خريف الليبرالية

بقلم: جمال محمد تقي

طرق تجاوز عقبات التخلف في عالم لا يسمح باعادة تقاسمه، اي تقسيم وظائف العمل العالمي فيه، والقائمة على اسس غير عادلة من حيث انتاج وتوزيع واستهلاك الثروة، تنحسر بين نسبية الانكفاء على الذات واكتفائها وبين نسبية التعاطي الحذر والانتقائي مع سياسات الاحتكارات العالمية واسواقها التي تحتم مباشرة الدخول بلعبة الربح والخسارة، ومقايضة المنح باملاء الشروط، وبين الاستسلام الكامل لمفعول السوائل اللزجة ـ مغريات التحول الحداثي الاستهلاكي ـ كاشراك متجددة يندر الافلات منها لامتصاص سوائل الحياة الكامنة فيها وترك هياكلها الخاوية تجف تحت هجير الطاقة المتحولة الى فائض نقدي قادر على معادلة ومداينة الحاضر بالمستقبل، والمعدن بالخام، والمعلوم بالمجهول، والحقيقة بالوهم، وقيمة الحرية الخالصة، بالعبودية لقيم رأس المال المالي.
الليبرالية المتحولة من بكريتها الاولى التي تميزت بثوريتها المناهضة لقيم وعقائد وجمود نمط التشكيل الاقتصادي الاجتماعي الاقطاعي الى عجوز شمطاء مستهلكة، هي ذاتها اليوم، تعاني من شيخوخة مزمنة رغم عمليات تجديد الخلايا وتنشيطها، وعلاجات التجميل وشد التجاعيد وتركيب العدسات اللاصقة عوضا عن العوينات الطبية. ورغم اعتماد الجراحة النوعية لاستبدال بعض اجهزتها المعطلة ـ زراعة قلب وكلى ورئة الخ ـ كمحاولة لديمومة ليس فقط حياتها وانما لفكرة شبابها الابدي، وبالتالي لقطع الطريق امام الصيحات المتعالية والداعية لتجاوزها ببديل ثوري جديد اكثر قدرة على تحمل مسؤولية السير بالانسانية الى افاق رحبة التوازن. المأزق بنيوي وعضوي وهو احد اعراض ازمتها العامة التي تصاعدت حدتها بنوبات من فقدان الوعي والتخريف. فالترقيع وتجديد الاقنعة وتبديل الدم واعلان توقف الزمن ونهاية التاريخ لا يمنع النهاية المحتومة، حتى محاولات تحويل الانظار عن الازمة وواقعها بافتعال حروب جهنمية بناء على فكرة صراع الحضارات سوف لن تساهم الا بتسارع وتيرة احتضارها. فالليبرلية بنسختها الجديدة ايضا تحمل ذات المكروب الذي يلوث غير الملوث بنقص المناعة المورث والمكتسب، اي في كلا الحالتين معا!
ما كان ثوريا عند ادم سميث في ثروة الامم، ودافيد ريكاردو في الاسواق الحرة المرتبطة بزبائن مقدار تحررهم يحدد بمقدار امتلاكهم للقيم النقدية والعينية، لم تعد الان كذلك فالامتدادات المتراكمة قد وصلت الى طريق مسدود، لم يعد ممكنا ان تدع كل شيء يمر ويعمل، لان ليس كل شيء عابر يعمل بطريقة امينة وامنة. الاسواق صارت بلاليع تشفط من يتذكر انه انسان.
لا بد من ضوابط، لا بد من اخلاقيات. الفلتان الليبرالي يغطي على لا انسانيته الاقتصادية بازدهار الحريات الفردية التي مهما علا شانها تبقى محكومة بآليات الاقتصاد الذي يمسك بتلابيبه من يحتكر الاسواق والذي سيكون قادرا ايضا على صياغة اعلام ومزاج ووقائع بمقدار حوزته على القدرة النقدية المتاحة لاستيعاب مقادير مضمونة من الأصوات، انها القيم التصويتية عالية الاحتكار في اي عملية اقتراع تقام على هامش عمليات التسوق، ومهما كانت تخر ديمقراطية ـ حيث للجميع من نفس حقوق الممارسة ولكن لكل حسب ما ملكت ايمانه.
ديمقراطية سياسية مباحة على اساس الحرية الفردية المستعبدة اقتصاديا بهيمنة الاحتكارات الكبرى ـ السلاح النفط الغاز السيارات البورصات والاوراق المالية التكنولوجيا الادوية الفضاء ـ هذه الديمقراطية تشويه عملي لمبدأ حكم الاكثرية منذ ايام افلاطون وحتى الان.
من احصائيات منظمة الغذاء العالمية هناك واحدة تقول: انه في نهاية هذا العقد سيكون عدد البشر الواقعين تحت خط الفقر قد تجاوز الـ4 مليارات انسان، واخرى تقول انه مع بداية عام 2050 سيكون عدد المسنين في العالم قد تجاوز المليار والربع.
من الواضح ان هيمنة الدول المانحة على المنظمات الاقتصادية الدولية ـ منظمة التجارة العالمية صندوق النقد الدولي البنك الدولي ـ يجعلها اكثر قدرة على معالجة المشاكل المستقبلية على حساب البلدان الفقيرة، ويستدل من الشروط المفروضة على الدول الدائنة هذا التوجه الذي يقضي على اي امكانية حقيقية لاقامة تنمية مستدامة تخلص شعوبها من الجري وراء سياسات الدول المتنفذة.
