خالد يوسف: انا ضد التطبيع مع اسرائيل

القاهرة
يهتم بعائلته الصغيرة رغم مشاغله الفنية

رغم انه من مدرسة يوسف شاهين، إلا ان المخرج الشاب خالد يوسف نجح بتجاربه السينمائية الأولى في الانفلات من آليات وأدوات اللغة السينمائية الشاهينية إن صح التعبير حيث ابتعد عن الرمز الحداثي والغموض المتكئ على دلالات الصور والسرد التلغرافي المنقطع وانحاز يوسف لجدية الطرح في اختيار الموضوعات الساخنة السياسية المباشرة بجرأة وبهذا اكتسب ثقة الجمهور في فيلميه "العاصفة" و"الزواج بقرار جمهوري" وأثار موجة من النقاش والجدل حول رؤيته الفكرية والفنية كأحد أبرز تلاميذ المخرج العالمي يوسف شاهين.
ولكن ببصمته هو قرر كتابة مسيرته الفنية الذاتية بعيداً عن أية تأويلات.ولا يزال خالد يوسف يعمل مع يوسف شاهين كمساعد مخرج ومؤخراً حضر بصحبته ومعهما نور الشريف لتصوير بعض مشاهد الفيلم العالمي الذي تشارك فيه 11 دولة منها مصر واسرائيل لتقديم رؤية فنية في السينما عن هذه الأحداث والتي سيتم عرضها في احتفالية خاصة من قبل ادارة مهرجان كان السينمائي في الذكرى الأولى لهذه الاحداث.
وخلال التصوير التقينا خالد يوسف وكان هذا الحوار كمخرج مساعد في رؤية يوسف شاهين الفكرية والفنية لأحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية سينمائياً والتي تم تصوير بعض مشاهدها في دبي مؤخراً، هل من اضاءات حول هذه الرؤية؟ هذه الرؤية لا يمكنني الحديث عنها فالمخرج يوسف شاهين وحده الذي يمكنه توضيح ذلك لكنني كمخرج منفذ لهذه الرؤية استطيع ان اوضح بأنها الرؤية العربية الوحيدة ضمن 11 رؤية عالمية من خلال احد عشر مخرجاً من 11 دولة منها مصر واسرائيل واميركا والصين وبريطانيا وايران وفرنسا، ولو كان يوسف شاهين قد رفض المشاركة في هذه الاحتفالية الخاصة بـ 11 سبتمبر المقبل كانت ستتم هذه الرؤية السينمائية العالمية بدون العرب والفكرة تبنتها قناة تلفزيونية فرنسية وادارة مهرجان كان وهي فيلم درامي سينمائي مدته 120 دقيقة لكل مخرج 11 دقيقة و9 ثوان وكادر وقد صورنا بعض المشاهد لهذه الرؤية في شارع الشيخ زايد بدبي وهذا ما استطيع ان اقوله فقط عن هذا العمل العالمي. كتلميذ ليوسف شاهين منذ عشر سنوات ولا تزال ترافقه في كل اعماله، ما مدى تأثرك الفني بأسلوبه السينمائي والذي يوصف بالسيريالي احياناً لكثرة الغموض والرموز التي لا تحظى بالاقبال الجماهيري؟ أولاً انا اختلف معك تماماً في وصف اسلوب شاهين السينمائي بالسيريالي وليس مطلوباً مني ألا أتأثر بيوسف شاهين كما ليس مطلوباً مني ان اقلد شاهين بمعنى انني طالما تتلمذت وتعلمت على يد أستاذ كبير مثل يوسف شاهين، فبالتأكيد لابد ان اتأثر بأسلوبه وفكره كما يمكن لك ان تكون مثلاً تتلمذت على يد علامة كبير في الصحافة مثل هيكل فإذا أنكرت انك لم تتأثر بأسلوبه فهذا يعني انك لم تتعلم شيئاً أنا فعلاً تأثرت ولكن بمعنى انني تعلمت منه المنهج العلمي، التكتيك السينمائي، طريقته في ادارة الممثل، ادارة موقع التصوير، كيفية التحضير للفيلم، الاهتمام بكل التفاصيل.. هذا ما تعلمته وتأثرت به لكن تقليده يعني انني نسخة منه ولكن المطلوب ان أعبر عن رؤيتي الخاصة وفكري ومواقفي انا وعن شخصيتي وهموم مختلفة وكلها غير ما يعبر عنه شاهين فأنا باختصار وكما قال معظم النقاد تعلمت من الاستاذ لكني لم أقلده. لم تقلّده هذا صحيح لكن فكريا هل تمثل امتدادا له؟ اولا كلمة امتداد فيها كثير من التعالي لا أحد يعتبر امتداداً لأحد غيره واذا كنت امتداداً له فلابد ان اطاوله قيمة وقامة أنا لا اطاول شاهين لا قيمة ولا قامة لكي اكون امتداداً له حتى لو كنت ابنه الحقيقي ومن صلبه وكل واحد له مسيرته الخاصة. فيلمك الاول "العاصفة" يصنف من الاعمال الجادة والجيدة رغم ما اثاره من جدل حول الموضوعات والرؤى السياسية خصوصاً عن حرب الخليج الثانية لكن فيلمك الثاني "الزواج بقرار جمهوري" كان اقتباساً من فيلم ايطالي وصفته الصحافة في مصر بالسرقة فماذا تقول؟ أشكرك جداً على أنك انصفتني في الفيلم الاول "العاصفة" لكن "الزواج بقرار جمهوري" اقتباس فعلاً من فيلم ايطالي المسئول عنه المؤلف أو السيناريست محسن الجلاف والمنتج محمد راضي وانا لم اكن اعرف بقصة الاقتباس او السرقة التي تحكي عنها ولهذا حدثت مشكلات وقضايا حول الفيلم لكنها انتهت وكانت تجربة قاسية تعلمت منها الكثير والفيلم نقل حرفيا لكني حاولت تقديمه برؤية خاصة وطعم مصري. ثقافة الصورة في صناعة السينما المصرية مازالت غائبة واسلوب السرد في الغرف المغلقة سمة مشتركة في معظم الاعمال كيف تستثمر الصورة كمخرج حداثي لتعلل من الحوار والمحكيات؟ كلامك جدا صحيح واتفق معه تماما في هذه القضية لان السينما لغة الصورة والمسرح لغة الحوار أي ان الصورة هي البطل في السينما والحوار هو البطل في المسرح مع مساعدة العناصر الاخرى لكنك لا تستطيع ان تعمم هذه الظاهرة في السينما المصرية رغم وجودها بكثافة كبيرة بالفعل. ظهورك كمخرج شاب طموح جاء في فترة حرجة من تاريخ السينما المصرية فيما تحاول النهوض من كبوتها والعودة لعصر صناعة السينما لا التجارة والتهريج فما رؤيتك الخاصة وقضاياك التي تعبر عن هموم حقيقية تشغك بالك؟ لقد قدمت التجربة الاولى في فيلم "العاصفة" الذي يحمل سمات التراجيدية ثم الثاني "الزواج بقرار جمهوري" الذي ينزع نحو الكوميديا وبالتالي من الصعب تحديد ملامح سينما أي مخرج بعد تجربتين فقط لكن يحدث هذا بعد التجارب الاربع او الخمس الاولى حيث يمكنك تحديد التميز والاختلاف، حتى انا على المستوى الشخصي الان لا استطيع ان احدد ملامح وتميز التجربتين والا سيكون ذلك مجرد ادعاء، لكن ما أدعيه فعلا انني متمكن من ادواتي واستطيع تقديم التراجيدي والكوميدي والغنائي والاستعراضي وكل انواع الدراما لكن وللاجابة عن سؤالك فإن الهم العام هو اهم القضايا عندي خصوصا القضايا الآنية والساخنة والمفتوحة على هموم الناس وتلامس واقعهم. بهذا المعنى ذهب الكثيرون لاستثمار بعض المشاهد التي تعبر عن موقف سياسي كحرق العلم الصهيوني وبعيدا عن الخط الدرامي في الفيلم لكسب التأييد والتعاطف الشعبي فما رأيك؟ الحمد لله انا لم افعل ذلك وبالفعل هذه الملاحظة الدقيقة في محلها وتكبر وتنمو لدرجة انها صارت موضة او موجة وعندما عملت مظاهرة وحرقت علم اميركا لم يكن ذلك اقحاما وكان قبل ظهور هذه الموجة وكان الحدث الدرامي موظفا تماما في فيلمي بل كان هناك حتمية درامية ولم أبتز عواطف الناس كما تقول ولم العب على وتر عاطفي لان ذلك كان من قبل الانتفاضة وقبل تحرير المقاومة للجنوب اللبناني.
ولعل حسي الدرامي هو الذي دفعني لتقديم هذا المشهد، وانا ارفض مثل هذا الابتزاز الفني حتى لو كانت مشاهد نبيلة تتعلق بالقضية العربية الرئيسية وهي فلسطين، لكن قضاياي في الفيلم كانت عن الصراع العربي الاسرائيلي وحرب الخليج وعلى العلاقة والتداعيات بين هذه الاحداث، وبالتالي عندما ابدأ الفيلم بمظاهرة عن انتفاضة 87 لاطفال الحجارة واحييها وآمل في انتفاضة اخرى هذه كانت قراءة مستقبلية للاحداث اي انني تنبأت بالانتفاضة الثانية "الحالية".

