خطف الدستور في مصر

بقلم: أحمد أبودوح

يظل الدستور هو منشأ السلطات وهو الحكم بين هذه السلطات، كما أن هذا الدستور هو من يحدد شكل الدولة والعلاقة بين أركانها، ويرسم هويتها وإتجاهاتها، كما أن الدستور هو الضامن الأول لحالة الإستقرار والسلم الإجتماعي التي تتطلع إليها الشعوب خاصة خلال مراحلها الإنتقالية التي تعقب التخلص من إحتلال أجنبي وما يصحب ذلك من السعي نحو بناء نظام حكم جديد، أو تلك التي تأتي بعد نجاح ثورة شعبية في هدم النظام القديم وإحداث تغييرات جذرية في شكل الدولة ومكوناتها.

لم أكن أتمنى بأي حال من الأحوال تكرار الحديث مجدداً عن أهمية الدستور والدور المحوري الذي يلعبه حول تحقيق الفصل التام بين سلطات الدولة ووضع الأساس لنظام الحكم الديمقراطي الذي نتطلع للوصول إليه..

غير أن ما يحدث الأن داخل أروقة الجمعية التأسيسية من عملية سلق للدستور، وكروتة لأبوابه لأي سبب من الأسباب هي ما دفعني للعودة ثانيةً إلى التنبيه لخطورة النتائج التي سوف تسفر عنها تلك الممارسات التي تبعث الشكوك حول نوايا تيار الإسلام السياسي – المسيطر داخل الجمعية – ومحاولاته لخروج الدستور بصيغة نهائية تتوافق مع ما يحمله من أيدولوجية وتصورات لشكل الدولة ونظام حكمها لأكثر من مائة عام قادمة.

لا تتمحور المشكلة في ذلك حول حرص تيار بعينه على الإستئثار بكتابة الدستور الذي يتطلب التوافق عليه بين جميع فئات وأطياف المجتمع المختلفة أو حول تغيير هوية الدولة وخلق حالة من الإنقسام بين مكونات المجتمع فقط.. بل تكمن معضلة تعمد الإسراع في كتابة الدستور أيضاً في الأتي:

1-أن تصاب مواد الدستور بالعوار وخاصة تلك المتعلقة بالحريات – التي أعلنت لجنة الحريات داخل الجمعية مؤخراً الإنتهاء من الباب المخصص لها – وهي ما تتضمن حرية الرأي والتعبير والمرأة والحريات الشخصية بما في ذلك حرية الإعتقاد والمأكل والملبس والإنتقال.. إلخ، بحيث لا يخرج وفقا للإتفاقيات والمواثيق الدولية الموقعة عليها مصر والخاصة بالحريات، وإنما تخرج مرة أخرى "وفقا لأحكام القانون" تلك الإضافة التي أعطت للنظام الحاكم من قبل إمكانية رسم الأطر العامة للحريات في مصر وتوظيفها بما يتوافق مع رؤيته ويحقق مصالحه.

2-أن يتم الإبقاء على مجلس الشورى وما ينتج عن ذلك من إرهاق سياسي ومادي للمجتمع، كذلك الإبقاء على نسبة العمال والفلاحين داخل مجلس الشعب التي أعتقد أن ممثلي التيار الإسلامي قد أعلنوا في غير موضع أنهم لا يجدوا غضاضة في الإبقاء عليها.

3-أن يصبح نظام الحكم في الدستور الجديد برلمانياً وهو النظام الذي يميل إليه الإسلاميون إلى حد كبير، وهو ما لا يتناسب – في تقديري – مع الحياة السياسية المصرية بالنظر إلى عدم نجاح الكيانات الحزبية الموجودة على الساحة السياسية في الوقت الحالي بعد في التبلور في شكل أحزاب كبيرة تمتلك الكوادر المؤهلة وتستطيع المنافسة كما يحدث في الديمقراطيات الراسخة سوي حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

4-أن تخرج الصيغة النهائية لكي تضفي مزيداً من الإستقطاب وتزيد من حالة الصراع السياسي والمجتمعي وخاصة فيما يتعلق برغبة التيار السلفي الملحة في تغيير صيغة المادة الثانية طبقاً لمعتقدات متشددة إلى حد بعيد، ورغبة أطراف أخرى في عدم إضافة أية مواد إنتقالية من ضمنها تلك التي تسمح للرئيس مرسي بإستكمال دورته الرئاسية الحالية، وتحول دون إقامة إنتخابات رئاسية جديدة على غرار الإنتخابات البرلمانية التي سوف يتم عقدها وفقا لقواعد الدستور الجديدة.

من هنا يتضح أنه ربما يصبح قصوراً في الرؤية إدراج النقاط السابقة ضمن المخاوف التي تسيطر حالياً على المجتمع حول الدستور الجديد، بل يجب الحديث عنها في المقام الأول على أنها جزء من الواقع الحاصل الآن والذي أفصحت عنه مؤخراً بعض الإرهاصات التي جاءت في صورة تصعيد متبادل بين عدة أطراف داخل الجمعية التأسيسية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تفجير الأوضاع في أي وقت، ومعه قد تصبح الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور هي السبب الرئيسي في الرجوع بالبلاد إلى المربع صفر بدلاً من أن تكون – كما كان مفترضاً – هي حجر الأساس في نظام مدني ديمقراطي حديث.

أحمد أبودوح