ـ الغاء الدعم الحكومي للسلع الاستراتيجية ـ الغذائية والطاقة والادوية ـ كالطحين والرز والسكر والشاي والزيت والبنزين والغاز.
ـ اعتماد سياسة الخصخصة.
ـ الغاء نظم الحماية على الصناعات المحلية او المنتجات الزراعية المحلية.
ـ رفع القيود على حركة الاستثمارات الداخلية والخارجية.
ـ الغاء اي تدخل مباشر للدولة.
ـ رفع القيود عن تعاملات البنوك وارتباطاتها بالاستثمارات السهمية العالمية.
نلاحظ ان معدلات الفقر تاخذ منحى شموليا رغم تفاوت نسبها، فهي متزايدة في البلدان العريقة فيه رغم انها ذات اقتصاديات ناهضة كالهند والبرازيل وجنوب افريقيا والصين، وهي تشهد طفرات في افريقيا والشرق الاوسط والاقصى وجنوب اميركا واوروبا الشرقية رغم انها مضللة بالخيمة الاوروبية، ويلاحظ ايضا ارتفاع نسبة الفقر داخل مجتمعات الدول المانحة ذاتها كاميركا وكندا واستراليا واغلب بلدان الاتحاد الاوروبي.
بعد ظهور اعراض الازمة المالية العالمية الاخيرة تلاحظ حالة تخبط في سياسات حكومات الدول الغنية وتراجع الكثير من الامتيازات الاجتماعية العامة في دولها نفسها والتي كانت تتغنى بها كشبكات الحماية والتامين الصحي والاجتماعي وخدمات رعاية كبار السن، في ذات الوقت الذي تتزايد فيه الانقسامات الطبقية حدة وقسوة، تراجع في الامتيازات العامة يقابله تركز في تراكم الثروة على الصعيد الخاص، وضعف قدرات الدولة الى جانب تزايد سطوة وقوة الكارتلات، حتى النقابات العمالية تراجعت عن اي مطالب تقليدية لها خوفا من تطيّر اصحاب الاعمال الكبار.
مظاهر نوعية جديدة ستشهدها حالة العالم وخاصة في المجال الاقتصادي والسكاني والهجرة والحروب المحلية بسبب النزاعات على الماء وبسبب الجفاف والتصحر وبسبب الافلاس، اغلبها ستكون محصورة في بلدان العالم الثالث والثاني، أما الاول فسيعاني هو ايضا ولكن بدرجة اقل لقدرته على تصريف ازماته على حساب العوالم الاخرى.
البلدان الفقيرة او السائرة نحو الفقر ستكون مضطرة لاعادة تقييم حالتها ولاجتراح منظومة من العلاقات التضامنية القادرة على تشكيل محور خارجي ضاغط بملامح واضحة، اما داخليا فهي مضطرة لانعاش الخطوط القطاعية الثلاثة العام والخاص والمختلط والى تعزيز الدور الاشرافي للدولة التي لا يمكنها ان تتبرأ من الفساد والتعثر والبيروقراطية فيه الا اذا انتهجت سياسة تكافوء الفرص والشفافية والرقابة القانونية كاعمدة فعلية للديمقرطية السياسية والتداول الانتخابي للسلطة واعتماد مبدأ المواطنة كوحدة معيارية فوق أي اعتبار اخر، لتكون مهيئة لعملية تجاهل دعوات وشروط وضغوط الثلاثي: البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة الدولية.
القوى السياسية والاجتماعية والثقافية الحية مطالبة عالميا بتكريس عزمها على استنهاض مسارها النضالي بالضد من الاقلية العالمية المحافظة والمستبدة والمحتكرة للثروات، احزاب اليسار والخضر والعلمانيين الديمقراطيين ومنظمات حقوق الانسان مطالبة جميعا بتكوين اوسع جبهة نضالية للالحاق الهزيمة السياسية بالليبرالية المتغولة ونظامها المسعور.
في بلداننا سيكون الامر اكثر من ملح. فالتحالف الاجتماعي بين الكادحين والمعدمين والفلاحين وشغيلة الفكر واليد وشرائح الطبقة المتوسطة غير الطفيلية مطلب لا مفر منه لانه قاعدة صلدة لاي تحالف سياسي واسع يجمع الوطنيين التقدميين والديمقراطيين واليساريين والمثقفين لاقامة نظام ديمقراطي وطني علماني تحرري مستقل يكرس طاقاته للتنمية الشاملة والاستثمار بالانسان كاثمن راسمال، فلا بديل غير هذا الطريق نحو تفادي الكوارث التي ترحلها لبلداننا دول الاحتكار العالمي، وليس كما يدعي الانهزاميون والتبع من ان بلداننا مكتوب عليها هذا القدر وما عليها الا بسلخ جلدها وتنفيذ ما يريده منها ملاك العالم الاول.
الليبرالية ستهزم في عقر دارها لانها استنفذت صلاحيتها ولم تعد قادرة على الصعود وحتما فان البديل سيكون محتويا لكل ايجابياتها ومتجاوزا لكل عثراتها، ليكون المقدس الوحيد في هذا العالم هو الانسان وحريته الحقة، عالم لا قدسية فيه ولاعبودية فيه للثروة او الملكية او الخرافة. جمال محمد تقي