خبير يمني: الاقتصاد اليمني في خطر لاعتماده على النفط وحده

صنعاء
النفط اصبح المصدر الرئيسي للدخل في اليمن

حذر خبير اقتصادي يمني من حالة الانكشاف المتزايدة للاقتصاد اليمني تجاه الخارج, وارتباطه بسلعة واحدة هي المصدر الأساس للنقد الأجنبي، وهي النفط.
واعتبر الدكتور عبد الكريم عامر الخبير اليمني البارز أن اعتماد اقتصاد البلاد بشكل واسع على تصدير النفط, في ظل عدم نمو باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى, من شأنه أن يؤثر على النمو الاقتصادي وعلى الوضع الاجتماعي في البلاد, بسبب التقلب الذي تعرفه أثمان هذه البضاعة في السوق الدولي, وبسبب كونها بضاعة ناضبة خلال مدى زمني قصير.
لكن الخبير اليمني أبدى تفاؤله بالخطة الخمسية الثانية 2001 - 2005, معتبرا أنها مثلت خطوة هامة نحو رسم صورة للتطورات المحتملة للاقتصاد اليمني خلال الربع قرن القادم, مؤكدا أن بلاده تملك الموارد المادية والبشرية والموقع الجغرافي المميز, الأمر الذي من شأنه أن يؤهلها لتكون في مصاف الدول متوسطة الدخل, متوسطة التنمية البشرية, وأن يقترن ذلك بتقدم علمي وتنوع اقتصادي وتطور اجتماعي.
وفي حين استحسن الدكتور عامر كون اليمن تعتمد سياسة تخطيطية مرنة, متجنبة سياسة التخطيط الشمولي, التي تجعل الدولة مهيمنة على الاقتصاد, لاحظ أن بلاده تعد من الدول الأفقر في العالم من حيث الدخل الفردي وتوفر البنية التحتية والخدمات الضرورية للمواطنين, مؤكدا أن البلاد تهدر فرصا كبيرة للنمو, وأن سياستها الاقتصادية, وتعويلها على النفط, من دون كثير اهتمام بباقي القطاعات الإنتاجية ستكون له عواقب وخيمة على أكثر من صعيد.
واعتبر الدكتور عامر إن التخلف ليس قدراً لأي شعب أو دولة أو مجتمع، فهناك كثير من الدول, التي كانت تصنف بالأمس في إطار الدول المتخلفة, صارت اليوم ضمن مجموعة الدول الصناعية الحديثة, التي لحقت بركب الدول المتقدمة، مشددا على أهمية الإرادة والتخطيط وحسن الاستفادة من الفرص والإمكانيات البشرية والمادية.
وأضاف أن "قضية التخلف والتنمية نسبية, فالدول التي تتقاعس وتهدر إمكاناتها ومواردها, وتجهض طاقات النمو والانطلاق فيها, بالتأكيد ستبقى في إطار الدول المتخلفة, وتلك التي تشحذ الهمم, وتعبئ طاقاتها وتوجهها إلى النمو الكفء, الذي يحقق لها الانطلاق.. كفيل ذلك بأن ينقلها إلى مصاف الدول المتقدمة، وهذا ينطبق على اليمن كما ينطبق على غيرها".
وأكد الدكتور عامر, وهو رئيس سابق لقسم الاقتصاد بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة صنعاء, ورئيس سابق للبنك الصناعي اليمني, على أهمية التخطيط التأشيري في الاقتصاد, لكونه يضمن تنسيق مجمل السياسات الاقتصادية, "بما يلبي غايات التنمية المستدامة, وبما يحقق التوازن الكلي, وبما يكفل حداً أدنى من العدالة الاجتماعية", من دون أن "ينصرف ذلك إلى التدخل في آليات النشاط الاقتصادي استثماراً أو إنتاجاً أو تجارة," والاكتفاء مقابل ذلك بـ"تبنى آليات التحفيز, تشريعية كانت أو مؤسسية, أو كانت مزايا ومنافع, تمنح لأنشطة استثمارية معينة, أو أنماطاً إنتاجية محددة, أو مواقع جغرافية مرغوبة".

