'خطايا' صلاح حنون وفرقة المسرح الشعبي

بقلم: توفيق العيسى
الخطيئة ليست امرأة

في عرض إيمائي ساخر قدمت فرقة المسرح الشعبي في مدينة رام الله ومدن أخرى خمس لوحات باسم "خطايا" إخراج صلاح حنون وسيناريو فتحي عبدالرحمن، الخطايا منها ما يرتكبها الآخرون بحق غيرهم ومنها ما يرتكبها المرء بحق نفسه، إلا أن الخطايا تظل خطايا بغض النظر عن مرتكبيها أو الدافع وراء ارتكابها.

سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على ثلاث لوحات منها، دون إغفال للقيمة الفنية للوحتين المتبقيتين، ثلاث لوحات أظهرت المرأة في صور متعددة.

• في البدء كان الفقر:

امرأة تلقي بطفلها في حاوية للنفايات في أحد الشوارع وتمضي ليدور صراع حول تبني هذا الطفل ما بين رجل وشرطي وامرأة ثرية، في نهاية المشهد تعود المراة لتأخذ ابنها فتجد الشرطي لها بالمرصاد معبرا عن إدانته بتوجيه إصبع الإتهام لها.

قد يبدو المشهد عاديا جدا، وقد تبدو المرأة مدانة على فعلها اذا ما أخذنا الأمور بحرفيتها.

فالمرأة رثة الثياب تظهر عليها علامات الفقر ترمي بطفلها مترددة في حاوية النفايات من خلف ظهر الشرطي الساهر على حفظ الأمن، وكأن المخرج يقول بلغة إيمائية إن ما ارتكبته المراة لم يكن جرما من وراء القانون ولكنه جرح لهيبة القانون لذا فقد غالى في إظهار الشرطي بمظهر الحازم الواثق، ليلتقط الطفل رجل فقير ليس بأفضل حالا من أمه التي رمته فيتردد بدوره في قبول الطفل أو إعادته إلى الحاوية وكل ذلك من وراء ظهر الشرطي أيضا ليتحول الرجل فيما بعد إلى شاهد على انحياز الشرطي (السلطة) إلى الطبقة الثرية وذلك عبر دخول امرأة ثرية تجر عربة طفلها فتستخدم الشرطي كمربية لطفلها ريثما تعود ليرى الرجل انكسار الشرطي القاسي أمام امراة جميلة وثرية وكيف تحول إلى رجل رقيق ووديع.

فالشرطي الممثل للسلطة الحاكمة والتي يتحتم عليها أن تكون محايدة أو كما يقال "وظيفتها تكمن في فض النزاع بين الطبقات" يمارس سلطته بقساوة على الفقراء بينما هو رقيق مع الطبقة الغنية إلى درجة أنه قبل أن يلعب دور الخادم لها، فإن المشهد الدرامي يأخذ منحى آخر غير المتوقع له، فمن السذاجة حصر المشهد أو اللوحة في قضية الأطفال اللقطاء فالمسألة صراع طبقي تنحاز فيه السلطة الحاكمة للقوي على حساب الضعيف، فإذا كانت المرأة قد ارتكبت خطيئة ما فهي نتاج لخطيئة أكبر أفرزها مجتمع متناحر وما إصبع الاتهام الذي وجهه الشرطي للمرأة سوى إدانة لدوره.

• الحلم إدانة للقاتل:

في لوحة أخرى وخطيئة أخرى يعود بنا العمل إلى جريمة لم تزل في الذاكرة "انفجار مصنع القداحات" والذي كان ضحاياه من النساء، وعلى عكس مشاهد المسرحية التي كانت ذات إيقاع سريع متواتر وساخر يدخلنا المخرج في جو من الرتابة، رتابة تنم عن روتين لعمل يومي تقوم به عدد من النسوة بحركات آلية، وكأن العاملات أصبحن جزءا من الآلة أو إنهن أصبحن آلات لا حول لهن سوى العمل، فلو كان العمل حواريا لسمعنا حوارا عن تردي الوضع النفسي وتدني الاجور مقابل ساعات العمل والجهد، إلا أن الممثلات استطعن أن يعبرن عن ذلك بالحركات.

ومهما كان الوضع مأساويا إلا أن القادم أسوء فالعاملات يسقطن قتيلات شهيدات للقمة العيش، ليتنقسم المشهد إلى مشهدين مشهد الفعل الواعي وهو روتين العمل ومشهد في اللاوعي وهي أحلام العاملات في مشهد جمالي رغم قسوته، فعاملة تتقدم الخشبة وحولها صديقاتها معلنة عن حلمها في الحصول على الشهادة الجامعية ومشهد احتفالي يباغته ملك الموت بمظهره المخيف يخلع عنها عباءة الحلم ويسحبها إلى الموت وأخرى تحلم بالغناء وأخرى بالزواج وهكذا...وكأن أحلامهن ضرب من الحرام.

ولم يكن استخدام المخرج للحلم بمثابة التعاطف مع العاملات فقط، ولكن للتدليل على حجم المأساة وإدانة كل من تواطأ على إغلاق هذا الملف دون عقاب، فأحلامهن هي من أدانت الفعل وليس رائحة الدخان فقط.

• الجسد كتعبير عن الحرية:

في اللوحة الأخيرة جو احتفالي بترقب مولود جديد يدخل رجل أشبه بشيخ العشيرة فرحا وما ان يرى المولود أنثى حتى يعلن الحداد فينقلب المشهد إلى مأساة ومع تطور المشهد يجتهد المخرج في عرض قضية السلطة الذكورية والرقيب الذكر على الفتاة والذي يمنعها من الرقص تعبيرا عن سلطة القمع إلا انها ترفض وتمارس ما اعتبرته حقا في التعبير سرا.

وقد استخدم الجسد كرمز للحرية أو التعبير بطريقة جمالية لا تخلو من سخرية المحكوم أمام الحاكم الذي يحاول جاهدا منع الفتاة من الرقص فتغافله بحركات ما لتستفزه، فقد استطاعت الممثلة من أداء الدور بطريقة شبه احترافية، رغم حداثتها في التمثيل.

غير أن صورة القمع في هذا المشهد تبدو نمطية جدا، بدءا من رفض الرجل لنوع المولود (الأنثى) وحتى رمزية الرقص، فمع تطور المجتمع تطورت أشكال القمع وصوره فلم تعد الصورة السائدة هي رفض الأنثى بشكل قطعي وعدم القبول بأي دور لها مهما كان، الامر الذي يفهم من هذا المشهد بشكل لا يقلل من جماليته.