"خزانة الألم" ينتصر للسياسة على حساب الفن

الرباط
التعتيم الفاضح لصورة العربي

من السمات التي طبعت مسار الفن السابع عبر مساره القصير نسبيا، كان التشديد على أن العمل السينمائي لا غاية له في ذاته.

وأدى هذا النمط من التفكير إلى سلك طرائق انتقائية في صناعة الفيلم تبتعد به عن بؤرة إنتاجه وتنفتح به على عالمه الخارجي المكون أساسا من ثلاث ركائز، يستمد منها العمل نجاحه أو تكون سببا في فشله، ويعتمد ذلك على الفكر الجيد أي السيناريو ثم التوصيل الجيد بما يشمله من إخراج وتمثيل، بالإضافة إلى القبول الجيد والمتمثل في الصدى الذي يتركه العمل عند الجمهور.

يقودنا هذا الحديث بالضرورة إلى طرح سؤال وجيه بصياغة محددة ودقيقة، ما هي مقاييس نجاح العمل السينمائي؟ وفي طريق الإجابة عن هذا التساؤل تواجهنا عقبة أخرى، إذ علينا أولا أن نميز الفيلم الجيد، هل يتحقق ذلك بقولنا العفوي إن هذا الفيلم جيد وهذا رديء أم غير ذلك؟

وهذا البحث سيدخلنا في متاهة تشبه ليل امرئ القيس لأن هذه التحديدات قد حيرت صناع الفيلم أنفسهم، فالمنتج يعتبر العمل جيدا فقط إذا حقق أرباحا مادية ولقى تجاوبا من شبابيك التذاكر. أما نقاد السينما فإنهم يحصرون اهتمامهم فيما تضمنه العمل من مميزات ومواصفات جمالية.

ويبقى دور الجمهور أساسيا في رحلة بحث الفيلم عن النجاح، لأن المخرج يتعامل مع هذا العنصر وكأنه ناخب يضع تصويته في شباك التذاكر، فإن أقبل على عمل دون غيره فإنه بطريقة أو أخرى يختار أو ينتخب مخرجه رئيسا.

فالتساؤل الذي طرحناه آنفا يكتسب وجاهته حينما نكون بصدد فيلم سينمائي معين، نحس بعد مشاهدته بنوع من الإحباط والخداع، لأنه بتعبير الجمهور يكون رديئا أو فاشلا، لكن هذا الإحساس يتعاظم حينما نفاجأ بالكرم الذي يلقاه هذا العمل أو أعمال تشاكله، في بعض المناسبات التي تحتفي بالأعمال السينمائية الناجحة.

وهذا الحديث ينطبق تماما على الدورة 82 لتوزيع جوائز الأوسكار التي صادفت ليلة 8 مارس 2010 وتمنحها "أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة"، لكن هذه السنة حفلت بالعديد من المفاجئات إن لم نقل المتناقضات، حيث كانت صالة "مسرح كوداك" -المكان الذي ينظم فيه الحفل- مسرحا حقيقيا لمسرحية توزيع الجوائز كان بطلها فيلم "خزانة الألم " للمخرجة كاثرين بيغلو.

وأفلام هذه الدورة اتسمت بالتنوع من حيث المواضيع والنجاح، حيث كان التنافس بين فيلم "أفاتار" لجيمس كامرون الذي بلغت تكاليف إنتاجه نصف مليار دولار، وهي الأعلى في تاريخ هوليود، أما إيراداته فقد بلغت مليارين ونصف المليار دولار، أما ميزانية "خزانة الألم" فبلغت 15مليون دولار وإيراداته 19مليون، ما جعل هذا العام عاما استثنائيا من حيث كم الجدل الإعلامي الذي صاحب هذه الدورة.

