خالد الصيحي يروي قصة غرق العبارة المصرية

كتب ـ أحمد فضل شبلول
تجربة إنسانية مثيرة

لم أدر لماذا أطلق خالد خليل الصيحي على كتابه "العاصفة" مسمى "رواية"، فالشكل الفني الذي كتب من خلاله قصة غرق العبارة المصرية "سالم إكسبريس" مساء السبت 14/12/1991 لا ينتمي إلى مفهوم الرواية بصلة.
قد ينتمي الشكل إلى عالم الذكريات أو الاعترافات الشخصية التي يرويها أحد أفراد طاقم العبارة الذي نجا بمعجزة ربانية من الغرق، فيتوالى الحمد للخالق عز وجل على هذه النعمة، نعمة النجاة من غرق أو موت محقق.
أما أن تكون هذه الذكريات أو الاعترافات رواية بالمعنى الفني للرواية بتقنياتها المتعارف عليها سواء التقليدية أو الحديثة، فهو شئ بعيد عن هذا الكتاب.
إذا اتفقنا على هذا فسوف نتعامل مع كتاب "العاصفة" على أنه مذكرات أو ذكريات إنسان نجاه الله من الغرق، فأراد أن يعلن ذلك على الملأ ليكون بذلك عبرة لمن يعتبر، وليكون آية من آيات العلي القدير في خلقه، ورسالة أو إشارة من رسائله وإشاراته المتتالية إلى البشر، لعلهم يعقلون.
ولنتخيل إذا لم ينجُ أي فرد من أفراد العبارة المنكوبة، فمن كان سيحكي ويشرح ويوضح وينقل لنا عن تلك الساعات والدقائق العصيبة في حياة البشر، ومدى المسافة بينهم وبين الخالق في ثواني المحنة الكبيرة التي من الممكن أن تحدث لأي إنسان على سطح البسيطة.
لقد أنقذ الله خالد الصيحي وعددا محدودا من البشر من كارثة الغرق، وألهمه تدوين أحداث ساعات المحنة الثلاث عشرة التي بدأت في ساعة متأخرة من مساء يوم السبت 14/12/1991 حينما سمع صدمة شديدة اهتزت على أثرها العبارة المصرية الكبيرة المبحرة في مياه البحر الأحمر عائدة من الأراضي السعودية، وسط أسماك القرش بتوحشها، وأسماك البراكودا بشراستها والتهامها للحم الآدمي، ليكون شاهدا على معجزة ربانية جديدة، في عصر يقال فيه إن زمن المعجزات انتهى.
ولكن ها هي معجزة جديدة، وآية من آيات الله في خلقه يرويها لنا الصيحي عن تجربة شخصية حقيقية، سمعنا عنها الكثير والكثير في وسائل الإعلام المختلفة وقت حدوثها، ولكنها عندما تُكتب وتؤرخ وتوثق بقلم أحد الناجين الحامدين الشاكرين الطائعين، فإننا بلاشك نتلقاها بشكل مختلف، ونعيشها مع كلمات الكاتب بأحاسيس ومشاعر مختلفة.
وقد برع الصيحي في أن ينقل لنا بأسلوبه الرشيق، وجمله الوثابة، وكلماته المتلفعة ببردة الإيمان والصبر، أهم لحظات الحدث وأخطرها، بما تنطوي فيه على إشراقات وفيوضات ربانية، ولحيظات آلهية وملائكية، فتشعر أن يدا عليا امتدت من خلال جبال الموج الشرسة لتسهم في نجاة نفر قليل من الغرق المؤكد. فلا نملك إلا الشكر نزجيه إلى ملك الملوك الذي لا ينام له جفن، ولا تغمض له عين على مر الزمان.
يقول الكاتب في ص 21 "شعرت أن القيامة قد قامت أو على وشك أن تقوم، وأن الحساب لا ريب قادم بأمر من يقول للشيء: كن فيكون.
لم تطل هذه اللحظات أكثر من ثوان معدودات، فسرعان ما انقلبت العبارة على جانبها الأيمن، ثم غرقت في الحال بنا في الماء، وأخذت تغوص بسرعة مرعبة في الأعماق، وأنا أغمض عينيَّ بشدة في الظلمات، وأسمع بأذنيَّ خرير الماء، وأشعر أني أفارق الحياة."
وقد حاول الكاتب أن يقدم الشكر للخالق الوهاب، في كل صفحة من صفحات الكتاب الـ 112، بل في كل جملة وسطر، وأورد الكثير من الآيات القرآنية ذات الدلالة والإيحاء، وكأنه يؤدي صلاة شكر واستغفار للواحد القهار من خلال تلك السطور، بعد أن أدى صلاة شكر عميقة في الماء.
يقول الكاتب في ص 26 "بدأت فورا صلاة العشاء وسط الأمواج بتكبيرة الإحرام بعد أن رجوت الله أن يعتبر غرقي في الماء بمثابة وضوء لها، استخدمت قلبي وعقلي ولساني في أدائها، فشعرت بسكينة واطمئنان لم أشعر بمثليهما منذ أن غرقت في الماء."
لاشك أنها تجربة إنسانية مثيرة، ولحظات إيمانية عميقة لإنسان وحيد في ذلك البحر الهائج المضطرب تحت سماء الرحمة والمغفرة والإحسان.
إن خالد الصيحي يروي لنا، ومع ذلك لا نعتبر كتابه "رواية" من الناحية الفنية، وإذا شاء الكاتب اعتبار كتابه رواية، فليسمح لنا أن نقول إنها رواية تسجيلية ضعيفة المستوى، رغم لغتها العربية الراقية، وتصويرها البديع للحظات معينة.
وأعتقد في النهاية أنه لا يهمه رأينا هذا، ويكفي أنه نال رضا ربه عن أفعاله وصلواته وأدعيته ومناجاته في أشد لحظات المأساة، فحمدا لله على سلامته وخروجه من الماء، لحظة غضبه وانفجاره في وجوه البشر، سالما سابحا شاكرا حامدا. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية وتعليق من المؤلف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
سرني تعليق ونقد الأستاذ / أحمد فضل شبلول.
والواقع أنني قد كتبت قصة الغرق كمذكرات في بادئ الأمر. فلقد رويت وقائع الأحداث بنفس الأسلوب الذي كنت أحكي به ما مر بي من أحداث لكل من أتاني ليهنئني بالنجاة.
وكنت أسمي تلك المذكرات "قصة غرق العبارة". وكنت أنوي نشرها باعتبار أنها مذكرات في صورة قصصية، غير أني لما قدمتها للصفحة الثقافية لجريدة الوطن العمانية باعتبارها مذكرات في صورة قصة، فوجئت بأن الجريدة نشرتها تحت مسمى "رواية"، فلقد صنفتها الجريدة كرواية.
ثم قدمتها لدار القلم السورية على أنها مذكرات في صورة قصصية، وأخبرتهم بأن جريدة "الوطن" العمانية صنفتها كرواية، فنشرتها الدار كرواية.
علماً بأنني كتبت القصة القصيرة، ونشرت لي أعمال في أكثر من جريدة.
اهتممت بما كتبه الأستاذ / أحمد فضل شبلول، وأدهشني أن يقول "وأعتقد في النهاية أنه لا يهمه رأينا هذا."
بل يهمني رأيه، وسرني ما كتبه.
أشكركم على جهودكم التي بذلتموها من أجلي. جزاكم الله خيراً.
مع خالص تقديري وتحياتي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خالد خليل الصيحي