خلايا جهادية نائمة تدير الحرب النفسية في الأنبار

شائعات مرعبة

بغداد - خلال الايام الماضية احتل تنظيم الدولة الإسلامية مناطق عديدة في مدينة الرمادي مركز محافظة الانبار، ليس بواسطة مقاتليه المسلحين فقط وإنما عبر "خلايا نائمة" متخّفية بين السكان بثت شائعات كاذبة دفعت القوات الأمنية إلى الانسحاب، والسكان إلى الهروب نحو بغداد.

منذ أكثر من عشرة أيام تشهد مدينة الرمادي معارك عنيفة وهي آخر المدن التي ما زالت تحت سيطرة الحكومة في الأنبار إضافة إلى حديثة، حيث استخدم التنظيم المتشدد قوته الاستخباراتية ومقاتليه المسلحين للاحتفاظ بنفوذه في باقي المناطق المحيطة بها.

والتنظيم المعروف باسم "داعش" استبق إعلان الحكومة عن بدء عملية عسكرية في الأنبار بعد يومين على تحرير مدينة تكريت شمال بغداد، وشن هجوماً مفاجئاً على الرمادي وتمكن خلال ساعات قليلة من السيطرة على مناطق البوفراج والبوعيثة والصوفية، شمال وغرب المدينة.

بدأ هجوم داعش على ثكنات عسكرية تابعة للفصائل الشيعية المنتشرة في منطقة السجارية شرق الرمادي، وبعد ساعات من الهجوم ظهر عدد من سكان المنطقة وهم يصيحون في الشوارع إن داعش يتقدم مع قوات كبيرة، وهو ما أدى إلى انسحاب الفصائل الشيعية من المنطقة بسرعة.

محمد الداوودي وهو نقيب في الجيش قال لموقع نقاش الاخباري إن "الفصائل الشيعية انخدعت بعدما تبيّن إن هجوم داعش ليس كبيراً وإنما قام بعض الأشخاص من سكان السجارية ببث شائعات كاذبة، وهؤلاء الأشخاص هم عناصر استخباراتية تابعة لداعش، ونحن نسميهم خلايا نائمة".

بعد هذه الحادثة تكرر الأمر أيضاً في مناطق البوعيثة والبوفراج والتأميم، وبعد ساعات انتشرت الشائعات في كل المحافظة بسرعة وهو ما دفع جميع سكان الرمادي إلى ترك منازلهم بسرعة والهروب نحو بوابة العاصمة بغداد.

لكن القوات الأمنية في بوابة بغداد لم تسمع للنازحين بالدخول لأن هناك إجراءات أمنية يجب أن تُطبّق، وهي أن يقوم كل شخص من الرمادي بجلب أحد سكان بغداد لكفالته ومعرفة أين سيسكن لمنع الخروقات الأمنية وتسلل المسلحين بين النازحين.

الأمم المتحدة أعلنت في بيان رسمي إن نحو 90 ألف نازح من الرمادي تركوا منازلهم سيراً على الأقدام، وهم يعيشون ظروفا صعبة عند بوابة بغداد، ويحتاجون إلى الغذاء والماء والعناية.

في الواقع إن هؤلاء السكان هربوا من منازلهم بسبب شائعات أطلقها البعض بأن داعش يقترب من مناطقهم وسيحتلها خلال ساعات، وبعد مرور أسبوع كامل من المعارك لم يصل داعش إلى هذه المناطق التي بقيت آمنة وتحت سيطرة الجيش وقوات العشائر.

سلمان المحمدي أحد السكان النازحين من منطقة التأميم في الرمادي وهو يسكن في خيمة مع عائلته عند أطراف بغداد يقول إن "الخلايا النائمة المتخفية داخل المنطقة خدعونا، وبثوا شائعات كاذبة عن وصول داعش إلينا وسنتعرض للقتل، وهو ما دفعنا إلى الهرب بسرعة".

سلمان قال أيضاً إن "هذه الكذبة كانت مدروسة جيداً من قبل داعش، عندما هاجم التنظيم بعض المناطق في الرمادي شعر السكان بقليل من الخوف، وعندما انطلقت الشائعة ازدادت مخاوف السكان ودفعتهم للهرب بسرعة، ولكنه لم يحتل مناطقنا حتى اليوم".

بعض السكان اكتشفوا الخدعة، واختاروا العودة إلى منازلهم في الرمادي بدلاً من العيش في المخيمات من دون مياه وكهرباء، خصوصاً بعدما نجحت القوات الأمنية في تحرير عدد من المناطق شمال الرمادي الأثنين الماضي.

داعش يحاول احتلال الرمادي منذ شهور طويلة، ولكن تحالف الجيش مع عدد من عشائر المدينة منع داعش من تحقيق هدفه، واستمرت المعارك لشهور ولم يخرج منها السكان لأنهم متأكدين بأن التنظيم لا يستطيع احتلال المدينة، ولهذا لجأ إلى الحرب النفسية من خلال بث الشائعات لتحقيق هدفه.

ويمتلك التنظيم المتشدد عناصر استخباراتية معظمهم من المدنيين الذين يعملون في الخفاء في مساعدة المسلحين، بينما في العلن يمارسون أعمالا عادية كالنجارة والحدادة والبناء وبعضم يعملون في وظائف حكومية وفي الجيش والشرطة.

وظيفة عناصر "الخلايا النائمة" هي جمع المعلومات عن المناطق التي يسكنون فيها مثل عدد القوات الأمنية ونقاط التفتيش فيها ومعرفة منازلهم، وإيصال هذه المعلومات إلى التنظيم الجهادي، وأيضا يقومون ببث الشائعات بين السكان وإثارة سخط السكان على الحكومة والقوات الأمنية.

وهذه "الخلايا النائمة" تصبح نشطة وفعالة عندما ينجح مقاتلو داعش المسلحين باحتلال مدينة ما، بعدها ينسحب المسلحون المقاتلون منها ويتوجهون إلى مناطق أخرى للسيطرة عليها، فيما يقوم عناصر "الخلايا النائمة" بإدارة شؤون المناطق وكأنهم مسؤولون عنها.

أحد ضباط المخابرات العراقيين طلب عدم الكشف عن اسمه بسبب سرية المعلومات قال إن "التحقيقات التي قام بها ضباطنا مع معتقلين في داعش كشفت لنا الكثير من الأمور الأمنية بخصوص الخلايا النائمة".

ويقول هذا الضابط إن "أعضاء الخلايا النائمة ثلاثة أنواع، الأول مجمدون عن العمل، والثاني وظيفتهم اختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية وهم عناصر في الجيش والشرطة وبعضهم يمتلك رتبة عسكرية كبيرة، والثالث وظيفتهم بث الشائعات والمعلومات الكاذبة".

في بغداد يوجد قرابة خمسة آلاف عنصر في داعش يعلمون في الخفاء ولا يستطيع أي شخص معرفتهم، كما أنهم يستلمون رواتب بموجب قوائم لدى القيادة العليا للتنظيم وفق أسماء وهمية لكي لا يتم التعرف عليهم إذا تمكنت القوات الأمنية من الحصول على سجلات الرواتب والإدارة أثناء الدورات العسكرية التفتيشية، حسبما يؤكد الضابط العراقي.

ولا تمتلك الحكومة العراقية أية حلول عملية لمواجهة "الخلايا النائمة" التابعة للتنظيم، وتعتقد إن القوة العسكرية هي السبيل الوحيد لهزيمة داعش ولكن هذا الأمر زاد من سوء الأوضاع.