خطاب نصرالله... طبعا هناك جديد!

يُطِلُّ من على شاشة كبيرة تحرزا وتقية ويلقي حسن نصرالله خطابا يزيد فيه تأكيدا لمن أراد أن يتأكد بأن الحرب في سوريا ضد جزء من شعب نعلم أنه ليس بشعبه لا زالت قائمة وسيذهب فيها إلى النهاية. النبرة تارة تكون هادئة ترميزا إلى انه متمكن من الموقف وتارة أخرى تكون حماسية لتمرير رسالة ما، سواء لمناصريه الذين يدفعون الدم والدموع والخُمُسَ من أموالهم خدمة للمجهود الحربي، أو لمعارضيه الذين يطالبهم بعدم السب والشتم وينسى أن القتل بغير حق أعظم عند الله.

مهما كان الأمر فالأمين العام لحزب الله يقر بأنه كان يأمل بأن تُعْطَى الأوامر من مركز القرار وتكون معركته هناك ولم يسمِ تلك الساحة لكنه يقاتل في الساحة السورية مع جزء من الشعب ضد الجزء الآخر وهو مطمئن إلى انه في الجهة الناجية والجهة التي هي على صواب. يقاتل لأنه يرد الواجب الذي طوقه به نظام الأسد، وما هو هذا الواجب؟ يمكننا أن نُقَدِّرَ بأنه من أموال الشعب السوري والأرض السورية والقمح السوري، إذن الواجب الذي في عنق الأمين العام هو للشعب السوري ككل وليس النظام الذي ضلع في قتل السوريين وتهديم بيوتهم. الدعوى إذن ليست في محلها ومن ثم رد الواجب لا يمكن أن يكون بهذا الشكل.

زد على هذا أنه يعلم الجميع بأن المساجد لله والمنارات أو الصومعات هي لرفع الآذان وليس لرفع الأعلام أيا كان لونها أو ما كتب عليها، ولا تقل لي هذا مسجد الحسن المجتبى وذاك يبعد بكيلومتر عن جامع عمر بن الخطاب، إنها تُقْرَأُ كدعوة مبطنة للتفرقة على أساس طائفي. فالذين رفعوا الأعلام فوق مسجد القصير مخطئون وهم يأتمرون بأوامر قادتهم، والجدال في هذا الأمر وبهذه الطريقة لم يكن موفقا.

ما هي طبيعة المشروع القائم الذي يدافع عنه حزب الله في بلد ليس بلده ويقاتل على أساسه شعبا ساعد ميلشيات الحزب والنازحين فيما سبق بقوت يومه؟ لاشك أنه مشروع إيراني وقد توسعنا فيه ضمن مقالات سابقة بالقول إنه توسعي واستيطاني، وهو لا يختلف على مشاريع أخرى في المنطقة بحكم الموقع والثروات وهذا ليس جديدا ولا سرا ولا يحتمل أي مزايدات من اجل تمرير أجندة طهران؟

جميل أن تناضل من أجل لبنان ضدا عن المحتل والمعتدي إذا كانت النية صادقة. لكن أن تصبح يدا ضاربة للآخرين تقتلع بها شعبا آمنا من على أرضه فهذا يضرب المصداقية والنخوة والشفافية وتصبح الكلمات بلا معنى والخطب تكرر نفسها. شعب سوريا يُقتل وكل ذنبه أنه صرخ في وجه الظلم والتعسف. لا يهم أين اتجاهك ومع من تصطف لكن اعلم أن هناك في صفوف الطائفة الشيعية مَنْ يعارض توجهاتك التي تلح أن عواقبها محسوبة بشكل جيد ولا تحتمل أي مجال للشك أو الخطأ وسوف تذهب بها إلى النهاية داخل الأرض السورية، ونرى انه قد تَحَمّلَ صقور الحزب مسؤولية الحرب بالوكالة ولن يتراجعوا مهما كانت الظروف ومهما بلغت التضحيات إنها ليست جرأة بقدر ما هي تفعيل لمخططات حرب طويلة المدى واستنزافية.

مذهل كم سيتغير عالمك الافتراضي وأنت تبحث في خطاب نصرالله عن الرجل المبصر بدل الأعمى داخل أحجية المؤامرة الكونية المحاكة ضد النظام في سوريا ومعه الحزب والمنطقة ككل، هنا تكون نظرتك للحياة السياسية ليست سهلة ومبسترة إذا مارست الحديث مع ذاتك فقط وأنت تردد فلنصطف مع القاتل حتى لا يأتي من يسلبنا حياتنا الباقية. فأن يكون الحزب بوقا للحق والدعوة إليه أدعى من أن يرى من يسفك دماء الأطفال ويهتك أعراض النساء والبيع والشراء في الذمم وتزوير التاريخ يرى كل هذا ويلزم الصمت بل الأدهى أنه يشارك في الحرب المقدسة لقد قال الأمين العام بأنه دخل الحرب متأخرا فهل سيحزم الحقائب لتسلم الزمام في دمشق مستقبلا؟ ربما سيكون طموحا! لكن مهلا، ألا يوجد عندكم رجل رشيد يوقف مهزلة النظرة الأحادية والضحكة التائهة؟

عندما تقولون إنه علينا إعادة ابتكار عالم جديد يتماشى مع منطقكم إذن فأنتم تريدوننا أن نتحدث عما يحدث في سوريا وكأنه رحلة بحرية تعرضت فيها سفينة نظام بشار الأسد إلى موجة تطلبت منه إنزال الأشرعة حتى تمر تلك العاصفة ثم إلى الأمام من جديد وكأن شيئا لم يكن، إنه تبسيط تريدوننا من خلاله أن نبصم بأيدينا وأبصارنا عليها غشاوة ونتحدث عن انجازات وبطولات وملاحم قام بها الحزب وهذا النظام تحت شعار مقاومة الأعداء. عندما لا يمكنك أن تثق في زمن وأرض الصدق والمصداقية إذن كيف ستعيش بين دروبها وأنت لا تحمل بذرة التمرد على مرشد التهلكة، هل تعرف ما أنت عليه الآن أتريد مواصلة القيام بما تراه صوابا؟

الإجابة داخل خطاب يوم الجريح المقاوم الذي استبسل فيه نصرالله وأعلنها صريحة مدوية بأنه دخل الحرب المقدسة بقرار خارجي ولن يخرج منها مهما كلف الأمر ولو تطلب ضحايا آخرين وجرحى جدد، لكن حسب علمي الجريح الأول الذي يحتفل بذكراه الآن لم يُصَبْ فوق الأرض السورية وإنما في لبنان وبأسلحة ليست سورية، والغريب ماذا سوف يقوله لأب وأم وطفل وزوجة الجريح الثاني فوق الأرض السورية؟ دعنا من عملية الاستشهاد في سبيل المقاومة والمقدسات فالله بريء من قتل النفس بغير حق مهما كانت الظروف والتزم المبادئ التي سقط من أجلها الشهيد الأول.ألك الجرأة؟ سوف نرى الأجيال القادمة ماذا ستنجز بعيدا عن إقحام المصلحة الشخصية والسياسية في مجال الروح والنزاهة.