خلفيات تقرير الامين العام للامم المتحدة حول القرار 1559

بقلم: د.خليل حسين

بصرف النظر عن الموقع القانوني لتقرير الامين العام للامم المتحدة كوفي انان، ومدى الزاميته او في تحديد التوجهات لدى مناقشته في مجلس الامن الدولي، فانه ينطوي على العديد من المفارقات والنقاط التي تستوجب البحث والتدقيق فيه، لِمَّ يمكن ان يشكل من منطلقات رئيسة تُرسم لمستقبل لبنان وموقعه في المنطقة.
فالتقرير وان اتى استجابة للفقرة الاخيرة من القرار 1559، فقد فتح المجال واسعا للاجتهاد والتأويل فيه، اذ ان الصياغة الانشائية للتقرير وضعت خلفها العديد من المتطلبات التي على لبنان المضي فيها، وان كانت من باب التلميح او التصريح احيانا، فانها ستؤسس لمنهج ما سيتبعه مجلس الامن في التعامل مع تداعيات القرار 1559، وفي هذا السياق يمكن ادراج بعض الملاحظات عن المعلن والمبطن فيه واهمها:
- اعتمد التقرير اسلوب الاستنتاج بالمقارنة والميل نحو الاعتقاد في بعض العناوين دون الابتعاد عن اليقين في بعضها الآخر او الايحاء بها، ففي مجال تطبيق القرار لجهة انسحاب القوات السورية من لبنان، اشار في الفقرة(15) ان الانسحاب لم يتم وان استطرد في الفقرة نفسها الى "التصريحات الصادرة عن الحكومتين السورية واللبنانية" التي تحدثت عن اعادة سوريا في الأسابيع الاخيرة "نشر نحو 3000 جندي من قواتها التي كانت منتشرة في السابق في جنوب لبنان". واللافت ان عنان لم تتأكد له معلومات موثقة يمكن الاعتماد والبناء عليها لجهة صحة اعادة عملية الانتشار وهو ما ظهر في العبارة التي استعملها في الفقرة (15) عندما قال: "لم يتضح للأمم المتحدة ان كانت عمليات اعادة الانتشار محصورة بالجنود النظاميين ام تشمل ايضا عناصر استخبارات عسكرية غير نظاميين او اذا كانوا قد عادوا كلهم الى سوريا".
- وفي الفقرة (18) ورد "لا يزال هناك العديد من العناصر المسلحة في الجنوب"وقد سمى التقرير بالاسم حزب الله ما دعاه القرار حل الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها، وهذا ما جعله يستنتج في الفقرة (20) انه "لم يلحظ طاقم الامم المتحدة الميداني اي تغيير في وضع حزب الله منذ اعتماد القرار 1559". وأورد في الفقرة نفسها ان الحكومة اللبنانية ابلغت عنان انه يصعب عليها تطبيق المطلوب منها بالنسبة الى الحزب "على الفور وفي شكل كامل «بسبب» الوضع الامني الهش في المنطقة والخطر على استقرار لبنان وغياب عملية السلام الشامل في المنطقة تجعل من الصعب تطبيق القرار". أما بالنسبة الى الميليشيات الفلسطينية التي تناولها التقرير في البند (21) فأورد ان لبنان لن يعطي الاوامر لقواته المسلحة بالدخول الى المخيمات الفلسطينية لنزع السلاح الموجود في يد الفصائل. واستند عنان الى ما سماه "طاقم الامم المتحدة في المنطقة" الذي أفاده بأن الحكومة اللبنانية وضعت قواتها المسلحة خارج المخيمات لمنع خروج السلاح الفلسطيني الى خارجها.
- تحاشى التقرير تحديد موقف مباشر من التمديد واعتمد الايحاء بدلا من الصراحة والتلميح بدلا من التصريح وعرض في الفقرة (26) و(27) للعملية التي تمّت. فأشار في الاولى الى ان "القرار 1559 يدعم عميلة انتخايبة حرة ونزيهة وفقا للدستور ومن دون تدخل أجنبي او تأثير". الا انه شرح في الفقرة (26) وتحديدا في آخرها انه لا يمكن اعادة انتخاب رئيس الجمهورية الا بعد مرور ست سنوات ليستنتج ان التمديد حصل قبل انتهاء هذه المهلة التي نص عليها الدستور وأثبت وجهة نظر "الرعاة المشاركين" للقرار 1559 بأن "تمديد ولاية الرئيس لحود جاء نتيجة تدخل مباشر للحكومة السورية". وبذلك استخلص موقفا غير مؤيد للتمديد من طريق التورية فاستعمل التشبيه نفسه الذي سبق له ان استعمله لدى وصوله الى نيويورك عائدا من افريقيا بأنه على رؤساء الجمهوريات والحكومات الافريقية عدم البقاء في مناصبهم بعد انتهاء مدد ولايتهم. ومما يعزز ذلك ان عنان استعمل في الفقرة (27) عبارة لم يستعملها اثناء عرضه للموقف الرسمي الذي تبلغه من الوفد اللبناني في نيويورك اذ قال "هناك اقتناع على نطاق واسع في لبنان يؤكده الرعاة المشاركون للقرار 1559 بأن تمديد ولاية الرئيس لحود جاء نتيجة تدخل مباشر للحكومة السورية.متناسيا ومتجاهلا موقع الامانة العامة التي يتولاها مجددة هي الاخرى.
