خريجو الموصل: مستقبل في مهب الريح

الموصل
شهادة.. نعم. عمل.. لا!

تقول إيمان عبد الكريم وهي طالبة أنهت الدراسة الجامعية في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة الموصل أنها حضرت اختبارا للمتقدمين على درجة وظيفية في كليتها التي أنهت دراستها فيها العام المنصرم وبلغ عدد الممتحنين لهذه الدرجة الوظيفية واحدة ما يزيد على 350 متقدما وتجد فرصتها ضعيفة بنجاحها واختيارها لهذه الدرجة مضيفة بان أصحاب "الواسطات" أقرب الى هذه الدرجة وفرصتهم اكبر.
وفضل خريج من كلية القانون وظيفة بعقد مؤقت في كلية داخل جامعة الموصل وبصفة "منظف" من اجل أن يوفر لقمة عيش لعائلته وبعد أكثر من سنتين من عمل بعقد شهري تحقق حلمه وعينته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبدرجة إدارة بعيدة عن اختصاصه القانوني، وينظر إليه زملاؤه انه على الأقل وجد فرصة تعيين وليس المهم ماذا يعمل.
هناك في مركز مدينة الموصل وفي أشهر أسواقها، باب الطوب، يقف كثير من الخريجين الجامعيين أمام "بسطيات" لبيع الخضراوات والفاكهة وأزالوا من ذاكرتهم التفكير في فرصة وظيفة عند الحكومة، واكتفوا بالعمل في القطاع الخاص وهم مهددون بتوقف عملهم، يوما تقرر الحكومة منع تجول ويوما آخر انفجار بالقرب منهم يتم على أثره اعتقالات عشوائية بالمنطقة وبالتالي فان رزقهم في ذلك اليوم ينقطع ويعودوا الى بيوتهم دون وارد مالي يومي.
ويوم أعلنت وزارة التربية التقديم لملئ الدرجات الشاغرة في مدارسها، وصل عدد المتقدمين من خريجي جامعة الموصل للسنوات العشر الأخيرة ما يزيد على العشرين ألفا متقدم لتعلن التربية قبول الفين واربعمائة وخمسن طلبا وفقد آلاف الخريجين فرصة التعيين بعد أن أشار عشرات منهم على القبول للتعيين بأنها كانت طائفية بحتة ومن قدم ورقة زكية من حزب ما فان فرصته تضاعفت بالقبول والباقي عادوا الى عملهم في القطاع الخاص المهدد يوميا بالتوقف.
يقول عدد من الخريجين أنهم يسمعون بالتقديم الى درجات وظيفية عند الحكومة وعندما يستعلمون عن ماهية الوظيفة يجدونها بعيدة عن اختصاصهم، فمديرية ماء نينوى قامت مؤخرا بتعيين موظفين ولكن بدرجة مشغل محطة أو حارس فهل من المعقول أن يشغل الوظيفة خريج كلية هندسة أو قانون أو آداب، حتى هذه الوظائف فان عدد المتقدمين زاد على العشرة آلاف متقدم وكان المطلوب مايقرب من 340 درجة وظيفة!
ويشير خريجون الى أن وظائف يحتكرها المسئولون وأصحاب النفوذ، فمثلا رئيس قسم في دائرة بالموصل عين ابنته و"كنته" بوظيفة بصيغة عقد ومن ثم وظيفة دائمية في نفس الوقت لا يعلن القسم عن حاجته لدرجات وظيفية، وفضل محافظ نينوى إرسال ابنه للدراسة في أمريكا ليبعده عن شبح البطالة وانتظار وظيفة، وكانت بلدية الموصل قد وافقت على طلبات قبول تعيين كعقد مؤقت ولكن بدرجة منظفين وعمال ولم يكن هناك فرصة لتعيين مهندسين أو قانونيين أو محاسبين وحتى إداريين من خريجي جامعة الموصل أو جامعات أخرى.
خريجات جامعة الموصل يبحثن عن وظائف شاغرة. ففي تربية نينوى هناك ضوء في نهاية نفق التعيينات لخريجات كلية التربية، ومن لها حظ وافر تجد اسمها في قائمة المقبولين وكانت أم هاجر وهي خريجة من كلية التربية قسم الجغرافية قدمت أكثر من مرة للتعيين في تربية نينوى ولم تكن لها أية فرصة للقبول ولا تعرف السبب!
