خرافة الأدب الأوربي (5)

هوية ثقافية غربية

سبق أن أوضحت أن نظرية "إرنست روبرت كورتيوس" تقوم أساسا على نظرية الأنماط الأولية عند كارل جوستاف يونج، إلا أن المشكلة بالنسبة لكل من نظرية التحليل النفسي لـ سيجموند فرويد ونظرية علم النفس التحليلي عند كارل جوستاف يونج، أنهما يصدران عن فرضية رئيسة مفادها أن الماضي يحكم الحاضر، وإن كان ثمة فارق هام بينهما: ففي حالة فرويد نجد أن العلاقة بين الماضي والحاضر سببية، قابلة لأن تعقل، أما في حالة يونج، فهى لا تخضع لعقل أو حساب، إذ تنطوي على ضرب من الصوفية والرمزية الجماعية.

على أن كلا من نظريتي فرويد ويونج، يقوم على بحث حالات علاجية أغلبها مرضى. أما علاج مثل هذه الحالات فيرتكز على ضرورة تحويل العلاقة العصابية، أو الذهانية أحيانا بالنسبة للواقع من ماض يحكم الحاضر نفسيا إلى حاضر يتخلص من هيمنة الماضي عليه (إما باعتبار ذلك الماضي تجربة مكبوتة عند فرويد، أو افتقارا إلى الوعي بالأنيما (أي إضفاء الحياة الروحية على المخلفات العتيقة والآثار البائدة وما يتصل بها من أنماط أولية عند يونج).

إن نظرية الأدب الأوربي كما وضعها إرنست روبرت كورتيوس تقوم على ماض لا يخضع للحساب، وإنما يصدر عن محض أساطير يرى أنها تثري وتوحد ما يدعوه الحضارة الغربية. فهو يرى أن مثل هذا الزخم المتمثل في خرافات العصور الوسطى اللاتينية كفيل بأن يحقق التماسك والتعاضد بين الأوربيين، وأن يميزهم عن غيرهم من الشعوب، ومن ثم يمنحهم هوية خاصة بهم لا شريك لهم فيها.

وهنا أتساءل: أليس هذا المسعى هو الذي "يكفل" للأوربيين على وجه التحديد ريفية من نوع جديد، ومن ثم يحيلهم إلى ضرب من جنون العظمة على النحو الذي تفضي إليه العديد من الأساطير الاجتماعية مثل النزعة الذكورية، والمواقف الاستعلائية .. الخ؟

ومع ذلك فمن حسن الطالع أن الأمر لم يبلغ بعد هذا الحد من الريفية على مستوى السياسة الدولية، إذ نجد، على سبيل المثال، مشروعا للتعاون الأوربي المتوسطي يدعى فى صورته المختصرة "يورو ميد"، وهو معني بالتعاون الثقافي بين شعوب جنوبي أوربا وشمالى أفريقيا وتلك الواقعة على الضفاف الجنوبية للبحر المتوسط في قارة آسيا.

على أنه مع كل ما يشوب نظرية إرنست روبرت كورتيوس من قصور واضح للعيان، إلا أنها ليست خلوا تماما من بعض النظرات الصائبة. فقد كان صاحبها - على سبيل المثال - محقا حين أعرب في كتابه "الأدب الأوربي والعصور الوسطى اللاتينية" عن أسفه الشديد لسمة التشظي التي سادت دراسات مختلف الآداب الأوربية في الجامعات الغربية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ذلك التشظي الذي لا يلبث أن يفضي إلى افتقاد أي معنى أو دلالة تتسم بأي اتساق.

ومع ذلك فلا أعتقد أنه كان على حق عندما حاول أن يعثر على ما دعاه "مواضع مشتركة" تعلو على الزمان والمكان (أي على السياقات الثقافية الاجتماعية بما يتميز به كل منها من خصوصية) في تغلغلها في الآداب الغربية من أوفيد وفرجيل، إلى دانتي وديديرو، وذلك بما حاول أن يثبت به وجود ثمة وحدة تجمع بين تلك الآداب وتجعلها متميزة على سواها من خلال "أوربيتها". وإلا فليقل لنا – تأسيسا على منطقه هذا - كيف كان انبهار جوته بـ حافظ الشيرازي، معبرا عن ظاهرة "أوربية" وليست فارسية؟

أو كيف لنا أن نحكم على "قصة الليلة الثانية والسبعين بعد الستمائة" التي حاكها هوجو فون هوفمنستال على غرار ألف ليلة وليلة؟ أكانت هذه كلها متحدة على نحو صوفي بالشعر الفارسي والليالي الشرقية أم أن أصحابها كانوا أدباء ألمان ونمسويين يعبرون عن سياقات تاريخية خاصة بكل منهم في المقام الأول؟

وإنى لأحدد هنا عن قصد: كتاب ألمان ونمسويين، إذ أن هوفمنستال لن يلبث أن يتلوع ألما في قبره لو علم أن أحدا أطلق عليه صفة "كاتب ألماني"، مع أنه كان يكتب بالألمانية!

