خريطة طريق اميركية لكسب القلوب

واشنطن
احب لاميركا ما تحبه لبلدك

في إطار الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركيّة لكسب الحرب على الإرهاب اصدر البنتاغون وثيقة جديدة أطلق عليها اسم "خريطة الطريق للاتصالات الإستراتيجية". وتتبنى الوثيقة الجديدة مبدأ أهمية التعامل مع المعلومات والتواصل مع الآخر بصورة أكبر من التركيز على ترويج المصالح الأميركية بصورة مباشرة.
وجاء استحداث هذه الوثيقة في الوقت الذي يزيد فيه أعداء الولايات المتحدة استخدام أحدث التقنيات الحديثة لتوصيل رسائلهم لكل العالم، إضافة إلى استخدام الانترنت كوسيلة لتجنيد المزيد من الإرهابيين ولجمع الموال والتبرعات للإنفاق على خططهم الهادفة إلى إلحاق الضرر بالولايات المتحدة.
وينتظر أن تتمّ الموافقة على هذه الوثيقة في غضون الأسابيع المقبلة. ولم يكن إصدار هذه الوثيقة بالأمر السّهل على البنتاغون فقد تمّت كتابة عشر مسودّات قبل الوصول إلى الوثيقة الحاليّة. وعلى عكس الرأي القديم الذي ساد الإدارة الأميركية منذ حوادث 11 سبتمبر، تدعو الوثيقة الجديدة على ضرورة التواصل مع الأخر، وقد صرّح اللواء جين رينورت مدير التخطيط والسياسات بهيئة الأركان المسلحة الأميركية متحدّثا عن هذه الوثيقة "لقد كانت رغبتنا هي النّظر إلى عملنا، وتدريبنا، وكيفيّة تعاملنا مع مختلف الأجهزة الأميركية الأخرى، وأخيرا خلق ثقافة جديدة تركز على ضرورة فهم أن الاتصالات الإستراتيجية ليست فقط هي الحرب النفسية أو حرب المعلومات، بل هي شأنا أوسع يضم كل ما سبق". وذكر اللواء الأميركي أن الوثيقة الجديدة تعرض إستراتيجية جديدة لوزارة الدفاع الأميركية تمتد إلى 15 عاما القادمة.
وتدعو وثيقة البنتاغون الجديدة إلى اتخاذ عدّة خطوات وقد تمّ البدء بتنفيذ البعض منها. فقد تمّ تكوين لجنة تتألّف من 16 عضوا للبحث في المواضيع الهامّة المطروحة مثل كيفية التعامل المعلوماتي حول قضايا مثل قضيّة موانئ دبي أو قضية انتشار الصّواريخ البالستيّة. ولجنة أخرى شديدة الأهمية تتكوّن من أربعة أعضاء (رئيس هيئة الأركان المشتركة، ونائب وزير الدفاع للسياسات، ومساعد وزير الدفاع للشئون العامة، ومدير الاتصالات الإستراتيجية بهيئة الأركان العامة) يتولّون النّظر في كيفيّّة التّعامل مع هذه القضايا ومحاولة حلّها.
وترمي الوثيقة الجديدة إلى تحقيق أهداف البنتاغون عن طريق ثلاث مراحل أساسيّة:
المرحلة الأولى تتمثل في تحسين عمليّة التّواصل وإيصال الأفكار الأميركيّة عن طريق وسائل الإعلام. وقد دعا وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد إلى تكثيف مزيد من الجهود من الجانب الأميركي لتبليغ مقاصد أميركا وإيصال صوتها إلى الخارج. وقد قارن بين مدى استغلال ما وصفهم بالإرهابيين لوسائل الإعلام لتبليغ رسائلهم والاستغلال الأميركي لها واصفا الأخير بالهزيل. و أضاف رامسفيلد أن البنتاغون لم يتوصل بعد إلى الطّريقة المثاليّة التّي يستطيع من خلالها توظيف وسائل الإعلام توظيفا كاملا لإبلاغ مقاصده.
وحول هذا الموضوع قال مساعد وزير الدّفاع الأميركي لاري دي ريتا والذّي كان له دور هامّ في كتابة "خريطة الطريق للاتصالات الإستراتيجية" إن رامسفيلد يعتبر التواصل من المكوّنات الرّئيسيّة للقيادة مؤكّدا أن الأخير قد عقد مؤتمرات صحفيّة منذ تولّيه منصب وزير الدفاع أكثر من أي وزير سابق. وأضاف مسئول آخر يدعى فرانك ثورب أن الولايات المتحدة في حاجة إلى بذل المزيد من الجهود حتّى تتمكن من كسب حرب الأفكار ضدّ الإرهاب، وأن وزارة الدفاع قد بدأت منذ صيف عام 2004 النظر في بدائل إستراتيجية عديدة حتى تم التوصل للوثيقة الحالية.
المرحلة الثانية فتتمثل في استخدام المرونة في التعامل مع كيفية إيصال الأخبار إلى الرأي العام العالمي. ودائما ما عانت وزارة الدفاع الأميركية من جدل حقيقي بين وحدة الشئون العامة وهي التي تتعامل مع وسائل الإعلام، وبين وحدة الحرب النفسية، ومؤخرا أثير جدل كبير حول اختصاصات كلا منهما. وقد أثير هذا الموضوع عندما نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز خبرا مفاده أن أطرافا تابعة للقوات الأميركية كانت تدفع مبالغ مالية لوسائل الإعلام العراقية حتى تقوم هذه الأخيرة بنشر موضوعات وقصص يكتبها الجنود الأميركيون. مما أدى إلى بدء تحقيق من قبل وزارة الدفاع الأميركية دام عدة أشهر للتأكد من مدى تماشي هذه الممارسات مع القوانين الأميركية. وانتهى التحقيق بأنه لا يوجد أي قانون أميركي يمنع مثل هذه الممارسات.
