع قطاع غزة، لأن حركة حماس الحاكمة تنتمي لحركة الأخوان المسلمين، وبالتالي هي تتعامل مع طرف ضد آخر أي تتعامل مع الشعب الفلسطيني بالمفرق وليس بالجملة. ومن هنا أتى موقف المنظمة والسلطة من الإتفاق التركي الإسرائيلي، وبالرغم من التصريحات التركية السابقة وعلى لسان أردوغان الذي عبر مرارا عن عدائه لإسرائيل وشرطه فك الحصار بشكل كامل وبناء الميناء لغزة، غدا يتعامل مع القضية الفلسطينية في مستواها الإنساني الإغاثي فقط بدون أي مضامين سياسية كشعب يتطلع للحرية والخلاص. تنسى تركيا ومن ورائها حلفائها أن الصراع الحقيقي هو ضد الإحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس العاصمة السياسية للفلسطينيين والضفة الغربية اللتين تعانيان ابشع انواع الإضطهاد والظلم بفعل الإستيطان وجرائم الإحتلال ومستوطنيه. يدرك الفلسطينيون جميعهم بان الرد السياسي على جرائم الإحتلال هو بإستعادة وحدتنا كجماعة سياسية واحدة. وفي هذا الإطار يأتي الخوف من تقرير الرباعية الدولية الذي يتحدث في مقدمته عن فقدان السلطة الفلسطينية سيطرتها على قطاع غزة التي تحكمه حماس.

مما سبق يمكن تسجيل الخيارات الثلاثة التالية وكسيناريوهات أمام حماس خاصة أن هناك حالة جدل ونقاش داخلي في الحركة من مسألة الموقف من المحاور في الإقليم.

السيناريو الأول: تبقى حماس على ما هي عليه مراهنة على تركيا، في تقديم الدعم الإغاثي لها في القطاع، والإستفادة من علاقتها مع إسرائيل وفق الإتفاق الأخير في جانبه الأمني والعسكري، لمنع حرب رابعة على غزة كوسيط حليف لها، أي ضابط إرتباط بين الطرفين، مع محاولة إدخال حركة حماس في معادلة جديدة مع إسرائيل، كما قال وزير خارجية تركيا جاويش أوغلو في إشارته إلى عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية بأن تركيا تسعى بأن تكون حماس جزءا من عملية السلام، وأن لا مفاوضات بدونها وإسرائيل تعلم ذلك، في إشارة تركية واضحة على تحدي التمثيل السياسي للمنظمة والسلطة.

هذا السيناريو سيعزل حركة حماس عن القضية الوطنية وسيعمق الإنقسام وسيجعل القطاع محمية تركية بمساعدة قطرية، وسيزيد الخلاف مع مصر التي بدورها لن تسمح لتركيا بأن تلعب بحديقتها الخلفية. وبهذا الإطار لا ننسى التنسيق الأمني العسكري التركي الإسرائيلي البند الذي جاء في الإتفاقية، وإنعكاس ذلك على المقاومة والقضية الفلسطينية.

السيناريو الثاني: التحلل من إلتزاماتها السياسية مع محور قطر وتركيا والعودة إلى محور إيران حزب الله، وهذا الخيار من الطبيعي ان يدعمه بقوة القسام لما يتمتع به هذا الجهاز من علاقات تستند إلى تاريخ طويل من الدعم بمختلف مجالاته من تسليح،لمال، وتدريب.

هذا السيناريو سيقود القطاع إلى حرب رابعة تشنها إسرائيل، مع إدراك الحركة بأن هذه الحرب ستكلفها الكثير وقد تصل الكلفة لخسارتها قطاع غزة، وهي تعلم أيضا بأن دولا في الإقليم ستشكل غطاء لإسرائيل في هذه الحرب وقد يصل الأمر إلى تمويل هذه الحرب. ولا ننسى مقدار الدمار والمآسي التي سيعانيه سكان القطاع.

في السيناريو الأول والثاني قد تحاول حماس الجمع بين الإثنين، ومحاولة اللعب على الطرفين في مساحة ضيقة وهامش محدود، وعندها سيكون أشبه بإعتماد اللاموقف، خطورة هذا تكمن في إضاعة الوقت وبعدها خسارة كل الحلفاء.

السيناريو الثالث والأخير الأقل كلفة لحماس، هو الذهاب لإنهاء الإنقسام وتأسيس شراكة حقيقية قائمة على وحدة النظام السياسي الفلسطيني على أسس واضحة وبرنامج سياسي متفق عليه، يمهد الطريق لدخول حماس في منظمة التحرير الفلسطينية، عندها نستطيع أن نواجه ونقاوم بشكل أنجع الإحتلال ومخططاته العدوانية.

من حق شعبنا على حركة حماس والتي هي جزء أساسي من تكوينه السياسي، أن يسألها ويحاسبها على رهاناتها، التي وصلت إلى درجة المساومة على القضية الفلسطينية مقابل مواد تموينية وبضعة من المنافع الذاتية للحركة. فالقضية الفلسطينية ليس إنسانية فحسب بل سياسية بإمتياز.