خليل قنديل ينبش الدهشة المخبأة في الواقع العادي

عمان ـ من نضال برقان
إيقاظ الفوضى النائمة

احتفت رابطة الكتاب الأردنيين الثلاثاء في عمان بالقاص والإعلامي الزميل خليل قنديل بمناسبة صدور أعماله القصصية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، متضمنة مجموعاته الأربع التي كتب قصصها على مدار ربع قرن من الزمان، وذلك عبر حفل التوقيع والأمسية التي قدمه خلالها الروائي جمال ناجي، فيما شارك الناقد الدكتور محمد عبيد الله بورقة نقدية حول أعمال قنديل القصصية.
وبحسب ما ذهب إليه الروائي جمال ناجي، فإن القاص خليل قنديل برغم تستره بالرتابة والانضباط والخوف، فإنه ينتمي إلى خلايا الفوضى النائمة التي ما أن تستيقظ حتى تربك السكينة وتقتاد العادي إلى مساحة الغريب فتحيله إلى شيء جديد مختلف، رغم استلاله من لفائف اليومي.
وفي أعمال قنديل غير الكاملة وفقا لناجي، نجد أنفسنا أمام سلسلة مربكة من الأحداث الرابضة بين السطور اللينة وخلفها كالقطط المتربصة ثمة ما هو عادي في هذه الأحداث، لكن النهايات المفاجئة للقصص تشعر القارئ بان الكاتب يقدم هذا العادي باعتباره لغة تستحق الاستعاذة والرجم، ما يؤكد المحتوى الفلسفي غير المباشر الذي تنطوي عليه تجربته القصصية، خصوصا في مجموعتيه "وشم الحذاء الثقيل" و"حالات النهار".
وخلص ناجي إلى أن قنديل لا يحاول إعادة إنتاج الواقع حسب مقتضيات هذه العبارة المسنة، التي ظهرت في الخمسينيات من القرن المنصرم وذهبت مثلا وتميمة، إنما هو يحمل مبضعه ويقتنص الواقع ويجرد العادي من قشرته ليكشف لنا عن جوهره العميق وغير العادي، وهنا تكمن براعته الفنية، أما إعادة إنتاج الواقع وتصديره وتسويقه فهذا ينتمي إلى عالم التجارة أكثر مما ينتمي إلى عالم الأدب.
أما الناقد الدكتور محمد عبيد الله فرأى أن البطل المتميز أو الخارق يغيب عن معظم قصص قنديل، ويحضر عوضا عنه الإنسان العادي، لكن القصة تكتشف جوانب تميزه وتخلق له بطولة من نوع خاص، وفي مثل هذه القصص نكتشف مع القاص الدهشة المخبأة في البشر العاديين من خلال تفجيرات طاقات مستترة في أولئك الناس يصعب اكتشافها دون انطلاق من رؤية تنتصر لنوعية محددة من البشر وترتاب في غيرهم.

وفيما يتعلق بأنماط شخصيات قنديل، ذهب عبيد الله إلى أن الشخصية شديدة الوضوح في قصص قنديل، وهو لا يميل إلى التجريد أو إطفاء الملامح، ولذلك فشخصياته واضحة بصورتها الخلقية والمسلكية وبالمهنة التي تمتهنها وبالأحوال التي تواجهها، وغالبا ما تتحرك وفقا للواقع وتحولاته وليس بناء على أفكار أو ثقافات تتأثر بها، فالحياة والتجربة المباشرة هما رأسمال الكاتب ورأسمال شخصياته كذلك.
ومن المناخ الشعبي الواقعي نفسه يتفجر بعد صالح للتوسع يتمثل فيما يمكن تسميته بالبعد الطقوسي والأسطوري بحسب عبيد الله الذي وضح أن ذلك البعد غالبا ما يتأتى من معتقدات شعبية تتصل بالسحر والطاقات الخفية في الكائنات والأشياء والأماكن، فهناك شخصيات من الدراويش أو ممن يعتقد الناس بكراماتهم وطاقاتهم الخفية في البيئات الشعبية، وهناك إشارات الفراسة والمقدرة الحدسية عند بعض البشر، وهناك طاقات في بعض الأماكن من مثل العتبة المرتبطة بمسكن الشياطين ونشاطها، وكذلك فكرة الحسد وإصابة العين وغير ذلك مما يتصل بنشاطات تقع في مجال الروح والمعرفة الحدسية والطاقة الخفية، وتتنوع أشكال الإفادة من هذه المناخات الطقوسية والروحية بحسب غاية الكاتب وطبيعة القصة.
وخلص الناقد الدكتور عبيد الله بالإشارة إلى أن مظهر الشعرية الذي توصف به بعض قصص قنديل، فلا تتأتى من اللغة على نحو أساسي، وإنما من تلك الطبيعة الوجدانية الدافئة لتلك القصص.
يشار إلى أن تجربة خليل قنديل القصصية الممتدة لثلاثة عقود، تميزت بقدرة على التقاط الغرائبي عبر توظيف الخرافة والاسطورة والحلم في سرد واقعي يمتزج بسريالية تسترعي التشويق لدى المتلقي.
وبهذه الرؤية أسس قنديل المشهد القصصي محافظاً على هذه الخصوصية والاختلاف عن الآخرين، كما يقف المتابع لمجموعاته الأربع (وشم الحذاء الثقيل 1980)، (الصمت 1990)، (حالات النهار 1995) و(عين تموز 2002) عند قدرته على الغوص في العالم السفلي أو الباطن في حياة البشر المنتمين عادة لشريحة الفقراء والمهمشين، ليصل عبر صدق وعمق وبساطة تلك العوالم إلى منطقة يستطيع فيها الكشف والنبش في منطقة الألم الانساني وتحليلها ليخترق الاجتماعي والمسكوت عنه.
وتغلب على قصص خليل قنديل الواقعية الخشنة والوصف التفصيلي الدقيق لمشاعر شخصياته ومونولوجاتها، كما إن القاص، في سياقات أخرى يعيد سرد الحادثة الواقعية في إطار العجيب والغريب والسوريالي والاقتراب من روح الطبيعة العاصفة المدمرة، ما يذكر بالقصة والرواية القوطيتين ممثلتين بكتابات أبي القصة القصيرة الأميركية وربما في العالم كله، إدجار ألان بو.