ضعف النمو الاقتصادي
واعترف الخبير اليمني بعدم تحقيق الخطة الخمسية الأولى في اليمن (1996 - 2000) لنسب النمو التي راهنت على تحقيقها. وقال "بإيجاز شديد إذا أخذنا أهدافها الرئيسية, التي كانت تتمثل في تحقيق متوسط نمو لإجمالي الناتج المحلي يصل إلى 6.2 في المائة, فهذا لم يتحقق, وما تحقق كان دون ذلك".
وقال "إذا أخذنا مجمل المؤشرات والموازين الاقتصادية الجزئية نجد أولاً أن الاقتصاد اليمني لا يزال حتى الآن معتمداً اعتماداً كلياً على إنتاج وتصدير النفط الخام, رغم محدودية حجم إنتاجه وتصديره، إذ إن حجم الإنتاج, الذي لا يتجاوز في متوسطه 400 ألف برميل يومياً مسؤول عن تحقيق ما لا يقل عن 95 في المائة من إجمالي صادرات الجمهورية, وهو مصدر للتحويلات الرأسمالية, وحركة تدفق النقد الأجنبي, في ميزان المدفوعات, بمعنى أنه لا يقل عن 70 إلى 80 في المائة من ميزان المدفوعات".
وأكد أن الموازنة العامة تعتمد في مجال إيراداتها على الفوائد النفطية بشكل أساسي, سواءً صادراتها إلى الخارج, أو مبيعاتها الداخلية. وقال إن "النفط يغذي الخزينة العامة بما لا يقل عن 76 في المائة من إجمالي الإيرادات العامة, وكنتاج لذلك يمكننا القول إنه يعد المصدر الرئيس لكسب النقد الأجنبي في الاقتصاد اليمني, وتكوين احتياطاته".
وشدد الباحث عامر على "أهمية هذا الوضع وخطورته في نفس الوقت", وقال إن "معدل انكشاف الاقتصاد اليمني على العالم الخارجي قد ارتفع إلى ما يقارب 90 في المائة", وأضاف "أن الاقتصاد اليمني أصبح أكثر ارتباطاً بالعالم الخارجي، وبالتالي أكثر حساسية لأي اضطرابات خارجية, من خلال اعتماده شبه التام على مورد النفط الخام, في مجمل النشاط الاقتصادي استثماراً وإنتاجاً وتجارة".
وأبدى الخبير اليمني قلقه لكون "القطاعات الاقتصادية الأخرى تعاني من تعثر كبير وحقيقي، فالقطاع الزراعي لم يعد يساهم بأكثر من 13 في المائة من إجمالي الناتج المحلي, والقطاع الصناعي تراجعت نسبة مساهمته من 11 في المائة في منتصف التسعينيات إلى ما يقارب 7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الآن، أما قطاع الأسماك والسياحة وغيرها من الخدمات فلا تزال مساهمتها غاية في التدني, ولا تمثل رقماً يذكر في توليد الناتج المحلي الإجمالي".