والأمر نفسه ينطبق على كثرة من أدباء أميركا اللاتينية الذين يؤلفون بالإسبانية والبرتغالية، فهم لا يحتملون مجرد أن يوحد بين أعمالهم وآداب شبه الجزيرة الإيبيرية. فعندما التقيت بالأديب البرازيلي والعالم الأنثروبولوجي الشهير دارسي ريبيرو في ريو دى جانيرو عام 1993 (وقد رحل عنا بعد ذلك بثلاثة أعوام في 1996) كان حريصا على أن يقوي لي: "لا يمكن أن تطبق محكات أوربا وأمريكا الشمالية على ثقافات ومجتمعات أمريكا اللاتينية".

أما الشاعر والناقد الكوبي الذائع الصيت روبرتو فيرنانديس ريتامار فقد سبق ذلك بأن كتب في عام 1975 قائلا إن المحكات الأوربية، سواء كانت يسارية أم يمينية، لا تصلح للحكم على آداب أميركا اللاتينية:

فهي جميعا، بما في ذلك أدوات ومفاهيم الشكليين الروس، والأسلوبيين الأسبان، وأصحاب النقد الجديد في أميركا الشمالية، وبارت وتلامذته، وعلى التتابع كل من لوكاتش، وكودويل وبرخت، قد تمخضت جميعها عن ممارسات أدبية محددة. ومن المؤكد بالطبع أن كثيرا من هذه المفاهيم له مصداقية تتجاوز ممارستها بكثير، ولكنه من المؤكد أيضا (...) أنها تتناسب مباشرة مع الأصول التي عنها انبثقت (هذه المفاهيم).

ولعل بيانا كهذا خليق بأن يبعث فينا الدهشة، خاصة وأن رينيه فيلك، الممثل الرئيس للمدرسة الأميركية في الأدب المقارن، يعتبر أدب أميركا اللاتينية جزءا لا يتجزأ مما يدعوه "الأدب الأوربي"، متأثرا في نظرته (الفيلولوجية) هذه بكل من نظريتي "إرنست روبرت كورتيوس" و"إيريخ آورباخ".

لنا – إذا - أن نخلص في المقابل إلى أن مجرد الاشتراك في لغة من اللغات لا يعني بالضرورة مشاركة في الهوية نفسها، بل ولا حتى في محكات الحكم على إبداعات أدبية نابعة من سياقات جد مختلفة ثقافيا واجتماعيا، خاصة حين يبعد بعضها عن البعض الآخر بمثل ما تبعد به أميركا اللاتينية عن إسبانيا والبرتغال.

ولعله مما يستحق التأمل في هذا المجال أن نلقي نظرة فاحصة على العلاقة بين الأدب الآيرلندي الناطق بالانجليزية، وأدب المستعمر الانجليزي لآيرلنده؟ فهل كان الأول مجرد "تنويعة" بالنسبة للثاني؟! أم أنه علينا أن نعي بدقة أن الأول هو أدب المستعمَر (بفتح الميم) سابقا، بينما الثاني هو أدب المستعمِر (بكسر الميم)؟

مع ذلك كله، وعلى النقيض من كل ما أتينا به من آراء تحث على الوعى بخصوصية الأدب البرازيلي في مقابل البرتغالي، والآيرلندي في مقابل الانجليزي، فالبعض يرى أن مجرد التأليف بإحدى اللغات الأوربية يعتبر كافيا - في حد ذاته - كي يضم لما يدعى "الأدب الأوربي". من ذلك أنه قد صدر باللغة الفرنسية في عام 1993، في سلسلة "آشيت" التثقيفية، كتاب مهول الحجم في 1025 صفحة يحمل العنوان التالي: تاريخ الأدب الأوربي.

وقد نجح محررا هذا الكتاب: بنوا – دسوسوا، و"جي فونتين" في أن يستكتبا مائة وخمسين أديبا يؤلفون بلغات أوربية، وإن كانوا ينتمون لقارات عديدة (بعضها يبلغ من الاختلاف والبعد عن بعضه الآخر كبعد الهند عن انجلترا، والمغرب الأقصى وغانا عن فرنسا والبرتغال)، بينما يدعي محررا الكتاب أنهما ليسا من أنصار المركزية الأوربية مع أنهما يسعيان لإثبات "مصداقية" فكرة الأدب الأوربي.

