خطاب 9 مارس..التاريخ والأبعاد والتطلعات

نتذكر هنا في المغرب تلك اللحظات الحاسمة يوم الأربعاء التاسع من شهر مارس 2011، عام الحراك الشعبي الذي ضرب المنطقة العربية حيث خسرت على إثر تلك الضربة دول بعينها الاستقرار والأمن والرؤية الواضحة للمستقبل ولا زالت تعاني الويلات والفوضى إلى الآن، كلمات خطاب الملك محمد السادس في 9 مارس عبرت بشكل واضح عن البعد المستقبلي لخصوصية القرارات التي ستخلق لحظة مغربية بامتياز، لحظة فارقة في الزمن السياسي المغربي عمقت روح الاستثناء العابر للزمن.

لقد ربط الخطاب الملكي الجهوية المتقدمة بالديمقراطية كخطوة تؤسس لوضع تطلعات المجتمع المغربي بمختلف شرائحه ومكوناته الثقافية والإثنية واللغوية في إطار إصلاح شامل وإعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية والعناية بها وتطويرها وتأهيلها باعتبارها مكون أساسي للثقافة المغربية، وأبان متن الخطاب على الوعي السياسي الكامل بأن الجهوية أساس لتدعيم التنمية المحلية بموازاة مع تطوير منظومة حقوقية ترعى الخصوصية وتعطي الأمل في تدبير محلي أمثل، جهوية تجعل من التعددية السياسية والثقافية داعمة للوحدة الترابية في حرص تام على تضامن بين هذه الجهات تحقيقياً للتكامل الاقتصادي والتنموي وتوزيعاً سليماً وعادلاً للثروات.

لماذا العودة الآن إلى خطاب 9 مارس؟ لأن شروط إلقائه لا زالت قائمة وإفرازاته متواصلة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والحقوقية والثقافية والاقتصادية، والذي كان دستور 2011 من منتجاته البارزة، وللتذكير فإن المغرب انخرط في سيناريو الإصلاح منذ زمن بعيد حيث كان إصلاح المؤسسات وبواسطتها قاعدة أساسية للإجابة على سؤال التطور مع المحافظة على الاستقرار.

فالأمر المهم هو أن القيم الجديدة المتضمنة في دستور ما بعد خطاب 9 مارس أعطت وجوداً مؤسسياً ووضعاً متقدماً للجهة في ترابط وثيق مع الإصلاحات التي يشهدها المغرب على عدة مستويات تشريعية واقتصادية وتنموية.

خطاب التاسع من مارس 2011 كان خطوة محسوبة نحو المستقبل الذي يتطلع إليه المواطنون المغاربة في جميع الأقاليم استتبعتها خطوات تطبيقية على مستوى تدبير المجال الاجتماعي والسياسي والديني ومحاولات حثيثة لتعزيز دور القانون ودولة المؤسسات، حيث أن الجهوية المتقدمة كما رسخها الدستور المغربي هي إقرار جوهري لوحدة البلاد وتفاعل ايجابي بين المركز والأقاليم، جهوية تخدم مبادرة الحكم الذاتي كإطار موضوعي لحل مشكل الصحراء المغربية وتعطي هامش أوسع في تدبير المجال بشكل أكثر سلاسة وديمقراطية هدفها "الأسمى إرساء دعائم جهوية مغربية، بكافة مناطق المملكة، وفي صدارتها أقاليم الصحراء المغربية" كما عبر عن ذلك العاهل المغربي في الخطاب.

سبع نقاط محورية في خطاب التاسع من مارس شكلت الإطار العام لمراجعة الدستور وتعبير واضح عن وعي سياسي تراكمي، نقاط تركزت حول دسترة الهوية المغربية المتعددة لغويا وثقافيا مكرسة لوحدة المغرب. وتعميق لدولة القانون المتفاعلة مع المنظومة الحقوقية وإعلاء قيمة الحريات فردية كانت أم جماعية إلى جانب استقلال السلطة القضائية وإعطاء الدور الكبير للقانون والمساواة في التقاضي أمامه، والتركيز على مبدأ فصل السلط الثلاث خدمة لديمقراطية المؤسسات.