لكن هذا الجدل تناول ما هو سطحي في هذا الموضوع على اعتبار المتنافسين كانا زوجين سابقين، وأن هذا الأمر هو منبع الإثارة في هذه الدورة، لكن جيمس كامرون نفسه فند هذا الزعم وكل التحليلات التي تشاكله حينما كان أول المهنئين وأول من صفق لبغلو بابتسامته التي لم تضمر أي حسد.

وتجدر الإشارة إلى أن فيلم "خزانة الألم" فاز بجوائز ذات ثقل كبير من بينها أفضل فيلم وأفضل إخراج، فيما نال "أفاتار" ثلاث جوائز في الجوانب التقنية فقط، ولم تعرف هذه السنة سيطرة مطلقة لفيلم معين كما كان الحال في السنوات السابقة حيث تجاوزت بعض الأفلام إحدى عشر جائزة.

وبالإضافة إلى ذلك نجد أن هذه السنة لم تنصف بعض الأفلام كفيلم "عاليا في السماء" الذي لم يخفِ بطله جورج كلوني إحباطه بنظراته التي عكست حسرته على خسارة الفيلم للجوائز التي رشح لها تباعا، وفاز جيف بريدجيز بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "قلب مجنون"، ورشح بريدجيز أربع مرات للأوسكار لكنها المرة الأولى التي يفوز بهذه الجائزة بعد 30 عام من الانتظار. وذهبت جائزة أفضل ممثلة لساندرا بولوك عن دورها في فيلم "البعد الآخر".

وما نلامسه من منح جوائز هذه السنة هو الانحياز التام لفيلم "خزانة الألم" الذي أصبحت مخرجته أول امرأة تفوز بالجائزة، هذا الانحياز كان على حساب الأفلام المنافسة عموما وفيلم أفاتار خصوصا.

والمداخل إلى أسباب ذلك كثيرة أولها أن الأكاديمية أرادت أن تنصف هذا العمل الذي ظلمه الجمهور في كل أنحاء العالم، فمنحه الجوائز ما هو إلا إعطائه حياة جديدة ستجعل الجمهور يعيد اكتشافه، بالإضافة إلى ذلك فموضوعه يظهر الجانب البطولي للجندي الأمريكي عن طريق التركيز على "التضحيات" التي يقوم بها في بلداننا العربية مع ممارسة نوع من التعتيم الفاضح لصورة الطرف العربي (العراقي) تتمثل في عدم إبراز معانات العراقيين وتجاوزات الجيش الأمريكي.

وتمجيد صورة الجندي الأمريكي في الخارج هي دعوة إلى إعادة الاعتبار إلى هذه المهنة وتلميعها في وجه المواطن الأمريكي.

في مقابل ذلك نجد "أفاتار" يحمل في طياته دعوة صريحة تعترف بأحقية الشعوب في الدفاع عن أوطانها حتى وإن كان هذا الوطن افتراضيا، فالواضح أن الأكاديمية ثمنت الفيلم الذي يتماشى مع السياسة العامة لهذا البلد القارة، وهو ما حصل بالضبط، فقد انطلت هذه الحيلة على مقتنصي الأخبار، الذين انهال غزلهم على هذا الفيلم انطلاقا فقط من ساعة تتويجه بالاوسكار، وكأن ميلاده الحقيقي هو 8 مارس 2010 وليس 23 سبتمبر 2009.

يتضح إذن أن هناك مؤثرات وخبايا كامنة وراء تتويج بعض الأفلام بالجوائز، وأن هناك أطراف تصنع من بعض المخرجين نجوما عن طريق مباركة أعمالهم، ومن ثم صنع أفلام سينمائية في الإطار الذي يلبي غاياتها.

وقد يلتقي ذلك مع أهداف تعادي تماما تطلعات الجمهور، لكن السينما التي لا تحقق التواصل مع المتلقي عن طريق تشجيع حوافز التفكير لديه وتدفعه لكي يكون عنصر فعالا في المجتمع بعيدا عن الإحباط واليأس، هذه السينما لا يمكن أن تحمل هذه الصفة مهما رصعت بذهب الجوائز واصطبغت ببريقه.