اختلال مالي
وسجل الباحث حصول اختلالات مالية, من قبيل حصول ضعف كبير للريال اليمني مقابل الدولار. وقال "إذا استوعبنا ما أشرنا إليه في البنيان الإنتاجي والاقتصادي في اليمن, لن نستغرب وجود هذه الاختلالات السعرية, أو اختلالات سعر الصرف, لأن اقتصادنا يعتمد على مورد إنتاجي واحد، وهذا المورد محدود, وقابل للنفاد, في حدود سنوات قليلة قادمة، مما يعني أن قدرات التنوع الإنتاجي والاقتصادي في اليمن معدومة, وانعدامها يعرضها لاختلالات دورية بين حين وآخر, وهي مرهونة بطبيعة التقلبات الاقتصادية الخارجية".
وأرجع ضعف الريال أمام الدولار إلى الاختلال الحاصل بين العرض والطلب للنقد الأجنبي, مؤكدا أن العرض مرهون بـ"العوائد النفطية بدرجة رئيسة، بينما مقومات الطلب عليها وعناصره كثيرة ومتنوعة, سواءً بحكم التزايد السكاني المرتفع سنة بعد أخرى، خاصة أن الحجم السكاني في اليمن أخذ حجماً نسبياً كبيراً قارب 20 مليون, وينمو بمعدل سنوي قوامه 3.5 في المائة".
وقال إن "الطلب على النقد الأجنبي يميل دوماً إلى التزايد المستمر, بينما تغذية وتلبية هذا الطلب محدودة جداً.. وإذا كان الأمر على هذا النحو فالفجوة ماثلة في سوق النقد الأجنبي, عندما يزيد الطلب على العرض، وبالتالي يميل سعر الصرف إلى التغير لصالح النقد الأجنبي, وعلى حساب العملة الوطنية".
وقال "في هذا السياق لا غرابة إن قفز سعر الصرف من المستويات, التي كان عليها سابقاً, والتي لم تكن تتجاوز 127 ريالاً للدولار, في عامي 1996 - 1997 إلى 173 ريالاً حاليا، كما أن التوقعات بتصاعده التدريجي حتى يقارب الـ200 ريال للدولار بحلول العام 2005 يمكننا القول إنها توقعات مبررة ومنطقية وواقعية في إطار البنية الاقتصادية اليمنية".
وفي حين سجل نجاح الحكومة اليمنية في كبح جماح التضخم في الأعوام الماضية, "منذ الأعوام 1996 - 1997 وما تلاها, والذي وصل في بعض السنوات إلى 5 في المائة, قياساً بالمعدلات الرهيبة, التي كان عليها قبل بدء العمل ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري, واتباع سياسات التثبيت الاقتصادي"، لكنه قال إن التضخم بدأ يتحرك في الآونة الأخيرة تصاعدياً ليتجاوز 5 في المائة, بل و8 في المائة, محذرا من أن يصبح الرقم مزدوجاً.
وقال "إذا حدث ذلك فلا غرابة, لأن أداء الاقتصاد اليمني منذ عام 1995 لم يحقق نمواً كما كان يرتجا, ولم يتحقق له انتعاش اقتصادي كبير, ولا طفرة استثمارية وإنتاجية ملموسة, في الوقت الذي تنمو فيه عوامل الطلب الاستهلاكي بنمو السكان, وتزيد بزيادة احتياجاتهم، وخاصة في ظل سياسات التحرر الاقتصادي".
وانتقد الخبير اليمني عدم تمثل شعار ترشيد الإنفاق العام. وقال إن ذلك "يذكر في استهلالات البيانات المالية واللوائح والقرارات المالية, ولكن لا يجسد, ولا يتم تمثله عملياً", مسجلا أن "الإنفاق الفعلي يميل إلى الإسراف في النفقات العامة, وخصوصاً النفقات الترفيهية".

خطة خمسية تدفع للتفاؤل
وبالرغم من طابع القلق الذي ميز أجوبته بشأن وضع الاقتصاد اليمني, أكد الخبير عامر أن الخطة الخمسية 2001 - 2005 فيها أشياء إيجابية جديرة بالإشارة, منها أنها "تضمنت ما يعرف بالرؤية المستقبلية لليمن, لربع القرن القادم 2025".
وقال "هذه الرؤية بحق كانت تمثل معالجة لقصور خطير عانته اليمن طيلة السنوات الماضية, سواء مرحلة التشطير أو ما بعد تحقيق الوحدة المباركة".
وأضاف أن هذه الاستراتيجية شخصت الوضع الاقتصادي والاجتماعي الراهن لليمن, وحددت مجمل التحديات الداخلية والخارجية, التي يعانيها, سواء ما كان طبيعياً أو بشرياً. وفي نفس الوقت أبرزت عناصر النمو المتمثلة في الارتقاء بالعنصر البشري كأساس للتنمية.
واعتبر أن من إيجابيات الخطة الخمسية الحالية "الاهتمام بتعبئة الموارد والطاقات الطبيعية والبشرية, وتسخيرها لخدمة أغراض النمو الشامل والمستدام"، وتحديدها "القطاعات الواعدة, التي يمكن أن تخدم هذه النقلة الاقتصادية والاجتماعية المرجوة, التي ترتقي باليمن من صفوف الدول الأكثر فقراً والأقل نمواً في العالم, إلى مصاف الدول متوسطة الدخل, متوسطة التنمية البشرية".
وقال إن بلاده تملك مقومات النمو متاحة. وأضاف أن "هذا ما يعطي الأمل والتفاؤل والصورة المشرقة مستقبلاً", مؤكدا أن "الإشكالية تكمن في أن الإدارة الاقتصادية غير كفؤة وغير قادرة لا على استيعاب الأوضاع والتطورات والمجريات الاقتصادية، ولا على قيادتها وتوجيهها, بما يحقق توازناً اقتصادياً كلياً, ونمواً اقتصادياً واجتماعياً مستداما. (ق.ب)