خوسيه مورينو ومسرح الميتاتياترو

استعراض الكاتب المسرحي الإسباني لمشكلة الهجرة، كان لفضح عنصرية البعض.


مسحة من السخرية والانغماس في تقنية المسرح داخل المسرح


خوسيه مورينو يلجأ إلى الاقتضاب في أعماله، فكلها قصيرة باستثناء مسرحية "المطيعون"

كان ولوج المسرحي الإسباني خوسيه مورينو أريناس إلى الدنيا عام 1954 وإلى عالم المسرح في منتصف الثمانينيات لتشكل أعماله منذ الثمانينيات إضافة مهمة للمسرح الإسباني، وموضوعا لأطروحات ودراسات وبحوث متنوعة في العديد من جامعات العالم، وعروضا على المسارح الإسبانية والأوروبية، وقد قام الكاتب والمترجم د.خالد سالم بترجمة عدد كبير من هذه الأعمال، وصدر له أخيرا المجلد الثاني عن دار العين تحت عنوان "مسرح الميتاتياترو" وضم مسرحية "المطيعون" و21 نصا مسرحيا قصيرا تضع خطا مرئيا تحت مشكلات المجتمع المعاصر مع مسحة من السخرية والانغماس في تقنية المسرح داخل المسرح.
يقول د.سالم إن خوسيه مورينو يلجأ إلى الاقتضاب في أعماله، فكلها قصيرة باستثناء مسرحية "المطيعون" التي يضمها هذا المجلد، فهي نموذج للمسرح داخل المسرح، معها نثريات درامية التي تمثل وخزة للمتلقي لتوقظه لما يطرح عليه. وفي مسرحية "المطيعون" هناك عالم هؤلاء الشخوص هو نفسه عالم جمهور القاعة والممثلين، وهو محصور في زمان التمثيل ومكانه. ولهذا فإنه يجعل من الخيال الدرامي موضوعًا، إلى حد كبير، للشبكة الاجتماعية المؤسسية للمسرح، سواء أكان هذا خلال فترة العرض المحدد على خشبة المسرح والقاعة أم كان المكان والزمان حيث يعيش الأشخاص الذين هم على اتصال بالمسرح.

Spanish theater
مسحة من السخرية 

ويضيف أن مسرح خوسيه مورينو يحمل قارئه لأول وهلة إلى عالم غرناطة الأندلسية بقسمات وجهه المتمازجة، تجمع بين الشرق والغرب، ليبدو وكأنه خرج من مجلس الحكم في قصر الحمراء - فهو من بلدة البلوط، من أعمال غرناطة في إقليم الأندلس جنوبي إسبانيا - وعليه آثار العز والثراء.
درس أريناس الحقوق في جامعة غرناطة، فجمع بين المسرح والقانون في حياته المهنية، ويعترف ـ وفقا للمترجم ـ بأن ميوله المسرحية تعود إلى والدته، إلى جانب تشجيع بعض أساتذته لمغامراته الأولى في عالم المسرح التي أخذت شكلها المهني في عام 1987 بعمله الذي اختصرته بالاتفاق معه إلى "المطيعون" والموجود ضمن هذه المختارات التي يقترب فيها من صامويل بيكيت، حسب دارسي مسرحه. وكان قد ولج هذا العالم بعرض لهذه المسرحية قامت به فرقة "El Olivo" أي شجرة الزيتون، في قاعة الاحتفالات في جامعة غرناطة، مرآة العروض المشهدية في تلك الفترة.
ويوضح د.سالم في مقدمته التي قرأ وحلل فيها مسرح خوسيه مورينو أنه تلت تلك الفترة سنوات حاسمة في نتاجاته المسرحية، فكتب أبرز أعماله من بينها "هجوم مسلح"، "السيرة"، "الإغراء"، و"رحلة سفاري"، "المرأب" ـ الكراج ـ و"الماكينات"، و"النادل".. إلخ، وقد قدمتها لجمهور المسرح فرق عدة من إسبانيا والبرتغال والولايات المتحدة الأميركية واليونان، ونشرت هذه الأعمال في العديد من الدول في أوروبا وأميركا، وترجمت إلى عدة لغات.
ويرى أن خوسيه مورينو يتمتع بروح لاذعة وساخرة، إحدى صفات أهل إقليم الأندلس، جنوبي الأندلس، وهو ما قد يفسره البعض على أنه عنصرية، إذ يلجأ إلى هذه الميزة الأندلسية ليقول في لغة تشي بالمشكلات الاجتماعية، بغية الكشف عن العنصريين والتدليل على وجودهم في المجتمع الإسباني عند معالجة قضايا المهاجرين الوافدين إلى إسبانيا في تسعينيات القرن الماضي والسنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين. ومن هذه الروح الساخرة واللاذعة خرج مسرحه الرمزي، أعماله اللوذعية، ذات المواقف الحادة، الملامسة للهراء التي تشكل هجوما ضاريا على المؤسسة، على ما هو متعارف عليه من ثوابت وقوالب جامدة. 
ويضرب د.سالم مثلا لهذا المزج بين السخرية واللوذعية بمسرحية "الشاطئ" وعنوانها بالإسبانية "Te vas a ver negro" ـ سوف تصبح أسود ـ واستعراض خوسيه مورينو لهذه المشكلة، مشكلة الهجرة، كان لفضح عنصرية البعض، مع أن قطاعا عريضا من الشعب الإسباني هاجر في خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته. وينطلق المؤلف في جرأته لطرح إشكالية تشغل المجتمع من منطلق أنه لا يمكن قتل الرسول، حامل الرسالة، أي المؤلف "فقد كتبت عما يحيط بي، ما أراه حولي". والعنوان الأصلي للمسرحية يعني إثارة الغضب، لكن المؤلف يترك الباب مفتوحا أمام التلاعب باللون الأسود، لون المهاجرين الذين يطلون على الشاطئ بهجرتهم غير القانونية حيث تدور أحداث المسرحية.
ويشير إلى أن خوسيه مورينو يستخدم ألفاظا مثيرة ومستفزة لغرض معين، لغرض في نفسه، تحيل للوهلة الأولى إلى دلالات ضمنية عنصرية. وهو بذلك يثير المتلقي، المناوئ والمؤيد لمثل هذه المواقف والأفكار العنصرية، كي يتفاعل مع شفرات الرسائل الضمنية. إنه يبحث عن إثارة ضمير القراء والمتفرجين وتحريضهم على المشاركة الفاعلة في الفعل المسرحي، ما يعد مكافأة فورية للجمهور. 
إن رسائل أعمال هذا المسرحي الغرناطي تغلفها غلالة من السخرية والدعابة، فعندما يعرض لمشكلة المهاجرين في إسبانيا عبر سطور مسرحية "الشاطئ" فإن هذه الروح تغلب على المسرحية ولا يجب تفسير الأمور تفسيرا مباشرا وكأنه يتهكم أو يسخر من أحد، فالقضايا المطروحة تخلو من الدعابة والمزاح، إلا أن خوسيه مورينو يخضع هذه القضايا، من منطلق العلاقة القوية بين ما هو كوميدي وما هو غير كوميدي، للمزاح الذي يمتطيه من أجل الحصول على الغرض المرجو من مسرحه.
ويلفت د.سالم إلى غزارة إنتاج خوسيه مورينو المسرحي، حيث تتواصل نصوصه بطروحات المسرح السريالي والعبثي أو اللامعقول على طريقة المسرحي الإسباني رامون ديل بايي إنكلان، مع نقد عميق لعبثية التصرف الإسباني، ويتواصل من خلال هذا المنحى مع التجديد على خطى إيونيسكو وميجيل ميورا وفرناند أربال وفرانثيسكو مارتينيث باييستيروس، كما يلاحظ دارس نصوصه أنها تنم عن حالة من الدهشة كوسيلة لكسر الفكر الأوحد الذي يهدد حياة الإنسان ويحاصرها.

