خليل مطران شاعر القضية

كتب ـ محمد الحمامصي
ثقافة متنوعة

الكتب الثلاثة التي أصدرها المجلس الأعلى للثقافة في مصر احتفاء بالشاعر اللبناني خليل مطران في الدورة الثانية لملتقى القاهرة للشعر العربي التي أقيمت أخيرا وحملت اسمه، على الرغم من أنها لم تحمل جديدا يقال عن شاعرية الشاعر العربي الكبير خليل مطران، إلا أنها جاءت للفت النظر إلى التقصير الكبير في حق الشاعر الكبير نقديا وأكاديميا وعلى مستوى نشر أعماله بالإجمال، وأنه للأسف وقع عليه تعتيم فيما يحظى رفيقاه أحمد شوقي وحافظ إبراهيم بالاهتمام كله.
إن الكتب الثلاثة ليست جديدة باستثناء كتاب أحمد عبدالمعطي حجازي، وهو ليس كتابا نقديا واسعا يحمل رؤية الشاعر للشاعر، وإنما مختارات لقصائد "خليل مطران .. قصائد مختارة"، وهو كتاب صغير الحجم يحمل مقدمة وبعض من قصائد الشاعر. أما الكتابان الآخران "محاضرات عن خليل مطران" للناقد د. محمد مندور أحد أهم رواد حركة النقد العربية، والثاني "خليل مطران .. أروع ما كتب" للدكتور محمد صبري، إعادة طبع، ويحمد إعادة طبعهما لأنهما كتابان مهمان لأنهما لم يكتبا على عجل كالكتاب الأول، بل يحملان رؤية نقدية وإنسانية مهمة لشاعرية الشاعر ودوره، وإن كان كتاب مندور يفتح على الحركة الثقافية المصرية مؤرخا إلي جانب مهم منها.
في تقدمته لقصائد مطران أعلن الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي: كان شوقي محسوبا على الخديوي وكان حافظ محسوبا على الشعب، أما مطران فكان محسوبا على الشعر وحده.
ويرى حجازي أن مطران كان أول شاعر عربي يخرج من بحر إلى بحر في القصيدة الواحدة كما فعل في "نفحة الزهر"، وفي "الطفلان" التي يبدأها بالرمَل ثم يخرج إلى الطويل، ثم يعود إلى الرمل ثم يخرج منه إلى الكامل حتى ينتهي أخيرا بالبحر الذي بدأ منه. بل هو يجرب أيضا الشعر المنثور أو ما يسمونه الآن قصيدة النثر، وذلك في تأبينه للشيخ إبراهيم اليازجي الذي نشره في الجزء الأول من ديوانه وسماه "كلمات أسف"، وكتب تحت هذا العنوان عبارة "شعر منثور". وربما كانت تجاربه في كتابة المطولات من أهم إنجازاته، لا لأنها تثبت قدرته على كتابة مئات الأبيات من قافية واحدة وروي واحد فحسب، بل لأنها تثبت أيضا حاجة الشعر العربي إلى التخفف من قيد القافية الواحدة، فإذا كان مطران قد حقق مثل هذا النجاح وعليه هذا القيد، فأي نجاح كان يمكن أن يحققه لو كان حرا من هذا القيد الثقيل.
وأضاف: إن مطران شاعر القضية الذي يبدأ باللغة الشريفة والحضارة التي آن لها أن تعود وتزدهر، وهو البدوي القديس الذي يختار أودع الطرق والأساليب لإعلان ثورته وتحرره.
ويضم كتاب د. محمد صبري في كتابه المنسوخ من طبعة قديمة "خليل مطران .. أروع ما كتب" مجموعة نثرية تؤكد براعة مطران في جميع فنون الكتابة من صحافة إلى سياسة إلى أدب خيالي، وكيف كانت قوة التصوير الساحرة لا تلمس الموضوع العادي الوضيع إلا وتعلو به إلى المستوى الفني الرفيع.
