حينما يرحل الثقلاء: جون بولتون نموذجا

"لو فقد مبنى الأمم المتحدة في نيويورك عشرة طوابق، من طوابقه، لما أثر ذلك قيد خردلة.. (لأنه) لا يوجد شيء اسمه الأمم المتحدة".
تلك هي أشهر جملة ــ تقريباً ــ جاءت على لسان المندوب الأمريكي في المنظمة الدولية، جون بولتون، وكان قد قالها في أحد الاجتماعات سنة 1994.
وربما تعود مثل هذه الكلمات إلى الذاكرة، مع إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش 4ــ12ــ2006، قبوله استقالة بولتون (مضطراً) بعد أن رفض مجلس الشيوخ الطلب الذي تقدم به (بوش) لقبول إستمرار بولتون في منصبه لفترة جديدة، كسفير لبلاده في الأمم المتحدة. حيث قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، دانا بيرينو: إن الرئيس قبل ــ على مضض ــ ما أسمته "قرار بولتون ترك منصبه في الأمم المتحدة". زاعمة أن جورج بوش "فوجئ" بتقديم بولتون خطاب استقالته.
حيث أحالت "لجنة الشؤون الخارجية" بالمجلس، طلب الترشيح للاقتراع الكامل، من جانب أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد أن وصف أعضاء جمهوريون بولتون بأنه "غير مناسب للمهمة". ومن ثم، رفضت اللجنة المصادقة على ترشيحه.
ويأتي هذا المسلسل الإحلالي ــ إن صح التعبير ــ كإعلان مباشر على بداية أفول نجم المحافظين الجدد، من دائرة التأثير المباشر على السياسة الخارجية الأمريكية، لفترة قد لا تقل عن عامين، وهي الفترة المتبقية لولاية جورج بوش.
و"جون بولتون".. اسم مثير للجدل داخل أروقة السياسة في أمريكا وخارجها، يراه الكثيرون من الجمهوريين شخصية حازمة تحتاجها الولايات المتحدة، لدعم حملتها العالمية للإصلاح في الأمم المتحدة والدول المنضوية تحت لوائها، في حين يراه خصومه أحد صقور اليمين المحافظ ورمزاً لسياسة جورج بوش المتشددة والتي جلبت للبلاد الكثير من الأعداء.
وهو أيضاً أحد أبرز زعماء اليمينيين في الإدارة الأمريكية، تطارده الاتهامات بالعدوانية والغرور والفظاظة. وتعد استقالته بمثابة حلقة أخرى في مسلسل التنازلات الاضطرارية، التي لجأ إليها الرئيس الأمريكي الجمهوري، جورج بوش، في أعقاب النصر الذي حققه الديمقراطيون وانتزعوا به السيطرة على أغلبية المقاعد بمجلسي النواب والشيوخ.
وبولتون هو الثاني في إدارة بوش الذي يغادر موقعه ــ في أعقاب ضغوط ــ بعد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وكان قد واجه ــ خلال فترة عمله بالأمم المتحدة ــ حملة انتقادات ورفض واسعة، من جانب عدد كبير من أعضاء الكونجرس، سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين. حيث يُتهم ــ وهو المعروف بانتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة ــ بممارسة ضغوط غير مقبولة على صغار الموظفين، ومحاولة تشويه معلومات استخباراتية وتطويعها لوجهات نظره.
وكان بولتون قد عين سفيراً بالأمم المتحدة في أغسطس 2005 ، حيث نجح بوش في تعيينه ــ حينها ــ مستخدما صلاحياته، دون الحاجة إلى التصويت في مجلس الشيوخ حتى نهاية العام 2006. متجاوزاً بذلك المجلس الذي كان مشرعوه في عطلة صيفية، ومتفادياً أيضاً عدم تصديقهم، الأمر الذي أثار غضب أعضاء المجلس القلقين بشأن حدة طباع بولتون، وقيامه بترهيب محللي المخابرات أثناء عمله في وزارة الخارجية.
وكان بوش قد فرغ من الأمر، دون أن يأبه بالرسالة التي بعث بها إليه ستة وثلاثون، من أعضاء الكونجرس، في سابقة لم تتكرر كثيرا في علاقة الرئاسة الأمريكية بالكونجرس، وقد مَثَّلت محوراً ساخناً بين جمهوريين لم يروا في التعيين سوى مكافأة وظيفية لمن ساندوا الرئيس في الفوز بفترة ثانية، بينما أكد الديمقراطيون أن الأمر أبعد من ذلك بكثير.
