خمسة وعشرون عاما على رحيل شاعر الطبول

بقلم: أحمد فضل شبلول
يقرع طبوله للبحر

"الطبول" هي المجموعة الشعرية الوحيدة التي خطها قلب شاعر رحل عنا في أوج شبابه .. هو الشاعر السكندري محمد عبد الفتاح الشاذلي (1948 ـ 1979).
كان محمد عبد الفتاح الشاذلي شاعرا مقلا جدا في إنتاجه الشعري .. ربما كان يكتب قصيدة أو قصيدتين في العام.
لذا عندما أردنا ـ بعد رحيله ـ أن نجمع قصائده بين دفتي عمل شعري مطبوع، لم نجد سوى ثلاث عشرة قصيدة فقط .. هي كل ما أنتجته عواطفه وأحاسيسه خلال تلك الفترة التي عاشها معنا، بالإضافة إلى قصيدة غنائية كتبها ليدخل بها مسابقة "أغنية الطفل" التي نظمها المجلس الأعلى للشباب والرياضة بمصر قبل رحيله بشهور قليلة، وكان أن فاز في هذه المسابقة وقدمت قصيدته ـ وكان اسمها "جنة الرحمن" للتلحين والغناء .. ولكنه رحل عنا قبل أن يسمع نبأ فوزه، وبالتالي فقد رأينا أن نضم "جنة الرحمن" إلى بقية قصائده في ديوانه اليتيم "الطبول".
يضم "الطبول" القصائد الشعرية: الطبول ـ نشيج الكمان ـ الخروج من الدائرة ـ مغتربان ـ الحزن ـ ارتحال الثمار ـ جذور عميقة ـ العربة السوداء ـ السمان والربيع ـ دورة الحياة ـ المشهد الأخير ـ الإسكندرية ـ بيروت ـ ثم القصيدة الغنائية "جنة الرحمن".
وقد اخترت قصيدة "الخروج من الدائرة" لنلقي الضوء عليها لأنها بالفعل تمثل الإحباطات النفسية لدى الشاعر .. والفشل في التعايش مع هذه الحياة .. كما تصور لنا الصراع غير المتكافئ مع المرض اللعين الذي لم يستطع شاعرنا منه فكاكا .. لذا فقد خرج من دائرة الحياة فعلا غير آسف على هذا الخروج .. إلى دائرة أوسع وأرحب هي دائرة ما بعد الحياة. الخروج من الدائرة:
(1)
تلفظني البحار طحلبا غريبا
على جناح الموت جئت للشواطئ المكابرة
أبحث في الرمال عن دثار
أبحث في الصخور عن سكن
وحولي الصغار متعبون
والريح تعوي في جنون
(2)
رأيت بحري في السماء طائرا
ترقرقت في أعين الصغار دمعه
يا بحرُ ..
أبناؤك نحنُ
مُدَّ لنا ذراعك الندية
حلوقنا تشققت على مذابح الجفاف
والريح حولنا عتية
يا بحر ..
أبناؤك نحن
مُدَّ لنا ذراعك الندية
حلمت أنني ..
أحاور الأسماك والمحار
حلمت أنني أعود متعبا
ـ من فرط ما رقصت وانتشيت ـ
لهدأة الديار
حلمت أنني هناك
أعانق الصغار
صحوت من غفوتيَ القصيرة
وفي فمي عُلالةُ السراب
وبردتي الصقيع والأشواك
كان الصغار يصرخون
والريح .. مسها الجنون
***
إن القارئ لقصيدة "الخروج من الدائرة" يحس بالإحباط والفشل، وهذه سمة تتمتع بها كل قصائد الشاذلي تقريبا .. اقرأ معي:
"تلفظني البحار طحلبا غريبا"
إن عملية لفظ الشيء تكون دائما لغير المرغوب فيه، إنه يلفظ طحلبا .. وطحلبا غريبا يلفظ من البحار المعطاء .. فنحن حينما نصف إنسانا بالكرم أو العطاء .. نصفه بأنه بحر من الكرم، أو بحر من العطاء، أو أن فلانا بحر من العلم .. الخ، ولكن هذا البحر أو هذه البحار تلفظه .. فهو شيء غير مرغوب فيه، وغير مستساغ الطعم .. إنه طحلب، والطحلب من الممكن أن يُتغذى عليه فتكون له فائدة من نوع ما .. ولكنه طحلب غريب .. غير مرغوب فيه .. غير مستساغ .. لذا فانه يُنفى أو يُلفظ من البحار .. وهذا في رأيي .. منتهى الإحباط والفشل.
