خور عبدالله.. بين قضايا الدولة وصراع السلطة

في العام 1947 انفصل المسلمون الهنود عن الدولة الهندية التي استقلت في ذلك العام عن التاج البريطاني، وقامت دولة باكستان الاسلامية، التي لم تعرف الاستقرار، بسبب مشكلة ظلت عالقة بينها وبين الهند، والمتمثلة بعائدية اقليم كشمير، اذ ترى الهند انه هندي! بينما ترى باكستان، انه باكستاني! وما زالت المشكلة قائمة بين الطرفين، أي منذ سبعين عاما، تغيرت خلالها الكثير من الحكومات في البلدين، من دون ان تنتهي المشكلة، والسبب يكمن في انها ليست مشكلة سلطة او فلسفة دولة، تتصارع فيها القوى السياسية او العقائدية لفرض رؤيتها، وما يستتبع ذلك من انقلابات او ثورات او انتفاضات او غيرها، بل هي قضية دولة ورأي عام، تجد كل سلطة تأتي الى الحكم انها ملزمة بالتعامل معها بما يخدم مصالح البلاد العليا، ولا تستطيع ان تجتهد في حلها وفقا لرؤيتها بعيدا عن ارادة الشعب. والامر لا يختلف مع قبرص والجدل اليوناني التركي الطويل بشانها، اذ تغيرت الانظمة في كلا البلدين وحصلت الانقلابات والثورات، لكن أي من سلطات البلدين المتعاقبة لن تجرؤ على تجاوز اراد الشعبين في حل المشكلة، بما يضمن حقوق كل منهما. والامثلة في هذا الصدد اكثر من ان تستوعبها هذه السطور.

في عراق ما بعد 2003 تغيرت هذه المعادلة تماما، للاسف، اذ اصبحت قضايا الدولة ومصالح الشعب العليا، وسيلة للصراع على السلطة، سواء على المستوى الداخلي، فيما يخص مستقبل العراق الموحد، او ما يخص علاقة العراق بدول الجوار، لاسيما التي حصلت للعراق مشاكل معها. اذ صارت القوى السياسية تتعامل مع قرارات الانظمة السابقة بدوغمائية، يفرضها في الغالب خلافها العقائدي او السياسي معها. ولعل ابرز ما يشخص امامنا الان، داخليا، هو التفاوت في المواقف من حدود اقليم كردستان، الذي استثمرته بعض القوى السياسية من عرب العراق للتكسب السياسي على حساب قوى اخرى في السلطة او منافسة لها عليها، الامر الذي جعل صورة موقف عرب العراق غير واضحة امام القادة الاكراد، الذين يطرحون تصورات لحدود الاقليم لا يراها اغلبية السكان العرب مناسبة.

خلافات العراق مع الكويت، لاسيما الحدودية، كانت الشاهد الابرز على الصراع السياسي في العراق على السلطة بعد العام 2003، اذ لم يكن هناك عراق واحد يتفاهم مع الكويت او مع الدول الكبرى التي رسمت شكل العلاقة بين البلدين بعد احداث العام 1990 وما تلاها من حروب وحصار وغيرها، اذ تباينت المواقف بين المتاجرة والمزايدة من قبل البعض، وكلها تعاملت بانفعالية وبعيدا عن مصالح البلاد العليا للاسف، بسبب غياب القراءة الموضوعية للحدث الذي تمتد جذوره الى ما قبل قيام الجمهورية وبعدها، وبرز الى السطح بقوة عند استقلال امارة الكويت في العام 1961 وموقف الحكومة العراقية وقتذاك من هذه المسالة، التي هي ليست قضية صراع على السلطة، بل هي قضية دولة وراي عام. واذا كان تعامل النظام السياسي السابق مع المشكلة بالطريقة التي حصلت في العام 1990 يبرر لاي جهة ان تقف الموقف الذي تراه مناسبا منه، فهذا لا ينفي اصل المشكلة التي استتبعتها تداعيات قاسية عانى منها الشعب العراقي طيلة اكثر من عقدين وما زال.

ولعل قضية خور عبدالله التي اثيرت مؤخرا هي واحدة من مفردات كثيرة اخرى في مسلسل هذه القضية التي يجب ان تتوقف عندها السياسة العراقية بعيدا عن موقفها من أي نظام سابق، لانها ليست قضيته كنظام، بل قضية دولة وشعب، ولا يجوز اختزالها بما حدث في العام 1990 وتداعياته، بل طرحها كقضية خلافية، على الحدود في الاقل، لان الحدود بين البلدين لم ترسم الا بعد حرب العام 1991 وبطريقة منافية للقوانين الدولية المرعية في هذا الشأن، اذ لم يشرك العراق في اللجنة التي بعثتها الامم المتحدة لرسم الحدود، نكاية بالنظام السياسي السابق، وهو ما يعطي النظام الجديد الذي يفترض انه صديق للدول التي كانت تعادي عراق الامس، اميركا وحلفها، ان يعمل على اعادة النظر بالقرارات التعسفية التي اتخذت ضد العراق في مرحلة معروفة.

هل اثارة قضية خور الزبير والحدود مع الكويت المزايدات والتكسب السياسي والتسقيط المبكر، استعداد للانتخابات المقبلة، ام انها فعلا قضية دولة في بلد بات كل شيء فيه مادة للاستهلاك السياسي والانتخابي؟