- بالنسبة الى البند المتعلق ببسط سلطة الحكومة اللبنانية على كل الاراضي اللبنانية قال التقرير "منذ 30 ايلول 2004 لم تبسط الحكومة اللبنانية سيطرتها على كل اراضيها" مشيرا الى ان هذا القرار يدعم الحكومة ببسط سيطرتها على كل الاراضي اللبنانية مكررا ان لبنان نشر بعض القوى الامنية في جنوبه وفقا لقرارات مجلس الامن ذات الصلة واتفاق الطائف. كما كرر التقرير الموقف الذي يردده عنان في كل تقرير يضعه قبيل التمديد للقوة الدولية العاملة في جنوب لبنان من ان الجيش اللبناني لم ينتشر على طول الخط الازرق متهما “الحزب والجماعات الفلسطينية بانتهاك الخط الازرق وان الحزب ينفذ عمليات خارج اطار سيطرة الحكومة اللبنانية، وعلى الرغم من ذكره "للخروقات الاسرائيلية" والتي هي اعتداءات في واقع الامر وعمليات المقاومة كانت ردا عليها،الا انه في موقع آخر من التقرير يقول ان المسؤولين أبلغوه انه ليس في وسع لبنان ان ينشر في الجنوب أكثر من 1500 عسكري وفقا لاتفاق الهدنة الموقع في 23 آذار 1949 وان لبنان نشر في المنطقة كل المجموعة التي يجيزها له الاتفاق (الفقرة 25).
- في موضوع سيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي يقول عنان في الفقرة (29) "يعتقد على نطاق واسع في لبنان ان الوجود العسكري السوري بما فيه مجموعة اساسية من المسؤولين المخابراتيين بلباس غير عسكري يوفر لسوريا نفوذا كبيرا على الشؤون اللبنانية الداخلية". ويستدرك فيقول "نفت لي الحكومتان اللبنانية والسورية تدخل سوريا في الشؤون اللبنانية الداخلية". والملفت ما ورد في البند (30) ولم يرد في القرار 1559 من ان عنان لاحظ ان لا علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا.
- وفي مقابل ذلك اورد التقرير ان اسرائيل نفذت القرار 425 بانسحابها من لبنان في ايار 2000، مما يعني توضيحا من قبل التقرير وواضعه ان المعني بالقوات الاجنبية في لبنان هي القوات السورية وليست الاسرائيلية،دون ان يغفل موقف الحكومة اللبنانية من الخط الازرق والتحفظ على موضوع مزارع شبعا ،أي نطاق عمل المقاومة اللبنانية واحقيتها في ذلك.
ان التدقيق في نص التقرير يعطي الانطباع السطحي بأنه تقرير متوازن وعادي، وعلى الرغم من غياب العبارات الاستفزازية الصريحة الا انه يخفي في طياته الكثير من الامور التي يجب التوقف عندها وابرزها:
- ان الدعوة المبطنة الى انسحاب القوات السورية من لبنان الموجودة وفقا لقرارات سابقة عن الحكومة اللبنانية والتي كرست فيما بعد باتفاق الطائف ومعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق، انما يهدف في الاساس المس بجوهر المعاهدة والذي هدف الى تلازم المسارين اللبناني والسوري في مواضيع الصراع العربي- الاسرائيلي، ما يعني الدعوة الجديدة- القديمة الى حياد لبنان عن الصراع العربي-الاسرائيلي الذي كان سببا اساس في معظم مشاكله الداخلية.
- ان الدعوة الى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في المخيمات تخفي دعوة الى اثارة موضوع ليس بمقدور لبنان القيام به، بما له من ارتباطات اقليمية، اضافة الى الامكانات العسكرية وان توفرت سوف تستنزف طاقاته وتؤسس لمشكلة قديمة جديدة حجمها بحجم الخيار بين السلم والحرب في لبنان، وفي هذا المجال سوابق كثيرة منذ العام 1969 وما تلاه، رغم ان السلاح الفلسطيني مضبوط الوظيفة والموقع باعتراف التقرير نفسه.
- ان نزع سلاح المقاومة "حزب الله" كما اسماه التقرير هي دعوة صريحة لأغلاق الجبهة اللبنانية مع فلسطين المحتلة،وبالتالي تراجع لبنان عن قضية مزارع شبعا، واعتبارها موضوعا متعلقا بالاندوف وليس باليونيفل، الامر الذي سيحسم موقع حياد لبنان في الصراع العربي- الاسرائيلي.
ان ما يخفيه التقرير هو اخطر بكثير مما يظهر فيه، فحياد لبنان ظل عبر تاريخه المعاصر مادة دسمة لاثارة الخلافات بين اللبنانيين، الامر الذي رتّب على لبنان عبر عقود كثيرة حالة من السلم الاهلي البارد في احسن الاحوال، فهل سيكون التقرير منهجا لمجلس الامن في التعاطي مع لبنان مستقبلا؟ ربما تكون الاجابة الدقيقة على السؤال مرتبطة بمجلس الامن وبمدى تقاطع المصالح الامريكية- الفرنسية، وبقدرة لبنان وسوريا على التعاطي مع المتغيرات الحاصلة التي يجب ان تُقرأ بدقة متناهية، فالقرار 1559 بالتـأكيد ليس كغيره من القرارات، كما ان تقرير كوفي عنان، ليس كغيره من التقارير، فالقرار والتقرير يستوجبان التغيير في منهج واسلوب التعاطي مع المسائل التي لها ابعادا اقليمية ودولية، وهذا ليس من باب التهويل او التخويف بقدر ما هي دعوة الى ردود موضوعية تبعد لبنان عن الصفقات تحت الطاولة او فوقها سيان، فواشنطن وباريس ليستا بعيدتان عما يخطط للمنطقة ولبنان. د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية khussein@terra.net.lb