وقد جاءت كلمة "تلفظني" من الناحية العروضية على وزن "مستعلن" أو أن المقابل العروضي لها "مستعلن" السريعة الإيقاع عن "مستفعلن" التفعيلة الأساسية للبحر الذي يكتب منه الشاعر قصيدته "الرجز" أو حتى التفعيلة المخبونة للتفعيلة الأساسية "متفعلن". جاءت مستعلن ـ بالطي ـ لتؤكد سرعة اللفظ أو سرعة الانتهاء من عملية اللفظ التي تقوم بها البحار.
إن هذا التقطيع العروضي أو التواؤم العروضي جاء معبرا، أو جاء عاكسا لصدق الشاعر في انفعالاته أثناء كتابة القصيدة.
إنه يقول "تلفظني البحار" ولم يقل "البحر"، فصيغة الجمع هنا جاءت لتؤكد على عملية الإجماع في اتخاذ قرار اللفظ، وكأن البحار كلها أجمعت على أن يُلفظ هذا الشاعر من مياهها .. منتهى الإحباط والفشل في التعايش مع البحر ـ رمز الحياة ـ في القصيدة.
ولم تكن الشواطئ أكثر رحمة من البحار .. إنها شواطئ مكابرة .. والمفروض فيها أنها رمز للراحة بعد التعب، والاستجمام بعد العراك .. إلا أنها لم تكن هكذا بالنسبة لشاعرنا الذي لُفظ من مياه البحر .. والذي جاء به الموج جيئة سريعة تنفيذا لقرار اللفظ، ويتضح ذلك من "جناح الموج" في السطر الثاني.
وكأن الموج صنع لنفسه جناحا كي يطير لطرد الشاعر استجابة للسرعة في تنفيذ قرار اللفظ، ـ أو أن الشاعر يستعير من طيور النورس التي يراها تحوم فوق مياه البحر ـ جناحا ليعيره لهذا الموج مما يحقق جمالا في هذا الأثر الفني ويضفي معنى قويا على القصيدة.
ماذا يٌرتجي من هذه الشواطئ المكابرة بعد أن أجاء الموج بالشاعر، وبعد أن لفظته البحار، هل يرتجي له أن يجد دثارا يتدثر به بعد هذا الخروج غير الرحيم من البحر .. هل يرتجي له أن يجد مسكنا بين صخور الشط أو حتى في هذه الصخور يسكن فيه.
إن الشاعر لم يقصد بالطبع السكن المادي .. ولكنه يقصد السكن المعنوي .. أي الراحة النفسية بعد أن طردته ولفظته البحار، وبعد هذا الإخفاق والفشل في التعايش مع هذه البحار التي كانت رمزا للطمأنينة والسكينة لدى شعراء آخرين.
هل نستطيع أن نقول إنه كان يبحث في هذه الصخور، أو البيوت المتناثرة على الشواطئ إلى مَنْ يسكن إليها لأنه كان أعزبَ حتى وفاته ؟ "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها". بالطبع لم يجد هذا الدثار، ولم يعثر على هذا السكن .. لذا نحس بمزيد من الإحباطات وبمزيد من الإجهاضات لحياة الشاعر .. في هذا المقطع الأول من القصيدة.
حتى الريح .. لم تكن رحيمة بالشاعر وصغاره ـ أخوته الصغار، فهو كان مسئولا عنهم ـ إنها تعوي في جنون، وقد جاءت كلمة "تعوي" معبرة تماما عن انفعالات الشاعر، "كأن الريح ذئب يعوي" وكأن صغاره هم "الزغب" .. وبالطبع هناك علاقة تاريخية طبيعية بين الذئاب وصغار الطيور.
***
وهو على الرغم من ذلك، فقد كان يأمل في هذا البحر الذي طُرد منه من قبل .. كان يأمل في العودة إليه .. وكان يأمل في قرار رحيم يصدر من كبير البحار لعودته إلى عشه الهادئ وسط المياه ـ وسط الحياة.
ولكن يأتي إلينا المقطع الثاني ليؤكد لنا مزيدا من الإحباطات والإخفاقات والفشل .. يأتي إلينا المقطع الثاني لكي يجسم لنا حجم هذه الإحباطات .. فهذا البحر الذي كان يأمل فيه الشاعر .. قد غادر مكانه أمام عين الشاعر وأمام صغاره .. إن البحر يطير في السماء .. ويترك مكانه مقفرا، خاويا، خاليا، من كل عناصر الحياة، وكأن مكان البحر قد تحول إلى صحراء أو فيافي أو متاهة خالية من كل أسباب العيش.