ويتابع أن أسلوب خوسيه مورينو في المسرحيات القصيرة المقتضبة يقترب من أسلوب وسائل الإعلام في استغلالها للسياق الدرامي للأحداث اليومية، فتوجزها في عنوان براق وسطور قليلة تلخصها تحت عنوان، لتصبح الأخبار جذابة ومغرية، وهو ما يزمعه ويحققه خوسيه مورينو في مسرحياته المتناهية الصغر، إذ تشكل ومضات درامية في رأي النقاد. ويتميز مسرحه بالإيعاز والإثارة وبالإيجاز في البنية والسياق، ويشحذ الوعي الاجتماعي والفني لقرائه ومتفرجيه من خلال الحد الأدنى من الكلمات والمواقف. هذا النوع من المسرح المقتضب مسمى وضعه خوسيه مورينو لمسرحياته القصيرة وقد أصبح بمثابة علامة تجارية مسجلة ترتبط به حسب مسرحي آخر هو خيرونيمو لوبيث موثو. ويشير المؤلف أن مسرحه مرآة تعكس ظلال أشخاص يحاولون البقاء على قيد الحياة في مجتمع يحيط به هو شخصيا ويشارك فيه، وسط أقوال مطروقة وقوالب اجتماعية مؤطرة سلفا.
ويرى د.سالم أن تقنية المسرح داخل المسرح، ميتاتياترو تقوم على أساس فكرة أن الواقع ليس تمثيلا دراميا والأشخاص الحقيقية شخوص في مسرح. وهو تداخل عوالم مختلفة في مسرحية واحدة،  نصا وإخراجا. وهذا يعني وجود أسلوب كتابة، تأملي، أو ذي وعي ذاتي يذكر المتلقي بأنه أمام عمل من وحي الخيال، يعمل على تعقيد العلاقة بين الخيال والواقع، لنقع في الحيرة التي يسببها عدم القدرة على معرفة أين ينتهي الواقع ويبدأ الخيال.. ومسرح خوسيه مورينو خير نموذج على هذا، أعني تقنية المسرح داخل المسرح التي تتجلى أكثر في تلك المسرحيات القصيرة التي لا تلجأ إلى الكلمة، الحوار المسرحي.
ويخلص د.سالم في مقدمته لمختارات خوسيه مورينو المسرحية إلى أن الطرح الذي تتضمنه المسرحيات القصيرة تميل في موضوعاتها وحبكاتها إلى أقصى حد من الاقتضاب، إلا أن تعقيدها وبعدها واسعان إلى أبعد الحدود. والحبكة وحيدة وقصيرة في حين أن المضمون موجز ويسير في اتجاه واحد، خطي، وتتجلى الفكرة في جوهرها، بلا إضافات فائضة. يستغني عما هو حشو، تكميلي، عن كل ما من شأنه أن ينحرف بالانتباه. وفي هذا السياق يظهر إيقاع العمل المسرحي سريعا، وتجري الأحداث وتدور في عجلة دون استمرارية وهنا يصبح زمن الحبكة قصيرا. كل هذا يحدث بغية التأثير في المشاهد أو القارئ قدر الإمكان، فيصبح مجبرا على تخطي حدود الاكتفاء بمشاهدة ما يقع على خشبة المشرح أو بين صفحات المسرحية التي بين يديه.