خطاب نتنياهو: لامع وفارغ

يمكن وصف خطاب نتنياهو في الكونغرس الأميركي بأنه خطاب "لامع وفارغ". كان واضحا انه تنازل مرغما عن طرح تفاصيل هدد بكشفها على اثر التحذيرات الأميركية التي تناوب عليها الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ومستشارة الأمن القومي والناطقون الرسميون.

لست قلقا على مكانة اسرائيل مع أميركا او غير أميركا. هناك مصالح استراتيجية تفرض نفسها على أي رئيس أميركي.. حتى لو بلغ استفزاز اسرائيل حدا لا يطاق ومهينا للإدارة الأميركية برئيسها وسائر زلمها.

نتنياهو ذكر ايران في خطابه ما يقارب مائة مرة، اعاد تكرار نفس المفاهيم بشكل ممل، دون أن يقدم أي فكرة جديدة، ملتزما بما حذره منه المسئولون الأميركيون. كل ما نجح به نتنياهو كان محصورا بالمعركة الانتخابية في اسرائيل. الأهم ان نتنياهو وضع اسرائيل بخانة جمهوريات الموز الأميركية اللاتينية.

على هذه الخطوة نحن نصفق له أيضا.. لأنها ليست اكثر من "جمهورية موز" بحسابات السيد الأميركي. لكنها ضرورية لاستمرار النهج الأميركي ضد العالم العربي ومنع خروجه من حالة التخلف والنزاعات القبلية. الى جانب كونها قوة استراتيجية بسلاح نووي او غير سلاح نووي، توفر مصاريف هائلة على الخزينة العسكرية للولايات المتحدة، ودولة مخابرات من المستوى الأول والتي لا يخفى عن عينيها ما يجري في العالم العربي ودول اسيا وأفريقيا وربما دول اميركا اللاتينية أيضا.

ماذا يريد السيد الأميركي أكثر من ذلك؟

هنا لا بد من طرح سؤال جوهري. ما هو الخطر الأهم على الأمن الاسرائيلي؟ هل يظن نتنياهو ان احتلاله ومستوطناته ستضمن أمن اسرائيل؟ الاحتلال حسب تحذيرات شخصيات يهودية من اليمين أيضا، يزحف بعفنه وجرائمه نحو المجتمع الاسرائيلي. يحوله الى مجتمع متناحر. ينتج دواعشه الذين يوجهون سهامهم ضد القوى التي يمكن وصفها بالعقلانية أكثر.

ان من يظن ان الشعب الفلسطيني سيبقى مستسلما لنتنياهو او ورثاء نتنياهو ومن أي حزب كان، حتى لو كان اكثر اعتدالا، هو ببساطة غبي او جاهل ويعيش في وهم ان العالم لا يتحرك. ان عدم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها اقامة دولته المستقلة بحدود العام 1967 كحل وسط وتنازلي من الشعب الفلسطيني، هو الذي يهدد امن اسرائيل أكثر حتى من امتلاك ايران للقنبلة النووية. استمرار الاحتلال للاراضي الفلسطينية، واصرار اسرائيل على استمرار تحكمها بملايين الفلسطينيين دون أي حقوق انسانية او حقوق مواطنة، استمرارها بتوسيع المستوطنات ونهب الأرض الفلسطينية بقوة الاحتلال والتغطية الأميركية الدولية، استمرار الحصار الوحشي على 1.8 مليون فلسطيني في قطاع غزة، هو الخطر الأكبر حسب تحذيرات جنرالات ورجال مخابرات ومفكرين إسرائيليين لا يمكن اتهامهم انهم يسار او يسار متطرف كما يوصم نتنياهو كل من يعارضه حتى لو كان من اليمين الأقل تطرفا.

اسرائيل اليوم هي دولة ابرتهايد مغلفة بديمقراطية عنصرية. كل مفاهيم الديمقراطية مبنية على قاعدة اثنية. لا استهجن انها قد تكون قريبا ديمقراطية لليمين المتطرف فقط. اليوم هناك ديمقراطية يهودية (هي ايضا في خطر اذا تواصل احتلال الاستيطان للمجتمع الإسرائيلي نفسه)، لكن لا ديمقراطية بنفس الشروط والقيمة للوسط العربي. هذا لا يبرز بحرية التعبير، انما بالميزانيات والتوظيفات في المشاريع وخطط الإسكان التي يعاني منها المجتمع ألعربي أضعاف ما يعانيه المجتمع اليهودي، لدرجة ان تقرير مستشار الدولة القضائي الأخير تجاهل تماما القصور السلطوي في المجتمع العربي بكل ما يخص مشاكل السكن، كأن العرب في إسرائيل يعيشون على المريخ، ايضا نسبة البطالة ومستوى التعليم ورفض التصريح بإقامة جامعة عربية والتوظيف في سلك الدولة، كلها قضايا تمييزية اضطهادية لا يمكن تغليفها بالثرثرة عن إسرائيل الديمقراطية اليهودية.

حماس الكونغرس الأميركي لخطاب نتنياهو الفارغ من المضمون، يقف بتناقض كامل مع الانعزال السياسي الدولي لإسرائيل وآخر الصفعات كان اعتراف البرلمان الايطالي بدولة فلسطين.

هنا ازمة اسرائيل التي تجاهلها نتنياهو في خطابة اللامع والفارغ!