"رأيت بحري في السماء طائرا"
وكأن الحياة كلها تسد أبوابها أمام الشاعر .. فلا يملك إلا أن يموت، وبالفعل يسلم نفسه بعد كتابة قصيدة "الخروج من الدائرة" بشهور قليلة إلى ملك الموت. فالبحر أو الحياة تعلن في جبروت طاغ عن عدم قبول هذا الشاعر حيا فيها .. لذا يطير هذا البحر إلى السماء معلنا تحديه ورفضه للمعيشة التي يريد أن يعيشها الشاعر. ولنتأمل في الكلمات "رأيت بحري طائرا" فهي تذكرنا بـ "جناح الموج"، فالبحر يؤكد عدم رغبته النهائية لاستقبال هذا الشاعر، لذا بعد أن يطرده أو يلفظه بقرار جماعي .. يسرع إلى مغادرة مكانه عن طريق الاستعارة المكنية، معلنا بذلك عدم أحقية هذا الشاعر في الحياة.
إن الصغار يتوسلون لهذا البحر أن يبقى مكانه، وأن يمد لهم يد المساعدة .. حتى يستطيعوا المعيشة .. وهنا يتوارى الشاعر قليلا وراء إحباطاته وفشله في إقناع هذا البحر أو إقناع الحياة لأن يحيا .. ويقدم لنا صغاره ويسلط عليهم الكاميرا الشعرية، فربما يستطيعون عن طريق الدمعات والتوسلات أن يجعلوا هذا البحر يعدل عن قراره .. وذلك عن طريق الأدوات الفنية التي يلجأ إليها الشاعر، أو يركز عليها والتي منها التكرار، فالتكرار في هذا المقطع جاء ليحقق دوره الكبير، فربما عن طريق تكرار التوسلات ـ والتي تتناسب مع أسلوب الصغار عن طريق إلحاحهم على الشيء حتى يجاب طلبهم ـ يعدل البحر عن قراره ويعود متسامحا رقيقا لين الطبع: يا بحرُ ..
أبناؤك نحنُ
مد لنا ذراعك الندية
حلوقنا تشققت على مذابح الجفاف
والريح حولنا عتية
يا بحرُ ..
أبناؤك نحن
مد لنا ذراعك الندية
لقد كان الشاعر موفقا غاية التوفيق في استخدامه للتكرار في هذا المقطع .. فالتكرار بالإضافة إلى استخدامه للتأكيد على الشيء أو في الإلحاح عليه، فإنه يحقق نوعا من الموسيقى العذبة بتكرار الكلمة كما هي، هذا بالإضافة إلى ملاءمة هذا التكرار للحالة النفسية التي يعيشها الصغار في هذا الموقف بعد أن توارى المسئول عنهم ليعطيهم فرصة التوسل والشكوى بعد أن فشل هو في هذا الموقف، فلعل البحر يكون بهم رحيما.
إنهم يشكون منه إليه في عفوية وطفولية وفي إطار من التوسل، علَّ هذا البحر يرفق بهم ويحنو عليهم.
"حلوقنا تشققت على مذابح الجفاف"
إنهم يشكون منه إليه لأنه رمز الحياة ورمز العطاء "وجعلنا من الماء كل شيء حي"، وهم يشكون من الجفاف .. فأين الماء الذي يروي هذا الجفاف ؟ إنه في البحر .. وأين الماء الذي يعيد الحياة إلى حلوقهم بعد أن تشققت ؟ إنه في البحر. إنهم ينادونه "يا بحرُ .." وينسبون وجودهم إليه "أبناؤك نحن" لعله يحنو عليهم .. فهم أبناؤه .. ويعود ويمد لهم ذراعه بالخير والعطاء والدثار والسكن.
إن التعبير "مذابح الجفاف" جاء قويا، وجاء معطاءً، وأضاف أبعادا جديدة إلى القصيدة ككل .. فليس فقط الإحباط أو الفشل أو الإجهاض ولكن أيضا المذابح الوحشية .. مذابح الجوع .. مذابح الفقر .. مذابح العرى .. هي التي عجلت برحيل الشاعر.
إن التقطيع العروضي الذي قام به الشاعر في هذا المقطع والمتمثل في: "يا بحر ..
أبناؤك نحن ..
