حين تنتصر السياسة على العدالة

مَن ارتابوا بالربيع العربي لم يكونوا يتوقعون أن ذلك الربيع سيكون بابا تنفتح على جحيم لا نهاية له.

كانت هناك شكوك في الجهات التي تقف وراء ما حدث وأهدافها.

لم تكن الأهداف واضحة بالرغم من أنه كان واضحا أن سقوط الأنظمة السياسية معناه إشاعة الفوضى بطريقة متقنة بحيث لن تقوم للدول التي كانت تلك الأنظمة تحكمها قائمة.

كان عام 2014 حاسما في تاريخ تلك المؤامرة. سيضحك أعداء نظرية المؤامرة من ذلك الاستنتاج.

لو لم تفلت مصر من حكم الاخوان المسلمين لكانت المنطقة كلها قد سقطت في هاوية لن تغادرها إلا بعد قرون. كان مثلث الظلام يقوم على ثلاثة رؤوس، كلها تنتمي إلى التيار الظلامي.

إيران بخمينييها وتركيا بأردوغانييها ومصر بإخوانها.

على الهامش كانت هناك جماعات تعمل على التبشير بالمشروع الظلامي الذي لبس لباسا إسلاميا. حركة النهضة في تونس وحزب الدعوة في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن وداعش في العراق وسوريا، على سبيل المثال لا الحصر.

حين فلتت مصر اضطربت المعادلة كلها.

ما حدث في مصر لم يكن بإرادة أميركية كما يتخيل البعض. لقد خسرت الولايات المتحدة حليفها يوم هزمت جماعة الاخوان على أيدي الشعب المصري غير أن الضربة القاضية جاءت من دولة الامارات العربية المتحدة حين الحقت جماعة الاخوان بقائمة الإرهاب.

لو لم تقع تلك التطورات لكان العالم العربي كله قد سقط في هاوية الظلام.

كان العرب محظوظين نسبيا، حين فتحت مصر بابا لا يزال مواربا على الأمل. غير أن تداعيات الربيع العربي لا تزال تهدم مدنا وتزهق أرواحا وتضع مصير الملايين على جناح عواصفها المستمرة.

فما يحدث في سوريا واليمن وليبيا من فجائع انما يعبر عن الصورة الكارثية التي كان المخطط الأصلي الذي انطلقت منه روح المؤامرة يسعى إلى الوصول إليها، باعتبارها هدفا مرسوما سلفا.

لقد سلمت تونس بإعجوبة. ولولا خشية راشد الغنوشي من أن يكون مصيره شبيها بمصير محمد مرسي لكانت الأمور قد اتخذت منحى مأساويا في بلاد الياسمين.

اما في بلدان الربيع العربي الأخرى فإن طرق المتاهة قد تشعبت.

لقد دخلت تلك البلدان في نفق حروب لا حصر لها. ولم يقع ذلك لأن الشعب قد استنهض الشر الذي في أعماقه فقرر أن يقتل بعضه البعض الآخر كما يبدو ظاهريا بل لأن قوى إقليمية وعالمية دخلت على خط الخلافات واستطاعت أن تجد لها موقعا من خلال التمويل أو من خلال التدخل المباشر.

لقد تم تدويل الربيع العربي فصارت الدول، يقاتل بعضها البعض الآخر بأدوات محلية وجدت في المرتزقة العالميين عونا لها في ادامة الصراع.

فها هم الإيرانيون يقاتلون في اليمن وسوريا. اما الليبيون فإنهم يسندون ظهورهم إلى جهات أوروبية تغذي رغبتهم في الاستمرار في القتال وصولا إلى آبار النفط وفي سوريا لم يعد مؤكدا مَن يعادي مَن.

الأمر المؤكد أن أبواب الجحيم ستظل مفتوحة إلى وقت ليس معلوما.

وهكذا فإن الحكاية التي بدأت بـ"الشعب يريد اسقاط النظام" لم تنته بسقوط أنظمة الاستبداد. لقد اخذت الحكاية مسارات أخرى، بعيدا عن رغبة الشعوب في أن تعيش حياة حرة وكريمة.

لم تعد الحرية والكرامة مطلبين ملحين. صارت شعوب تلك البلدان تفكر بالبقاء وحده. فمع ملايين من المشردين والنازحين واللاجئين لا بد أن تبرز الحاجة إلى البقاء باعتبارها فكرة بدائية يلجأ إليها المرء حين يكون وجوده مهددا بالفناء.

لقد تمت اعادة الحياة في أجزاء من العالم العربي إلى حاضنتها الأولى.

ما عاد الان في إمكان سكان بلدان الربيع العربي سوى التفكير بالكهوف التي تحفظ لهم إمكانية الحياة.

ما من شيء يشير إلى أن تلك الحروب ستنتهي في وقت منظور. ومع كل لحظة حرب تتسع رقعة العذاب العربي في ظل نسيان متعمد لإنسانية الضحايا.

ما لم يعد ضاغطا على الضمير الإنساني أن هناك ملايين من العرب مهددة بالزوال.

لقد انتصرت الأجندات السياسية الخبيثة على العدالة. إنها لحظة عصيبة في تاريخ البشرية.