متى يجد الخريج الجامعي الموصلي فرصته في الفوز بوظيفة تؤمن له مستقبلا جيدا ويحقق أحلامه الوردية وحتى بأي لون آخر؟ كثير من الخريجين بحثوا عن وظيفة وعمل خارج أسوار الوطن الغالي وحزموا حقائبهم وما أدخروه من مال وشدوا الرحال الى سوريا أو مصر أو لبنان وانتهت بهم القصة الى حزم حقائبهم من جديد والعودة الى الوطن الأم، فتجربة العمل في الدول العربية تحتاج الى أكثر من حظ على حد تعبير كثير من الخريجين فأجور السكن مرتفعة ولقمة العيش صعبة الحصول عليها وأرباب العمل في الدول العربية لايدفعون جيدا مقابل عمل يمتد لساعات طويلة. زميل يعمل مصورا وهو خريج من معهد الفنون الجميلة سافر الى مصر بحثا عن فرصة عمل إعلامية انتهى به المطاف للعمل في مقهى للانترنت من الساعة الثانية عشر ليلا حتى السابعة صباحا ويقول: ضاعت أحلامي بالعمل في قناة فضائية.
ولا يزال أبو زيد يعمل في مكتب للصيرفة وبعد تخرجه من كلية الهندسة بحث عن وظيفة وانتظرها لأكثر من سبعة عشر عاما وانتقل في أعمال تنوعت بين محل للمواد الغذائية والعمل بالصرافة ليستقر أخيرا في مكتب للصيرفة والتعامل بالعملة الصعبة ويقول انه لن يبحث عن وظيفة عند الدولة وربما نسيت الخريج الجامعي واكتفت بتعيين الأصدقاء والأقرباء وأصحاب الواسطات. وداخل مكتب الصيرفة يعمل معه أقرباء له، فأخوه خريج جامعة الموصل كلية التربية وقريب له يدير أعمال البيع والشراء تخرج من جامعة الموصل قبل أكثر من خمس سنوات.
وبحثا عن وظيفة تزداد قصص الخريجين، ولا تتناسب نسبة خريجي الجامعة مع الوظائف المعلنة فاكتفى كثير من الخريجين بملىء استمارات أعدت خصيصا لطبقة أصبحت مشهورة في العراق وهي طبقة العاطلين عن العمل الذي ازداد عددهم بعد آخر ومنهم من يمزح ويقول "لنؤسس جمعية نسميها جمعية العاطلين عن العمل." ومن خلال خطط حكومية سميت بتشغيل العاطلين بملئ استمارات معينة وإكمال مستمسكات مهمة ومراجعة دوائر توفر الحكومة لهم عبر دائرة الرعاية الاجتماعية رواتب شهرية وفق معادلة محسوبة لاعتبارات معينة لكل خريج أو عاطل عن العمل، وتوقفت الآن للخريجين، ومن جديد يعود أو يبقى الخريجون عاطلين عن العمل.
وتزداد المشاكل داخل العائلة الموصلية وفي كل بيت هناك خريج جامعي وربما أكثر ويطالب رب الأسرة من ابنه الخريج من إيجاد عمل أو وظيفة ويعجز الخريج عن توفيرها لتبدأ مشاكل عديدة في الأسرة ،و بالتالي تنعكس سلبا على المجتمع الموصلي.
البطالة تحقق نجاحا متصاعدا في حياة خريج جامعة الموصل وحتى الجامعات العراقية الأخرى، وتتضاءل فرصة إيجاد وظيفة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تضرب حياة العائلة الموصلية والتي لا تمنح للخريج الاستقرار وهو مطالب يوميا بالعمل ليرضى بأية فرصة عمل داخل محل للحلاقة أو سائق لمركبة أجرة أو الدخول في مشاريع تجارية صغيرة تنتهي بالخسارة بسبب عدم استقرار السوق التجارية، أما إكمال نصف دينهم والبحث عن شريكة الحياة والزواج والاستقرار فان كثير من الخريجين يقولون: نتزوج ... بس بالمشمش!