ورأى المراقبون ــ في حينه ــ أن الدافع والغاية من وراء هذا التعيين، كان إبراز العصا أمام كل من يفكر في عرقلة المشاريع الأمريكية، من خلال المنظمة. وهو عين ما عبر عنه بولتون، فيما بعد بقوله : " إن الأمم المتحدة بحاجة إلى الولايات المتحدة، لتعيدها إلى الصواب.. وإنها يجب أن تركز اهتمامها أكثر على تجاوزات حقوق الإنسان، وعلى مكافحة الإرهاب الدولي". في حين اعتبره آخرون، تعيين عقائدي، ورغبة من بوش في إرضاء قاعدته السياسية، حيث كان المحافظون الجدد ــ وربما لازالوا ــ قوة فاعلة داخل هذه الإدارة، ولبولتون الكثير من الأنصار.
درس "جون بولتون" القانون في جامعة ييل الأمريكية، وأصبح أحد كبار ومشهوري المحامين بعد ذلك، حيث مارس العمل المهني في المحاماة، واشتهر بقدرته على إيجاد الثغرات في القوانين والأنظمة، وكيفية التحايل عليها.
ومما يصفه به أحد المفكرين السياسيين، أنه "يحلل الحرام، ويحرم الحلال" وأنه لو لم تفتح أمامه أبواب المناصب الرسمية، لكان من أشهر وأكبر زعماء المافيا في العالم، ومما يدل على ذلك أنه قام بدعم الحملات الانتخابية للجمهوريين، عن طريق الالتفاف على القوانين والأنظمة، مما مكّـنه من استخدام أموال غير مشروعة لدعم الصقور الأمريكيين.
ويعرف عن الرجل أنه من المحتقرين للقانون الدولي، وكان قد أبدى اشمئزازه منه، ولا يعطي المجتمع المدني بكافة مؤسساته أي وزن، والبرهان على مانقول هو ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في عام 1997م في مقال له كان يتضمن نظرته إلى القانون الدولي، فهو يعتبر أن المعاهدات الدولية ليست قانوناً ملزماً للولايات المتحدة، وأنها ليست سوى ترتيبات سياسية يمكن التحلل منها إلا في حال كانت هذه المعاهدات تحقق خدمة للمصالح الأمريكية.
ويعتبر بولتون من المتحيزين بشدة لليهود وتوجهاتهم، في العالم، إذ كان عضواً في المجلس الاستشاري للمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي.. وخدم في الإدارات الأمريكية المختلفة موظفاً بإمتياز لتنفيذ المصالح الإسرائيلية. وكان أحد أقوى مؤيّـدي الحرب الأمريكية على العراق.. كما أنه من أشد معارضي التوقيع على معاهدة محكمة الجنايات الدولية.
وهو واحد من المتحمسين بشدة لعلاقات إسرائيلية أمريكية متينة، خاصة على الصعيد العسكري، وقاد حملة دولية كللها بالنجاح في إلغاء القرار الأممي 3379 سنة 1991 والذي كان يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، وهو إلى ذلك عضو في الهيئة الاستشارية للمعهد اليهودي للأمن القومي، المعهد الذي يرفع شعار السلام من خلال القوة.
ويعتبر واحداً ممن تبنوا أفكار ريجان ــ الذي عمل له مستشاراً ــ وتاتشر، وقاموا بتطويرها طبقا لمصالحهم فتضامنوا مع اللوبي اليهودي، ولوبي صناعة الدواء، ولوبي البترول. كما كان أحد مساعدي نائب الرئيس الأمريكي، ديك تشيني، في عامي 91 و92.
عمل جون بولتون وكيلا لوزارة الخارجية مكلفاً بالحد من التسلح وبالأمن الدولي، وهو المنصب الذي عارض كولن باول ــ وزير الخارجية الأسبق ــ تكليف بولتون به، وفور توليه المنصب، قال باول: "إن تعيينه للإشراف على مسائل نزع السلاح، يشبه تعيين مولع بالحرائق يشرف على معمل للمفرقعات". حيث عُرِف بمواقفه المتشددة للغاية من الملفين النوويين لإيران وكوريا الشمالية، مسانداً بقوة لإحالتهما إلى مجلس الأمن، ولعب دوراً بارزاً في التخطيط لحرب الخليج الأولى مساعداً لنائب الرئيس آنذاك ديك تشيني، معتبراً الحرب على النظام العراقي حربا على بقايا النازية. كما كان له مواقف متطرفة أثناء التفاوض حول الرقابة على الأسلحة النووية مع الروس.
وبعد تعيينه ــ في المنصب ــ طلب بولتون من خوسيه بستاني المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تقديم استقالته، أو أن يتغاضى عن بعض نتائج أعمال التفتيش في الولايات المتحدة، وكذلك تعيين ممثلين للولايات المتحدة في بعض المراكز الحساسة في المنظمة، لكي يتمتعوا بنفوذ أكبر.
حيث يتهِم بولتون بإساءة معاملة مرؤوسيه الذين يخالفونه الرأي، وبفظاظة اعتبرتها وزيرة الخارجية، كوندوليزا رايس دبلوماسية جسورة، تحتاجها الولايات المتحدة لتحقيق إرادتها خاصة تجاه أنظمة تناهض سياساتها.

علي عبدالعال
القاهرة ــ مصر alyabdelal@gmail.com