فيلمك الثاني له علاقة مباشرة بظهور رئيس الجمهورية في الحدث الدرامي فكيف حصلت على موافقة الرقابة في ذلك؟ لقد حاولت مدة طويلة وصلت لاكثر من ستة شهور وعندما وجدوني متمسكاً بحقي كمواطن والدستور واضح في هذه القضايا ولان الرئيس ليس من الأنبياء او الرسل ففي النهاية وافقت الرقابة على طلبي وظهر الرئيس في الفيلم بعد رفض دام اكثر من عام. ما القضية أو الافكار السينمائية التي تمثل لك هاجساً يمكن تنفيذه كفيلم حاليا؟ نعم هناك هذا التيار المتعجل السلام مع اسرائيل هذا التيار يصادر على المستقبل ويحاول حل المشكلة بالتطبيع والاتفاقيات والمعاهدات وهذا التيار في رأيي اخطر ما يتعرض له الشعب العربي حالياً، لانه يصادر إرادة واحلام الاجيال القادمة والتي يمكن ان تكون افضل منا، وأقدر منا على حل المشكلة وقد تتغير موازين القوى في عصرهم فيختلف الوضع تماماً فعلينا ضرورة الصمود وعدم تقديم اية تنازلات وألا نفرط ونمرر ثقافة التطبيع الى الجيل الجديد. اذن انت ضد التطبيع حتى لو تبنته بعض الحكومات.. أليس كذلك؟ نعم وبأعلى صوتي اعلنها، واذا كانت شعوبنا غير قادرة على الفعل الآن ستكون غداً قادرة بالتأكيد. حالياً ومنذ سنوات انتشرت موجة افلام الكوميديا كتيار واتجاه بدأ يفرض وجوده في صناعة السينما المصرية.. ما تقييمك لهذه النوعية من الافلام؟ فيلمي الثاني من هذه النوعية وينتقد اشياء كثيرة جداً في المجتمع ويطرح تساؤلات مهمة مختلفة عن بعض افلام الكوميديا التي تروج للتفاهة لان هناك كوميديا من ارقى انواع الدراما ويمكنها طرح اصعب واعقد انواع القضايا وطريقة استخدام الكوميديا هي التي تجعلنا نحكم عليها وكيف يمكن ان نستغل الضحك في طرح المشكلات والقضايا الرئيسية والوطنية الكبرى وتمرر كل الممنوعات. أفلام يوسف شاهين لا يقبل عليها الجمهور وأحيانا الكتاب والنقاد ايضا فهل تخرج افلامك وعينك على الجمهور أم النقاد؟ كل افلام شاهين التي رفضها الجمهور منذ اكثر من 30 عاماً يقبل عليها الآن وصارت جماهيرية 100% وبهذا المعنى أي سينما لا تضع الجمهور في حسابها ليست بسينما على الاطلاق وشاهين نفسه اعترف بذلك لكن ليس بالضرورة ان يقبل الجمهور على افلامك عند العرض الاول، هناك نوعية تحتاج لفترة من الزمن كي تصبح جماهيرية. لم يعد سراً ان الكثير من النجوم والنجمات وبعض المنتجين يفرضون قصص وموضوعات افلامهم على بعض المخرجين.. هل تختار موضوعاتك بنفسك؟ معك حق فعلا.. هذا بالضبط ما يحدث في معظم الافلام لكن بفضل الله لم يحدث معي مثل هذه المواقف لكن ايضا كل شيء وارد. وماذا على اجندة اعمالك السينمائية حاليا؟ نفكر في اخراج رواية "ذاكرة الجسد" للكاتبة احلام مستغانمي وقد لفت نظري لهذه الرواية المهمة الفنان نور الشريف وبعد ان قرأتها ذهبنا معا واشتريناها من المؤلفة ونحن بصدد انتاجها حالياً. اخيراً هناك الكثير من النجوم الكبار لا يجدون اي دور في اي فيلم بينما الشباب من الجنسين ومنهم من غير الموهوبين يتصدرون الافيشات واصبحوا من نجوم الشباك. ما رأيك بهذه الظاهرة؟ هذه سنة الحياة والسينما في العالم كله معظم ادوارها تعتمد على الشباب فليس من المعقول ان يسند المخرج لكبار السن من المشاهير ادوار الشباب ولا أقول عنهم كما يقال في مصر: "خلاص أصبحوا مثل خيل الحكومة"، ولكن الصراع بين الأجيال موجود في السر والعلن والعبقرية ليست حكراً على جيل أو أسماء بعينها، وأنا معك في ان الكثير جداً وليس بعض الشباب كما ذكرت ليست لديهم أي موهبة حقيقية في فن التمثيل، لكن هناك آليات السوق التي تفرضهم كنجوم للشباك، ففي النهاية نحن جميعاً يحكمنا الايراد الكلي للفيلم.