خبر... وحذر: في الضغط الأميركي على السعودية وإيران معا

بقلم: معن بشور

ليس في سجل الإدارة الأميركية منذ عقود ما يوفر المصداقية لاتهامات هذه الإدارة دول وقيادات في منطقتنا، ولعل في اعتذار كولن باول وزير خارجية بوش الابن عن "عدم صدق" مرافعته الشهيرة في مجلس الأمن، وعن أدلته "الدامغة" بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل ما يؤكد هذا الانطباع.

كما أن أحداً لم يقدّم حتى الآن تفسيراً وحيداً مقنعاً يبرر انزلاق إيران إلى ارتكاب حماقة سياسية ودبلوماسية وأمنية كحماقة اغتيال سفير السعودية في الولايات المتحدة الأميركية بكل ما يمكن أن تطلقه هذه العملية من تداعيات على إيران، كما على المنطقة كلها.

ومن تابع العديد من وسائل الإعلام الأميركية، التقليدي منها والجديد، لاحظ حجم الاستخفاف والاستهتار والاستهزاء بالرواية الرسمية الأميركية التي تذكّر معها أبناء جيلنا رواية صهيونية عن محاولة ادعت تل أبيب أن فلسطينياً قام بها لاغتيال السفير الصهيوني في لندن والتي كانت مبرراً لشن الغزو الصهيوني عام 1982 ضد لبنان، والذي أدى إلى احتلال ثلث بلدنا وبما فيها العاصمة بيروت.

فلماذا تلجأ إذن الإدارة الأميركية إلى هذه الرواية التي يحرص الرئيس الأميركي أوباما نفسه على تأكيد صحتها، وعلى أن لديه من الأدلّة ما هو كافٍ لإثباتها، وتبني الإدارة الأميركية لها، وهي أدلة نأمل أن لا تكون كأدلة سابقة استخدمتها الإدارة الأميركية نفسها لشن حروب، أو إطلاق مغامرات عسكرية.

البعض يظن أن هذه الرواية أتت لتضغط على إيران والمملكة العربية السعودية في آن معاً. تضغط على إيران لتمرير مشروع بقاء ألاف العسكريين الأميركيين في العراق كمدربين يتمتعون بحصانة تمنع ملاحقتهم إذا ما ارتكبوا جرائم. كما تضغط أيضاً على إيران من أجل وقف مساندتها لسوريا في مواجهة الأزمة المفروضة عليها، والتي تطمح واشنطن إلى تحويلها إلى احتراب أهلي، وفوضى كاملة، وسند لتدخل خارجي يلحق سوريا بمصير مماثل لمصير العراق وليبيا ولبنان والسودان.

أما الضغط على السعودية فيفسّره بعض العالمين ببواطن الأمور هو انزعاج الإدارة الأميركية من تردّد العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز في التنفيذ الفوري لإملاءات أميركية، لاسيّما في المجال الاقتصادي، حيث لا ينفك كبار المسؤولين الماليين السعوديين عن الإعلان بأن بلادهم قامت بكل ما عليها من "واجبات" لدعم الاقتصاد العالمي، أو في المجال النفطي حيث أكثر من حديث عن تلكؤ سعودي في اتخاذ المواقف المطلوبة أميركياً في اجتماعات الأوبك، ناهيك عن عدم انصياع الملك السعودي لطلب أوباما المباشر والعلني منه ومن رئيس وزراء تركيا اردوغان بأن يطالب بتنحي الرئيس الأسد.

وفي حين أن اردوغان "فعلها" من واشنطن خلال زيارته الأخيرة، إلاّ أن العاهل السعودي اكتفى بسحب السفير من دمشق وإصدار ندائه الشهير، كتجاوب جزئي مع الضغوط الأميركية التي حملها أكثر من مسؤول أميركي كبير إلى الرياض في الأسابيع الماضية.

وهكذا يرى هؤلاء المحللين أنه عبر افتعال هذه الأزمة الجديدة بين السعودية وإيران يدفعون الرياض إلى الارتماء الكامل بأحضان واشنطن وحلفائها.

أما التفسير الأكثر خطورة، فهو الذي يرى في الرواية الأميركية المفاجئة إعلاناً مدوياً عن رضوخ البيت الأبيض النهائي لضغوط اللوبي الصهيوني المتحالف مع المركب الصناعي – العسكري – المصرفي، عبر الدخول في مغامرة عسكرية يائسة ضد إيران، ولا تكون رواية الاغتيال والحشد الدبلوماسي والإعلامي الضخم والمتسارع سوى المبرر للقيام بها.

ورضوخ أوباما لهذه الضغوط يأتي في وقت أدرك فيها الرئيس الأميركي صاحب شعار "نعم نستطيع"، أنه قبل عام ونيف من انتخابات الرئاسة الأميركية قد ظهر كرئيس "لا يستطيع شيئاً"، فالهزائم تلاحق مشاريعه وحلوله في كل مجال، والمظاهرات والاعتصامات تتسع، كما الفطر، في معظم ولايات أميركا ومدنها، والمنظومة الدولية تهتز من حوله بعد بروز أقطاب دوليين وإقليميين يمثلون قوى إستراتيجية واقتصادية صاعدة.

عاد الرئيس إلى المربع ذاته الذي كان رؤساء أميركا السابقون أسرى له، وهو مربع اللوبي الصهيوني الذي يبدو أنه لم يكتف من أوباما بكل التنازلات المتواصلة التي قدمها لها في القضية الفلسطينية، بل يريده أيضاً أن يقود بلاده إلى حرب ضد إيران، كما فعل سلفه بوش ضد العراق، وهي حرب قد تقلب، بنظر تل أبيب، مسار التطورات في المنطقة لغير صالح شعوبها وتحركاتها.

في الرواية إذن خبرٌ نسمعه، وحذر ندعو واشنطن إلى التنبه له:

الخبر هو أن أمتنا تخوض، هذه الأيام، حرباً عالمية شاملة، وأن المنطقة بأسرها مسرح عمليات واحد لها.

أما ما نحذر منه واشنطن وتل أبيب ومن لف لفهما فهو أن العالم اليوم، كما المنطقة، هما غيرهما يوم نجحت آلة الحرب الاستعمارية باستفراد العراق.

وإن أهل المنطقة أياً كانت ملاحظاتهم على سياسات طهران في هذا الملف أو ذاك، لاسيّما في الملف العراقي، فهم لن يقبلوا أبداً بعدوان أميركي – إسرائيلي على بلد تربطهم به مصالح ومصائر وعقائد ووشائج، كما لن يقبلوا أبداً باحتراب طائفي أو عنصري أو عرقي يحاولون استدراج المنطقة إليه بهدف تمزيقها وتفتيتها ووضع اليد على مواردها وخيراتها.

معن بشور

رئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن، الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي