حياد النهضة في الانتخابات يضع زعامة الغنوشي على المحك

الغنوشي حين ينقلب السحر على الساحر

تونس - لم يكن يتوقع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية وأحد أبرز مؤسسيها في بداية الثمانينات من القرن الماضي على خلفية عقائدية سلفية متشددة، أن تنتفض ضد "سطوته" الروحية والتنظيمية مختلف هياكل التنظيم بدءا من القواعد وصولا إلى القيادات التاريخية مرورا بالكوادر الوسطى ليواجه "ثورة حقيقية" يقول عدد من قيادات النهضة نفسها إنها "مؤشر قوي على أن الغنوشي يخطو نحو نهايته" كرئيس للحركة بعد أن حاصره "جناح الصقور" الأكثر تشددا منه وبعد أن انفض من حوله "جناح الحمائم ".

طيلة الأسبوع الماضي قطع الغنوشي كل نشاطاته الرسمية ليقود جهادا شاقا داخل قواعد النهضة وكوادرها الوسطى وقياداتها في محاولة لإخماد حريق اشتعل للقضاء على سطوته داخل مختلف هياكل التنظيم الإخواني الذي أداره خلال أربعة عقود على قاعدة "السمع والطاعة" مستفردا وحده بالقرار في حالة مشابهة لاستبداد بعض الخلفاء الذين كانوا يقودون "المؤمنين" بحد السيف.

فقد أقر رئيس مجلس شورى النهضة فتحي العيادي بأن الغنوشي "وضع كل ثقله" داخل مختلف الهياكل التنظيمية وأجرى معها لقاءات من أجل "تهدئتها" وإقناعها بموقف "الحياد" الذي أعلنته الحركة تجاه المرشحين الاثنين في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، الباجي قائد السبسي ومنصف المرزوقي.

وكشف العيادي أن رئيس الحركة واجه "صعوبات" في "إقناع" النهضويين الذين حملوه مسؤولية الأزمة السياسية والتنظيمية التي تمر بها النهضة مطالبين بـ"إتخاذ موقف علني واضح يدعم أحد المترشحين" في إشارة إلى دعم الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي.

غير أن الغنوشي "تمسك" بالتزام الحياد العلني والدعم السري لحليفه المرزوقي في محاولة رأى فيها المحللون السياسيون أنها "نصف مغازلة" لمرشح القوى الوطنية والديمقراطية الباجي قائد السبسي طمعا في تشريك النهضة في الحكومة القادمة على الرغم من أن نداء تونس حسم الأمر بإبعاد الحركة بعد أن حصل على الأغلبية البرلمانية للقوى الليبرالية والديمقراطية.

وعلى الرغم من أن بيان مجلس شورى الحركة أبقى على موقف "الحياد" العلني و"الدعم" السري فإن الجهود التي قادها الغنوشي لإخماد لهيب الانتفاضة التي قامت ضده باءت بالفشل وباتت هياكل التنظيم الإخواني مهددة بالتفكك في ظل تعالي الأصوات المطالبة بوضع حد "للقرارات الفوقية" وإشراك الكوادر والقواعد في قرارات تعد مصيرية لا بالنسبة للنهضة فحسب وإنما بالنسبة لمستقبل البلاد ايضا وهي تخطو نحو آخر مرحلة من مراحل مسار الانتقال الديمقراطي.

سطوة تتبخر

كثيرا ما افتعلت حركة النهضة الخلافات الداخلية لتخادع بها السياسيين على أنها "مؤشر على حرية الرأي" كان يصفها الغنوشي بأنها "تعكس تلوينات داخل تنظيم يؤمن بالديمقراطية" حتى أنه كان يروج بأن "موقفه لا يحظى دائما بالإجماع، زاعما أنه مرة يجد نفسه مع الأغلبية ومرة مع الأقلية"، لكن الأزمة التي تمر بها النهضة هذه المرة هي أزمة حقيقية عصفت بمكانة رئيس الحركة ومزقت سطوته من قبل "جيش من المجاهدين" نشأ على أساس التشدد الديني الذي زرعه الغنوشي نفسه.