مد لنا ذراعك الندية"
جاء متوائما مع التقطيع النفسي، بالإضافة إلى استخدام "مستفعلن" الكاملة في "يا بحر أبـ" .. فهنا الأمر لا يتطلب السرعة كما كان في "يلفظني" السابقة، ولكن الأمر يتطلب التهدئة والتقاط الأنفاس لتتم محاولة الإقناع. لذا كانت "مستفعلن" البطيئة الإيقاع عن تفعيلاتها المشتقة "متفعلن ومستعلن".
إن هذا التقطيع له أثره في التوسل للبحر عما إذا لو جاءت الكلمات كلها في سطر واحد:
"يا بحر أبناؤك نحن".
فهذا التقطيع يخلق حالة شعورية معينة من الهدوء المشوب بالمرارة والحسرة والألم من الممكن التأثير بها على هذا الجبروت المتمثل في البحر الذي طار إلى السماء مغادرا مكانه.
وكما صور لنا الشاعر في المقطع الأول الريح التي تعوي في جنون .. فإن صغاره يستخدمون المعطى الطبيعي نفسه، ليؤكدوا بها فعل هذه الريح بهم، وبالمسئول عنهم ضمن إطار التوسلات التي يرفعونها للبحر.
"والريح حولنا عتية"
ولكنهم يستخدمون معطى الريح بذكاء أقل من استخدام الشاعر له في مقطعه الأول، ولكن هل استجاب البحر لكل هذه التوسلات والالتماسات؟ .. وهل سمع لشكوى الصغار وأنينهم وبكائهم ؟ .. أم أنه ظل على ما هو عليه من تكبر وجبروت ؟
من الواضح أنه لم يستجب لهم.
لأن الشاعر حينما يرى أنه ليس هناك فائدة يلجأ إلى داخله .. إلى حلمه .. الذي لم يكن حلا ـ على الإطلاق ـ لأنه يعطينا أملا كاذبا وسرابا خادعا، لذا فعندما نفيق من هذا الحلم الذي طاف بنا الشاعر فيه عبر الحياة متمثلة في أحياء البحر من الأسماك والمحار، ومتمثلة في هذا الحوار وهذا الرقص على إيقاع الحياة في زمن الحلم، والمتمثلة في معانقته لصغاره، وتحقيق وجوده من خلالهم، أو وجودهم من خلاله، أو تحقيق الوجودين معا، وهذا هو الأقرب إلى واقع القصيدة ـ عندما نفيق من هذا الحلم أو يفيق بنا الشاعر لا نجد أو لا يجد إلا عُلالةَ السراب والصقيع والأشواك .. لا يجد إلا الهلع والفزع من جانب الصغار، ولا يجد إلا الرياح التي جنت في نهاية القصيدة والتي أتت على كل شيء.
إنه كان يبحث في أول القصيدة عن دثار .. وفي نهاية القصيدة لا يجد إلا تلك البُردة التي وجد نفسه متلفعا بها .. وهي بُردة الصقيع .. والأشواك، إن تلك البردة ما هي إلا رمز هائل يجسم لنا مزيدا من الإخفاقات والإحباطات، ومزيدا من الفشل الذي أخذ ينمو ويطَّرد منذ أول سطر في القصيدة، وحتى آخر سطر فيها حيث الرياح التي أصابها مس الجنون.
وفي رأيي .. فإن النهاية جاءت مفتوحة ليكمل المتلقي بخياله وتصوراته ما الذي يمكن أن تفعله هذه الرياح المجنونة، التي مسها الجنون والخبل ـ بالصغار الذين رحل عنهم كبيرهم أو المسئول عنهم .. أنا أتصورهم وكأنهم ـ وهذا بتأثير من القصيدة ـ قد أصبحوا ريشة في مهب الريح .. في مهب الحياة القاسية .. في مهب الانفتاح القاسي، أو في مهب العولمة .. إنها نهاية تراجيدية مفتوحة لكل من أحس بالقصيدة وانفعل بها وتأثر بسطورها.
ولعلنا قد لاحظنا من خلال معايشتنا للقصيدة أن البيئة اللغوية التي عشنا معها كانت بيئة بحرية إلى حد كبير، بمعنى أن الشاعر عمد إلى التقاط الكلمات التي تمت بكل الصلة إلى البحر والشواطئ مثل: البحار ـ طحلب ـ الموج ـ الشواطئ ـ الرمال ـ الصخور ـ الريح ـ الندية ـ الأسماك ـ المحار ـ الصقيع .. الخ.