وقال صبري: لخليل مطران في الكتابة كما في الشعر مركز ممتاز بين كتاب وشعراء الرعيل الأول، ويوجد بين نثره وشعره تشابه كبير، فالأول أكثره شعر منثور والثاني أكثره نثر منظوم، وليس أدل على قوة هذا التشابه من أن مطران حين أصدر ديوان الخليل في سنة 1908 ذكر في ختامه ما نصه: انتهي الجزء الأول
من ديوان الخليل
"ويليه إن شاء الله الجزء الثاني"
باسم
مختار المنثور
والحمد لله في المبدأ والختام
ومعنى ذلك أن دراسة الشاعر مكملة لدراسة الكاتب، كما أن دراسة الكاتب مكملة لدراسة الشاعر، فالكاتب هو الشاعر والشاعر هو الكاتب.
لكن بعيد عن ذلك كله، فإن ما ورد من مقالات في الكتاب يؤرخ لفترة مهمة من تاريخ الثقافة العربية تمثل باكورة النهضة، فهو يتناول الموسيقى من خلال عبده الحامولي والشيخ سلامة حجازي ومحمد عثمان، كما يتعرض لديوان عبدالرحمن شكري ولمجموعة من الشعراء منهم: حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وخليل اليازجي، ويكتب عن فلسفة شكسبير في اختيار أشخاص رواياته، وقضايا أخرى ثقافية وفكرية وسياسية أيضا.
وفي كتاب "محاضرات عن خليل مطران" تمثل المحاضرات التي ألقاها الناقد د. محمد مندور عن مطران وتناول فيها حياته وشخصيته ومقومات فنه والوجدانيات لديه، والشعر القصصي الذي كانت له فيه تجارب ومقومات الوصف عنده، وقد رأى مندور في كتابه أن طبيعة مطران النفسية لم تسمح لحياته وآرائه وعواطفه بأن تظهر سافرة في شعره.
وقال: وإن كنا نستطيع أن نستنتج بطريق غير مباشر بعض هذه الحقائق التي حرص علي تنكيرها، ومع ذلك فإن بعض حقائق حياته الخارجية لا تخلو من تأثير على مادة شعره وصورته، وأول تلك الحقائق هي عروبة الشاعر الأصلية التي كشف عنها الباحثون، وذلك على الرغم من بعض المظاهر التي قد توحي بعكس تلك الحقيقة مثل مولد الشاعر سنة 1872 في مدينة بعلبك التي أثبتت آثارها القديمة أنها فينيقية النشأة، بل وتغنى الشاعر نفسه بتلك الفينيقية، ثم غريزة المهاجرة التي يظن أخواننا اللبنانيون قد توارثوها عن الفينيقيين القدماء الذين جابوا البحار للاتجار والتماس أسباب الرزق، وذلك فضلا عن نجاح الشاعر في الأعمال المالية والتجارية أثناء إقامته في مصر، وتوليه منصب السكرتير العام المساعد للجمعية الزراعية الخديوية زمنا طويلا، وإن يكن قد فقد قبل توليه هذا المنصب ما كان قد جمعه من ثروة نتيجة المضاربات في سنة 1912، وأخيرا انتماؤه لأسرة كاثوليكية قد يظن أنها لم تعتنق الإسلام لانتمائها إلى أصل غير عربي.
نقول على الرغم من كل هذه المظاهر استطاع الباحثون أن يثبتوا أن أسرة الشاعر كانت خالصة العروبة فهي تتفرع من الأزد الذين كانوا يسكنون في الأزمنة البعيدة أرض اليمن، حتى إذا كانت كارثة سد مأرب نزحوا إلى الحجاز حيث نزلوا تهامة عند نبع ماء يقال له غسان ومنه اشتقت الغساسنة، ثم نزحوا إلى الشام واستوطنوها عنوة.
ويضيف مندور: على أن عروبة الشاعر لم تمنعه من تنوع ثقافته وإجادته اللغات الأخرى.