وكانت الجرأة في دسترة تعيين رئيس الوزراء من الحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب نقطة استراتيجية وقيمة مضافة إلى الممارسة السياسية الديمقراطية المغربية حيث ربط فيها الدستور ممارسة المسؤولية بالمحاسبة.

دستور ما بعد خطاب التاسع من مارس يمكن اعتباره قفزة نوعية في اتجاه توطين مفاهيم الحكامة الجيدة وتعزيز مجال الحريات والحقوق وإعطاء المعارضة البرلمانية موقعا متميزا لممارسة الرقابة على عمل الحكومة، حتى يتمكن المواطن المغربي من إعادة ثقته في الساسة وتفاعله الايجابي مع السياسة خصوصاً مع العزوف الذي عرفته دورات انتخابية سابقة وهذا ما أكد عليه الخطاب بالقول "برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيها مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية".

في ذكرى خطاب التاسع من مارس نرى أن المهمة القادمة تكمن أهميتها القصوى والدقيقة في تمتين النموذج المغربي عبر تسريع وتيرة الإصلاح نحو تغيير هادئ وحقيقي، وذلك بتعميق مفاهيم الحوار والديمقراطية والحرية وتشجيع المشاركة السياسية والتضامن من خلال المبادرات المجتمعية وتوطين ثقافة حقوقية متقدمة وتقوية المجتمع المدني، بهدف قطع الطريق على كل ابتزاز متطرف قابع في هوامش المجتمع أو ذاك الذي يحاول جاهدا التسرب من الخارج.

وهذا ما عبر عنه الملك بالقول "إن إطلاقنا اليوم, لورش الإصلاح الدستوري, يعد خطوة أساسية, في مسار ترسيخ نموذجنا الديمقراطي التنموي المتميز, سنعمل على تعزيزها بمواصلة النهوض بالإصلاح الشامل, السياسي والاقتصادي والتنموي, والاجتماعي والثقافي".

خطاب الملك جاء ليؤكد في كلمات مركزة وواضحة على أن المواطن له كامل الحرية في اختيار الهيئات المحلية والجهوية التي تمثله بشكل مباشر، ومن هذا المنطلق يتحمل الأفراد مسؤولية اختيارهم تعزيزا لمفهوم الديمقراطية وحث الأحزاب على العمل الجاد اعتمادا على برامج متنافس عليها تهم الساكنة وترفع من العمل السياسي.

خطاب أعطى إضافة جديرة بالاهتمام تخص المرأة وحقوقها ومكانتها المتميزة والفعالة في المجتمع وتشجيعها على ولأول مرة في تاريخ المغرب تتولى امرأة منصب والي جهة وذلك لما أبانت عنه من إمكانيات سياسية وتدبيرية.

يمكن اعتبار خطاب 9 مارس وثيقة مرجعية في عالم تتماوج فيه كل عمليات الفوضى والتطرف والإرهاب بأشكاله المادية والمعنوية والاحتكام إلى لغة العنف قولا وممارسة، إنه امتياز مغربي، إنه استثناء مغربي، وصناعة تفاعلت فيها الثقافة والذكاء والجينات نتج عنه دستور كانت مبادئه متفاعلة مع طموح الإنسان المغربي وتطلعاته المتجددة في التغيير وصولا الى وضع متقدم سياسيا واقتصاديا وثقافيا في انسيابية تؤرق الأعداء والخصوم.

حيث أكد العاهل المغربي"أن إدراكنا العميق لجسامة التحديات، ولمشروعية التطلعات ولضرورة تحصين المكتسبات، وتقويم الإختلالات، لا يعادله إلا التزامنا الراسخ بإعطاء دفعة قوية لدينامية الإصلاح العميق، جوهرها منظومة دستورية ديمقراطية".