ولكن الأمر لم ينته فقد أوضح دي ريتا انه من المهمّ استخدام المرونة في مثل هذه الحالات ولكن من الأهم أن يكون هذا الاستخدام فعّالا ونافعا لكسب حرب الأفكار ضدّ الإرهاب.
وأكد بعض المسئولين في الجيش الأميركي على ضرورة التأكد من صحة الإخبار التي يكتبها الجنود الأميركيون وعلى ضرورة نسب هذه القصص إلى الجنود. وأفاد موظف سابق بالبنتاغون أن الولايات المتحدة استخدمت نفس الوسيلة أثناء الحرب الباردة مع الشيوعيين وأنها كانت وسيلة ناجعة آنذاك. في الوقت نفسه توجد أصوات معارضة من داخل وزارة الدفاع الأميركية لهذه النهج كونه يضر بحرية الصحافة وببناء المجتمع المدني. وهناك تخوف دائم من عودة المعلومات والأخبار التي يتم بثها في الإعلام الخارجي إلى المشاهد أو القارئ الأميركي خاصة مع سهولة ذلك من الناحية التكنولوجية، ويمنع القانون الأميركي الحكومة من استخدام أساليب البروباجندا داخل الولايات المتحدة أو للتأثير على مواطنين أميركيين.
ويرى بعض مسئولي البنتاغون عدم ضرورة الالتزام بما يلتزم به الصحفيون عند نقلهم الأخبار وعرضها بطريقة مهنية محايدة، وذلك لأنهم بالأساس ليسوا صحفيين، بل هم جنود عاملين في الجيش الأميركي وعليهم استخدام معلومات حقيقية للتأثير على الأعداء وهو ما يسمى بـ"حرب المعلومات" أو "الحرب النفسية".
المرحلة الثالثة فقد اسماها احد المسئولين البارزين في الجيش الأميركي "الكائنات الغريبة" وتتلخص هذه المرحلة حسب ما وضحه هذا المسئول في إزالة كل العوائق التي من شانها أن تعرقل الجهود التي يقوم بها البنتاغون لكسب حرب الأفكار على الإرهاب. وقد قال هذا المسئول إن "عمليات المعلومات" هي من العمليات العسكرية التي تستهدف نقاط القوة الإستراتيجية لدى العدو بقصد إضعافه. ولكن هذا التعريف لا يقتصر على الجوانب العسكرية والإستراتيجية فقط في العراق بل يتعدى ذلك إلى المدنيين. وذكر المسئول انه توجد عدة صعوبات تقف في طريق عملية التواصل مما يجعل مهمة موظفي البنتاغون صعبة وشبه مستحيلة على عين المكان ولذلك فإنهم يفضلون التخطيط لعمليات المعلومات مسبقا بالبنتاغون حيث يمكنهم أن يجدوا حلولا مسبقة لكل المشاكل المنتظرة. وأفاد مسئول أخر متحدثا عن صعوبة التواصل مع الأطراف الخارجية في إطار الحرب على الإرهاب أن التخطيط لما سميّ بعمليات المعلومات يتطلب وقتا طويلا نظرا لكثرة العوائق واصفا هذه العوائق بالصخور"التي تختفي تحتها الكثير من الكائنات الغريبة". وقال دي ريتا مساعد وزير الدفاع الأميركي إن هذه السياسة التي تركز بقدر كبير على التواصل تستحق العناء لأنها تمكن الجنود من معرفة مهماتهم بدقة مما يجعل منهم عنصرا فاعلا في حرب الأفكار ضد الإرهاب. وقد أكد على انه من الضروريّ أن تتحدى هذه السياسة الصعوبات التقليدية، وان توجد حلول فعالة تسهل عملية التواصل وتجعلها نافعة. وقد أفاد انه رغم كثرة العوائق فان تجاهلها ليس من الحلول المقبولة فلابد من مواجهتها.
وحصلت صحيفة يو اس نيوز على نسخة من وثيقة "خريطة الطريق للاتصالات الإستراتيجية" التي ينتظر أن يوقعها وزير الدفاع الأميركي رونالد رامسفيلد في الأسابيع المقبلة.
وقد وضعت هذه الوثيقة جدولا زمنيا لتحقيق الأهداف التي ترمي إليها وهي على النحو التالي:
- بداية إبريل: تكوين فريق للاتصالات الإستراتيجية في وزارة الدفاع للتنسيق بين مختلف الجهات الحكومية الأميركية العاملة في هذا المجال. (تم تنفيذ هذه الخطوة كما هو مخطط لها).
- بداية يوليو: إعداد الوثيقة وتقديمها لوزير الدفاع للتوقيع عليها، وهي تعرض تفصيليا منهجية الأساليب التي يجب إتباعها لتنفيذها.
- بداية أغسطس: يصدر البنتاغون وثيقة توجيهية تحدد دور وزارة الدفاع في تنفيذ برنامج الدبلوماسية العامة التي تدار من قبل وزارة الخارجة وتشرف عليها السيدة كارين هيوز.
- بداية سبتمبر: إصدار الوثيقة النهائية وتشتمل في هذه المرحلة على المبادئ العامة، وأساليب التدريب، ومصادر التمويل، وإدخالها حيز التنفيذ. (تقرير واشنطن)