حين يجلس سليماني على كرسي بريمر

حسنا فعل الجيش العراقي يوم هرب من داعش قبل أن ينشب القتال. بطريقة مجازية أخلى ذلك الجيش مواقعه لفيلق القدس الايراني بقيادة سليماني. الرجل الاقوى في العراق، بدلالة الاعتراف الايراني الذي سحب البساط من تحت أقدام السياسيين العراقيين الذين صاروا يحتفلون بنصرهم المؤزر على داعش في احدى المعارك الصغيرة.

وكما يبدو فان القيادة الايرانية لم يعجبها المشهد الاستعراضي الذي اقامه حلفاؤها في بغداد فسارعت إلى الاعلان عن الدور القيادي الذي يلعبه قاسم سليماني في الحرب ضد داعش. وهو دور وصفته جهات ايرانية بالقيادي.

لقد ارادت تلك الجهات من خلال تصريحاتها أن ترسل رسالة الى السياسيين العراقيين من اتباعها، مفادها "أنكم صغار ولا تصلحون للعب أدوار أكبر من حجومكم الحقيقية".

ايران التي تقاتل داعش على الارض بجنود عراقيين هواة ليس مسموحا لها أن تحارب انطلاقا من الجو. فتلك هي مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. من هنا فان التحالف صار يغض النظر عن حملات الاغاثة العسكرية الايرانية التي سبق لوزير خارجية العراق ابراهيم الجعفري أن اعترف بضرورتها.

ولكن هل سليماني وحده مَن يدير تلك الحرب؟

أولا من الصعب الحديث عن دور يُذكر لما سمي بالحشد الشعبي، الذي يتكون من مجموعة من المراهقين العراقيين الذين تم اغواؤهم بالمال لقاء تحولهم إلى حطب في حرب، طرفها الثاني مدرب بطريقة متقنة.

لقد تم جلب أولئك المراهقين من مدارسهم ليموتوا ولتكون مشاهد تشييعهم مناسبات للتحشيد والتعبئة الطائفية.

من هذه الحقيقة يمكنني أن أنتقل إلى الفكرة الثانية. الفكرة التي تتعلق بموقف قاسم سليماني الساخر من قيادته لحشد من المراهقين.

ما يجب الانتباه إليه أن الرجل الذي يقود فيلق القدس وهو خريج مدرسة الحرس الثوري وهو جيش حقيقي رديف، لن يسليه أن يقود حشدا طارئا من الهواة الطائفيين في حرب يعرف أن خصمه فيها مصمم اما على الانتصار أو الموت.

لذلك فمن المؤكد أن الاشارة لايرانية إلى الدور القيادي الذي يلعبه سليماني في الحرب على داعش لابد أن تنطوي على نوع من التذكير بالدور الذي تلعبه قوات فيلق القدس في تلك الحرب.

وكما أرى فإن تدخلا عسكريا ايرانيا بهذا الحجم انما يضعنا في صورة المشهد العراقي بعد نهاية الحرب. فسيلماني وقواته لم يلزما نفسيهما بالدفاع إلا عن محيط بغداد والمناطق ذات الأغلبية الشيعية.

وهو ما يعني أن خيالنا ينبغي أن لا يذهب بعيدا فيصور لنا مشاهد لجنود ايرانيين يقاتلون من أجل طرد داعش في الموصل أو تكريت أو الرمادي أو الفلوجة وسواها من المدن ذات الأغلبية السنية التي وقعت في يد داعش، بعد أن هربت القوات العراقية من غير قتال وكانت قد تركت اسلحتها الحديثة لمقاتلي التنظيم الارهابي.

قتال الايرانيين في العراق هو نوع من الفضل الذي سيكون على شيعة العراق أن يدفعوا ثمنه في مستقبل أيامهم. وهو ثمن لا يقل عن التخلي نهائيا عن الحديث عن سيادة وطنية، لم تكن حكومتهم معنية بها يوم طلبت من ايران النجدة لحمياتها.

وهنا يمكنني القول إن التدخل الايراني جاء ليشكل فقرة جديدة من فقرات عزل شيعة العراق وافراغهم من هويتهم الوطنية والقومية. وهو واحد من أهم الاهداف الاستراتيجية لسياسة ايران في العراق، وهو ما كان حزب الدعوة الحاكم من خلال رئيسه نوري المالكي يسعى إلى الوصول إليه قبل ظهور داعش.

سيأخذ التدخل الايراني معنى حماية الشيعة من الزحف السني الذي تمثله داعش. وسيكون لسليماني أن يظهر علنا باعتباره الرجل الذي احتل موقع بريمر رئيس سلطة الاحتلال الاميركي اعتباره حاكما للعراق.