لذا فإننا لا نحس بأن هناك لفظة أو كلمة جاءت نشازا في سيمفونية المفردات البحرية التي التقطها الشاعر، وهذا يحقق نجاحا للعمل الذي يقدمه لنا الشاعر، وهو صادق في ذلك كل الصدق، لأنه شاعر سكندري كان يقطن بحي الشاطبي أحد الأحياء السكندرية التي تقع على البحر المتوسط مباشرة .. وهو من شرفته التي كان يحلو له أن يطل منها، كان يرى البحر دائما في جميع أحواله .. ولكنه عندما كتب هذه القصيدة اختار تلك اللحظة التي كان يرى البحر فيها جبارا عتيا يضرب الشاطئ بكل عنف وضراوة .. أخذ تلك اللحظة وبث لنا قصيدته من خلالها فكان صادقا في تصدير ما يعتمل في نفسه عبر القصيدة.
***
ولعلنا قد لاحظنا أن القصيدة اعتمدت في كثير من الأحيان على الأسماء والصفات أكثر من اعتمادها على الأفعال، ذلك أن الشاعر يريد أن يصدّر لنا عالما من الإحباطات والإخفاقات والفشل، وهو في رسمه لهذا العالم ـ قبل تصديره ـ أراد أن يوضح لنا خصائص هذا العالم وسماته .. لذا نرى هذا الكم الكبير نسبيا من الأسماء والصفات والإضافات: البحار ـ طحلبا غريبا ـ جناح الموج ـ الشواطئ المكابرة ـ الرمال ـ دثار ـ الصخور ـ سكن ـ الصغار متعبون ـ الريح ـ جنون (في القطع الأول).
بحر ـ السماء ـ طائر ـ أعين الصغار ـ دمعة ـ أبناؤك ـ نحن ـ ذراعك الندية ـ حلوقنا ـ مذابح الجفاف ـ الريح ـ عتية (في المقطع الثاني).
الأسماك ـ المحار ـ متعبا ـ هدأة الديار ـ الصغار ـ غفوتي القصيرة ـ فمي ـ علالة السراب ـ بردتي ـ الصقيع ـ الأشواك ـ الصغار ـ الريح ـ الجنون (في المقطع الثالث).
أما الأفعال التي أتى بها الشاعر فعددها 22 فعلا، شكلت الأفعال الماضية منها أكثر من النصف حيث بلغت 12 فعلا، بينما بلغت الأفعال المضارعة 8 أفعال. أما أفعال الأمر والتي جاءت للتوسل فكانت فعلا واحدا فقط تكرر مرتين في (مد)، ومن الملاحظ على المقطع الأول أن الأفعال المضارعة كانت لها النصيب الأكبر حيث بلغت أربعة أفعال هي (تلفظني ـ أبحث (تكررت مرتين) ـ تعوي) بينما الفعل الماضي الوحيد كان (جئت). هذا يشكل أهمية بالنسبة لهذا المقطع .. فوجود أربعة أفعال مضارعة يعني أن الشاعر أراد أن يُعطي القصيدة حضورها الشعري واستمراريتها وتدفقها وحركتها منذ مطلعها الأول حتى يستمر القارئ أو المتلقي في متابعة التطور البنائي للقصيدة، بينما انعدمت هذه الأفعال المضارعة تماما في المقطع الثاني لأن الشاعر بدأ في الحكي أو القص .. لذا نجد ثلاثة أفعال من الزمن الماضي هي (رأيت ـ ترقرقت ـ تشققت) بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 8 أفعال في المقطع الأخير (حلمت التي تكررت ثلاث مرات ـ رقصت ـ انتشيت ـ صحوت ـ كان ـ مسها) مع ملاحظة وجود أربعة أفعال من الزمن الحاضر (أحاور ـ أعود ـ أعانق ـ يصرخون).
***
جاءت القصيدة ـ كما سبق القول ـ من بحر الرجز الذي يعتمد على تكرار التفعيلة (مستفعلن ومشتقاتها من متفعلن بالخبن، ومستعلن بالطي).
وقد حاول الشاعر أن يتحرر في كثير من الأحيان من قيود القافية مع بسط وقبض السطر الشعري حسبما يتراءى له، مع إدراكه في بعض الأحيان أن لهذه القافية موسيقى من نوع معين فاستخدمها استخداما غير متكلف فيه .. لذا فقد جاءت مثل هذه القوافي القليلة مستريحة إلى حد كبير، جميلة الوقع على الأذن، لأنها جاءت بعفوية، وذلك على الرغم من أن الريح حولنا عتية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية