حين يموت الآخرون يحيا المسيحي من جديد

بقلم: سامي جاسم آل خليفة

ليسمح لي أحبتي المسيحيين أن أكون مخالفا لغيري في قراءة الجريمة الوحشية التي ارتكبها شياطين التكفير في كنيسة سيدة النجاة والتي راح ضحيتها عشرات المصلين في بيت من بيوت العبادة فقد هزت تلك الضباع المتوحشة أرجاء الكون بإراقة تلك الدماء الزكية التي روت أرض العراق في روحانية وقدسية وصلوات مرتفعة تأخذ من لحظات الوداع الأخيرة حياة جديدة لمسيحي قادم يرى في ذلك الدم فداء الإنسانية ويقدم حياته على صليب التضحيات من أجل أن يعيش الآخرون في دعة وسلام.

الدم المسيحي الذي أريق يوم الأحد 31/10/2010 شاهد آخر على همجية الفكر الصحراوي ورعونته الذي يمني نفسه بتناول الإفطار في جنة الفردوس ويعانق الحور العين بعد وجبة عشاء دسمة مع الأولياء والصالحين ولا أدري أي ولي وأي صالح يجالس هؤلاء السفاحين و في أي غرفة من غرف الجنة وأحسبها في الدرك الأسفل من النار في نار وحميم فليست الجنة للقتلة المجرمين وليست الرحمة للشياطين الذين ذبحوا الأطفال على صدور الأمهات وأبكونا دما في تلك الليلة ونصبوا الحزن في نفوسنا ولا يزال مستمرا ونحن نتصور كيف يرفرف هذا الطفل مذبوحا على صدر أمه في صور متوالية وحشية لا يرتكبها إلا مسوخ شيطانية تغذت على حليب الحقد والكراهية حتى غدت قرونها تبث حمم الدمار والفتن على العالم الإنساني.

إن مجزرة كنيسة سيدة النجاة فاجعة هزت الضمائر الحية وأوقدت جمرات الحسرة والألم في نفوسنا وهي مأساة بكل تفاصيلها تتطلب من الإخوة المسيحية الركون إلى العقل والتحلي بالإيمان والصبر إذ لا ينبغي أن يتعاملوا كما دعا أحدهم بالهجرة عن العراق أو الانقطاع عن الكنائس بل على العكس أطالب كل المسيحيين بتكثيف تواجدهم في الكنائس أكثر من قبل وأدعو المسيحيين المهاجرين بالعودة إلى العراق فهي بلدهم قبل أي تواجد إسلامي والهجرة منها يعني التخلي عن الجذور المسيحية التي تعودنا منها الثبات والمقاومة مهما نالت منها قواصم الدهر ارتفعت على الأرض من جديد فالمسيحية عطاء ونبل وتضحيات وهذه القيم يجب ألا تزول من أرض العراق وعلى كل مسيحي أن ينهض من الموت وينتصر عليه ويبعث الحياة من جديد ولا يكون ذلك إلا بشجاعة وإيمان فالمسيحية تجدد وانبعاث لا موت وعدم وانتهاء.

الفعل الشيطاني الذي ارتكبه ضباع القاعدة بحق المصلين في كنيسة سيدة النجاة جريمة علينا التعامل معها بعقلية التنوير وتعرية الآخر وعلى كل مسيحي وحر في العالم أن يوثق تلك الكارثة الإنسانية وينقلها إلى العالم على جميع المستويات الأدبية والفنية والسياسية والتأريخية فالبكاء والعويل وخطابات التنديد والاستنكار قد ولى زمانها ولن تعيد الحياة لضحايا الكنيسة فالعمل الموثق ولا غيره هو السبيل إلى بث الحياة والحركة في شرايين كل مسيحي وحر في العالم ولا أعتقد أن الإخوة المسيحية في العراق وباقي البلدان ينقصهم الإعلام ولا الفن ورجاله من كُتاب وسيناريست وشعراء وممثلين ولندع العالم يشاهد ويقرأ فصول تلك الجريمة بحق المسيحيين ولتكن دماء الطفلة "ساندرو جان " وصرخاتها وهي ترفرف مذبوحة على صدر أمها شاهدة على تراث دموي قاسٍ تزخر به المكتبات العربية ويحتاج إلى أن يرمى في المحيطات ومياه البحار والأنهار فالمشكلة ليست كما يصورها بعضهم في حكومة المالكي – وإن كنت لا أعفيها من المسؤولية – بل المشكلة والطامة الكبرى يا سادة يا كرام في فئران القاعدة الذين تغذوا على تراث سقيم استلهموه صباح مساء حتى أصبح الواحد منهم تنينا يحرق بناره الحب والسلام ويبث أفاعي الكراهية والحقد على أبناء الصفاء والتسامح ولم يسلم من سمه الزعاف حتى أطفال الإنسانية فالويل لهؤلاء القتلة من جحيم استعجلوها في الدنيا قبل الآخرة.

ليرحم الله الضحايا ويمن على المصابين بالعافية ولترفع الأيدي بالدعاء ليعم السلام والحب وليحفظ الله أبناء العراق ويحف برعايته أحبتنا المسيحيين ويجنبهم المصائب والأحزان.

سامي جاسم آل خليفة

sksp@maktoob.com