حين تخرق الدولة سيادة نفسها

بقلم: همام طه

إقتحمت قوات حكومية عراقية "معسكر أشرف" الذي ينتمي سكانه إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة. وبررت الحكومة العراقية هذا التصرف برغبتها في فتح مركز شرطة في المعسكر كونه أرضا عراقية معتبرة هذا الاقتحام خطوة على طريق السيادة!
أعتقد أن العكس هو الصحيح.. فاقتحام المعسكر بالشكل الذي حدث هو اعتداء على السيادة العراقية من قبل الحكومة العراقية نفسها!
لماذا؟!
لأن السيادة في بعدها السياسي المعنوي الشامل (المتمثل في ما يمكن أن تحمله تصرفات الحكومة من رمزية سياسية ومن رسائل تفهم بطريقة مفيدة للسيادة أو مضرة بها) أهم من السيادة في بعدها الأمني الحسِّي الضيِّق (المتمثل في فتح مركز شرطة أو تحريك وحدة عسكرية هنا أو هناك على الأرض العراقية).
لقد قامت الحكومة العراقية بتعريض السيادة العراقية الوليدة لهزَّة عنيفة عندما أقدمت على "معاقبة مجموعة معارضة لنظام يهدد الأمن الوطني العراقي"، وهذا ما فعلته الحكومة العراقية عندما قمعت بالعِصيِّ والأسلحة والدهس بالسيارات مجموعة سياسية معارضة للنظام الإيراني الذي يمارس عدواناً مستديماً على العراق وعلى السيادة العراقية يتخذ أشكالاً مختلفة.
إن تصرف الحكومة العراقية هو خرق للسيادة العراقية من ناحيتين:
الأولى: أن الحكومة العراقية تكافئ النظام الإيراني المعتدي علينا من خلال معاقبة معارضيه السياسيين اللاجئين على أرضنا. وهذه رمزية سياسية بغيضة لا يمكن أن تقبل بها أي حكومة وطنية تحترم نفسها.
الثانية: أن الحكومة العراقية تمنح النظام الإيراني تخويلاً ضمنياً بمعاقبة معارضيها العراقيين ما دامت منحت نفسها حق ـ أو ربما "واجب" في عرف حكومتنا! ـ معاقبة معارضيه الإيرانيين! فلا نستغرب إذن أن يأتي اليوم الذي نجد فيه قوات الحرس الثوري الإيراني تقتحم مدينة الصدر لمعاقبة معارضي حكومة المالكي من أبناء التيار الصدري!
لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني صور قمع قوات مكافحة الشغب الإيرانية للمتظاهرين المحتجين على نتائج الانتخابات الإيرانية؛ قفزت إلى ذهني وأنا أتابع قمع القوات الحكومية العراقية لسكان معسكر أشرف وكأننا والنظام الإيراني نخوض معركة واحدة وفي خندق واحد ضد معارضي إرادة الولي الفقيه!
من ناحية ثانية فقد تضمن اقتحام القوات العراقية لمعسكر أشرف انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان. وهذه قصة ثانية، يصبح الأمر مثيراً للسخرية أن أتكلم عنها في ظل ما يتعرض له العراقيون أنفسهم في سجون الحكومة.
ربما سيقول قائل: لماذا لا تتكلم عن الجرحى العراقيين من منتسبي القوات الأمنية؟ أقول: إن ما تعرض له هؤلاء المنتسبون تتحمل مسؤوليته الحكومة العراقية وهو كان متوقعاً حين تهاجم قوات حكومية مدججة بالسلاح مجموعة من اللاجئين العُزَّل الذي لا يكون أمامهم في هذه الحالة سوى الدفاع عن أنفسهم بكل وسيلة متاحة خشية من أن تقوم الحكومة العراقية باعتقالهم وتسليمهم للسلطات الإيرانية حيث ينتظرهم التعذيب والانتقام وربما الاعدام.
من ناحية أخرى، فقد تضمن تصرف الحكومة العراقية خرقاً واضحاً للقيم الوطنية العراقية وهي قيم دينية وعشائرية واجتماعية تعتبر إيذاء أو تسليم "الدِّخيل" أو "المستجير" مثلبة أخلاقية لا يمكن أن يقبلها العراقي على نفسه.
ختاماً أقول: إن النظام الإيراني يهدد الأمن الوطني العراقي وكان حرياً بالحكومة العراقية أن تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على مثل هذه الخطوة التي يمكن أن تفسر بسهولة على أنها مكافأة للنظام الإيراني وممالأة له وتواطؤ معه.
ولكن السؤال هو: هل حاول المالكي أن يغازل إيران ويستعرض مفاتنه أمامها باقتحامه لمعسكر أشرف حتى يحظى بدعم الإيرانيين لمقاربته في إعادة تشكيل الإئتلاف على أساس دولة الدكتاتورية الطائفية؟ همام طه