وهكذا فإن محرري هذا الكتاب يعتقدان أنهما قد تمكنا من تجنب المركزية الأوربية من خلال تنظيمهما لهذه التظاهرة الدولية لصالح ما يعتقدان أنه "هوية ثقافية غربية"! وتقوم هذه الفرضية اللغوية على استخدام اللغات المنتشرة في أوربا (وهنا لا أدري – مثلا - إذا ما كانت اللغة الآيرلندية تعد واحدة منها، خاصة وأنه لم يرد لها أي ذكر في هذا الكتاب!) على ما يدعوه المحرران تراثا إغريقيا رومانيا مشتركا بين جميع الأوربيين، فضلا عما يجمعهم من إرث يهودي – مسيحي وأوربي شمالي مشترك.

إلا أننا ما أن نتفحص الحجة الأولى التي تحيل إلى الإرث الإغريقي الروماني، حتى نحيل أصحابها إلى كتاب مارتن برنال: أثينا السوداء (1987) الذي يوضح أن كلا الثقافتين الإغريقية والرومانية طالما دانا بالفضل لمصر القديمة وحضارة ما بين النهرين.

ومع ذلك فإني لا أتردد في تطبيق المحكات التي أعملتها فيما سبق على ما توصل إليه برنال نفسه من نتائج بالمثل. فبغض النظر عن كم "ما استعاره" الإغريق والرومان عن مصر القديمة، إلا أنه مما لا شك فيه أنهما قاما (في خضم عملية التثاقف هذه) بتغيير وتعديل ما استعاروه صدورا عن اختلاف حاجاتهم الاجتماعية الثقافية. ومن هنا فليست الثقافة المرسِلة (بكسر السين) هي مربط الفرس، وإنما الثقافة المستقبِلة (بكسر الباء). لذلك فتوجهي البحثي إنما يمضي على العكس من ذاك الذي تتبناه المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن (مدرسة التأثر والتأثير).

إذا ما عدنا للكتاب الفرنسي المشار إليه من قبل، وهو الذي حرره آنيك دوساسوا وجي فونتين، لوجدنا أنهما يعتقدان أن ما يدعوانه "أدبا أوربيا" يحقق انفتاحا على العالم أجمع، طالما أن كتَابا بحجم بورغس، وبن جلون، ونيبول، وكاربنتييه ينتمون إليه، ولولم يكونوا هم أنفسهم من الأوربيين، إذ يكفى أنهم يكتبون بلغات أوربية.

ولعل ذلك يذكرنا بقصة الويسكي الآيرلندي في الولايات المتحدة الأميركية. فطالما أقبل الأمريكيون على الويسكي الآيرلندي إلى أن حجب تناول المشروبات الكحولية هناك في العقد الثاني من القرن العشرين. وعندما رفع هذا المنع كان الآيرلنديون منشغلين بحرب استقلالهم عن بريطانيا، مما جعل تجار الويسكي الاسكوتلندي يستغلون هذه الفرصة ليحتلوا مكان الويسكي الآيرلندي في السوق الأميركية. وحتى يروجوا لسلعتهم أعلنوا عن استعدادهم لأن يدفعوا فلسا واحدا عن كل كلمة "سكوتش"، أو "اسكوتلاندي" ترد في كتابات أي من الكتاب.

وبغض النظر عن السياق الذي تجىء فيه، مما عجل بفقد الويسكي الآيرلندي لسوقه الأميركية على الرغم من أنه أعتق بكثير من الاسكوتلندي، كما أنه يخضع للتكرير مرات ثلاث. أما بعد أن حقق تجار الويسكي الاسكتلاندي غايتهم، فلا بأس من أن "يقروا" بما لنظيره الآيرلندي من "قيمة" عالية، فهو "أيضا" نوع من الويسكي، ولا غضاضة في أن يعرض – هو الآخر- إلى جانب الاسكوتلندي!

وإن ذلك لشبيه بقصة المنسوجات الهندية المصنوعة من القطن والحرير، فقد كان الإقبال عليها في بريطانيا كبيرا إلى أن احتلت انجلترا الهند. عندئذ قام المستعمر البريطاني بتحطيم صناعة النسيج الهندية، وإجبار المستهلكين الهنود على شراء المنتجات البريطانية. أما بعد أن فقدت المنسوجات الهندية المصنوعة من الحرير والقطن سمعتها وصارت نسيا منسيا، فلا بأس من الاعتراف بتأثر هرمان هسه بالروحانية الهندية، أو آرتو بالمسرح الشامل في إندونسيا، طالما أن "الحضارة" الغربية صارت مهيمنة على العالم بأسره.