خاتمي لولاية جماعية

لم يصدق الإيرانيون تواضع المرشد أية الله علي خامنئي، عندما قال ان: "ان صوتي مثل أصوات الإيرانيين هو صوت واحد"، لان الإيرانيين يعرفون جيدا وبعد اكثر من ثلاثين استحقاقا انتخابيا من بينها عشرة رئاسية حتى الان، ان صوت المرشد هو الصوت المرجح سواء كان ذلك بالتلميح او التدخل المباشر كما كشف الرئيس احمدي نجاد بقوله انه "أضيف الى أصواته اكثر من ثلاثة ملايين صوت" حتى يكون فوزه على مير حسين موسوي كاسحا، علما ان الاخير يؤكد انه هو الذي فاز بأغلبية كبيرة لانه سقط بعد اضافة ملايين الأصوات الى خصمه. الإيرانيون أيضاً يعرفون ان الذي يستطيع شطب ترشيح الشيخ هاشمي رفسنجاني دون إبداء السبب والاكتفاء بالتسريب الى الصحافة ان "كبر سن الشيخ" هو السبب. يمكنه ان يقرر والآخرون ينفذون وكان الامر هو "تكليف شرعي" تقبل به كما هو وتنفذه كما جاء، او ترفضه وتتحمل مسؤولية ذلك.

تعلم المرشد الكثير من تجربته مع احمدي نجاد، لذلك لن يكررها. عمل ويعمل خامنئي لإنتاج عكسها في هذه الانتخابات الرئاسية الحادية عشرة، فهو لم يعد يرغب ولا يريد ان يحوز الرئيس المنتخب، على 23 مليون صوت او اكثر، ويقول له: "أنا جئت بأصوات الإيرانيين وأملك شرعية شعبية تخولني ان اكون شريكا لك". يكفي انه اسقط شراكة رفسنجاني، وهو الذي حاز علنا على تأييد ودعم المرجعيات في قم والنجف، لكنه كما يبدو لم يتفق مع "الحرس"، كما أبعد محمد خاتمي عن الحلبة بعد ان شجعه على الاندفاع لتأييد الانتخابات طلبا لمشاركة واسعة للاصلاحيين فيها، ثم قبل ان يقرر الترشح، وصلته رسالة واضحة بان مصيره لن يكون افضل من مير حسين موسوي ومهدي كروبي، اي وضعه في الاقامة الجبرية، فامتنع واكتفى بتأييده المطلق لرفسنجاني على اساس انه "المنقذ"، ثم ثبت له بعد أبعاد الشيخ ان امتناعه عن الترشح كان صائبا.

لا يبدو ان أحدا من المرشحين الثمانية للرئاسة سينسحب للآخر، رغم ان ستة منهم هم من "بيت" المحافظين المتشددين المتعدد "البيوت"، واثنان من الإصلاحيين الخارجين عمليا عن عدم المشاركة بعد قطع الإصلاحيين الأمل من عودتهم الى الساحة السياسية بحرية كاملة. ويبدو ان "بيت" المرشد يشجع المرشحين على متابعة ترشيحهم وان يجرب كل واحد حظه لكي يتقاسموا فيما بينهم أصوات الإيرانيين بحيث لا يحصل احدهم على "تسونامي" من الأصوات، كما ان الفائز النهائي سيكون مديونا للمرشد.

عمليا يوجد اربعة من المرشحين من الوزن الثقيل او كما يطلق عليهم عادة في الغرب "الفيلة" وهم: سعيد جليلي ومحمد قاليباف وعلي ولايتي وغلام حداد عادل. الأخيران هما الاكثر قربا الى المرشد، لكن مشكلتهما ان ولايتي خبير في السياسة الخارجية لكنه لا يبدو ممسكا بالملف الأصعب وهو الاقتصاد، اما حداد فانه لم يؤكد حضوره عندما كان رئيساً لمجلس الشورى وهو بسبب المصاهرة بينه وبين مجتبى خامنئي يثير القلق في أوساط كثيرة من ان يضع ابن المرشد يده على السلطة وهو الطامح الكبير لخلافته. اما جليلي وقاليباف فانهما من "الحرس الثوري"، وهما متقاربان ومتمايزان في الوقت نفسه، لان الاول خبرته محصورة في إدارة مكتب المرشد ومن ثم الملف النووي، وهو بذلك موظف مطيع، اما الثاني فانه كان اصغر قائد فيلق في الحرس وقائدا للشرطة ورئيسا ناجحا لبلدية طهران وهو معروف بشراسته وقوة شخصيته. يبقى ان قوتهما تبقى مرتبطة بحجم تأييد الحرس لكل منهما. اما الجنرال والمرشح الدائم محسن رضائي فانه يقدم نفسه كـ "طبيب" للوضع الاقتصادي لكن لا امل له بالنجاح، والسادس وهو محمد غرضي فانه يرغب بالعودة الى تحت الأضواء بعد ان خرج منها لسنوات طويلة، لأسباب غير معروفة. اما المرشح الاصلاحي محمد رضا عارف فان مشاركته ليست اكثر من اضافة لون اخضر باهت الى الانتخابات لن يغير شيئا من نتائجها. يبقى حسن روحاني الخبير بالملف النووي وهو كان يأمل بتأييد رفسنجاني وخاتمي له لكنه لم يحصل على ذلك ولهذا فان مشاركته اصبحت رمزية.

المرشد أية الله علي خامنئي يريد ان يكون هو "المنقذ" ولا احد غيره خصوصا رفسنجاني، لـ"السفينة"الإيرانية التي تحت زعامته ولايته المطلقة، تتعرض الان للغرق. المرشحون الثمانية اتفقوا خلال مناظرتهم حول الوضع الاقتصادي بانه كارثي، وانه يتطلب حلولا سريعة لم ينجح اي مرشح بتقديم خطة عمل متكاملة لتحقيق هذا الإنجاز، وما ذلك الا لأنهم يعرفون ان البداية تكون في الانفتاح على الولايات المتحدة والتفاهم معها حول الملف النووي او لا تكون، وهم لا شك يعرفون ان المرشد لا يريد ولن يسمح بان يتولى احد غيره التفاوض واتخاذ القرار تحت طائلة "مسايرة العدو" اي باختصار الخيانة. ولا شك أيضاً ان أقسى ما قيل حول الوضع الاقتصادي جاء من المرشح المحافظ محمد غرضي بقوله: "كان الدولار في عهد الشاه يساوي ثلاثة ريالات اليوم يصرف الدولار رسميا بـ 35 الف ريال".

المعركة بالكاد بدأت. رفسنجاني لن يستسلم وهو الذي اعتاد على إدارة معارك الثورة والدولة معا. نجاد لن يقبل الدخول في الظلام ولديه احتياط من الأصوات مستعد للتفاوض عليه اضافة الى ملفات الفساد التي يملكها ويهدد بها. اما الإصلاحيون فانهم وان كانوا لا يريدون حاليا النزول الى الشارع خوفا من ان يأخذ القمع الذي يهدد به قائد "الباسيج" الجنرال نقدي البلد نحو "السورنة"، فانهم لن يستسلموا، ولذلك فان محمد خاتمي فتح معركة خلافة المرشد بطريقة شبه علنية وذلك امام بعض أنصاره بالتركيز على ضرورة ان لا يتولى شخص واحد ولاية الفقيه وانما ان تكون "الولاية" ضمن مجلس مشكلا من عدة شخصيات.

الانتخابات الرئاسية في ايران التي ستجري في 14 الجاري،هي عدة معارك في معركة واحدة، سيكون لكل واحدة منها موقعها في رسم مستقبل النظام وإيران معا.