خلال عقود أربعة كان الغنوشي يقود تنظيما سريا هو أشبه بـ"الطائفة" المغلقة والمنطوية على نفسها في مجتمع متعدد فكريا وسياسيا تتفاعل داخله تيارات علمانية ويسارية وليبرالية ووطنية، تنظيما ينشط في تونس لكن مرجعيته مزيج من السلفية والإخوانية تنهل من أفكار لا علاقة لها بالمجتمع مثل تلك التي يتبناها جمال الدين الافعاني وأبو الأعلى المودودي وحسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين كما تنهل من الفكر السلفي لإبن تيمية وابن قيم الجوزية.

وكان الغنوشي الذي زج بآلاف من الشباب في مجتمع متفتح ذي مسحة ليبرالية في أتون التعصب والتشدد يتمتع بـ"هالة روحية" لا تقل تأثيرا عن تأثير "المرشد الروحي" ما جعل النهضة "تنظيما عقائديا بامتياز" بعيدا كل البعد عن البراغماتية السياسية التي تستوجبها المشاركة في الشأن العام.

غير أن "المرشد الروحي" للنهضة الذي قضى أكثر من عشرين سنة في لندن لينسج علاقات وثيقة مع قيادات التنظيم الدولي للإخوان وقيادات الجماعات السلفية الملاحقة من قبل بلدانها لم يكن يتحسس أن الحركة التي أسسها بدأت تنخرها "الخلافات" بعضها عقائدي وبعضها سياسي وبعضها جهوي مرتبط بالخارطة السياسية للبلاد.

ومع عودته إلى تونس بعد سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني، صدم الغنوشي بأن الحركة يشقها تياران أساسيان، تيار متشدد يوصف بالصقور بسط نفوذه على مؤسسات الحركة مثل مجلس الشورى والمكتب السياسي وتيار يوصف بالحمائم تم تهميشه تنظيميا واستبعاده من مراكز القرار.

وتعترف قيادات النهضة أن صدمة الغنوشي لم تدم طويلا إذ "التقطها بدهاء ديني وسياسي" ليجعل منها "مدخلا" يراهن فيه على ازدواجية المواقف وتقديم الحركة على أنها "ليست كتلة واحدة بل هي فضاء لتعدد المواقف والآراء" في مسعى لإقناع التونسيين بأن التنظيم ليس إخوانيا ولا هو ذراع للتنظيم الذي أسسه المصري حسن البنا وإنما هو حركة تونسية وجزء من المشهد السياسي.

تقية الديمقراطية

طيلة السنوات الثلاث الماضية استفاد القيادي الإخواني نسبيا من تصدع التنظيم ليرسخ استبداده بالرأي بـ"تقية" المحافظة على كيان الحركة فانتهج خطابا مزدوجا ينتصر في العلن لقيم الحرية والديمقراطية التي يطالب بها التونسيون وينتصر سريا لمشروع الحركة في الدفع باتجاه دولة دينية ومجتمع سلفي يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وبقدر ما عمق الخطاب المزدوج الهوة بين النهضة والمجتمع التونسي عمق هوة أخرى لا تقل خطورة بين "جناح الصقور" و"جناح الحمائم" داخل حركة كثيرا ما تفتخر بتماسك تنظيمها.

ومع وصول النهضة إلى الحكم في انتخابات 2011 واحتكاكها بمؤسسات الدولة بدت الحركة تخطو باتجاه تصدع حقيقي إذ في الوقت الذي كان يحاول فيه رئيس الحكومة آنذاك حمادي الجبالي إلى البراغماتية السياسية في إدارة الشأن العام كان المتشددون يمارسون شتى الضغوطات من أجل تنفيذ أجندة الحركة الأمر الذي دفع بالجبالي إلى الاستقالة.

وجد الغنوشي في استقالة الجبالي من الحكومة فرصة لسطو المتشددين على رئاسة الحكومة لذلك عين "صقر الصقور" المقرب منه علي العريض الذي جر البلاد إلى أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية قادت إلى انتفاضة المجتمع على النهضة مما أجبرها على التنحي عن الحكم لفائدة حكومة كفاءات غير متحزبة.

وأحاط رئيس حركة النهضة نفسه بحزام من القيادات المتشددة وهي قيادات تلتقي مع القواعد فكريا وعقائديا إذ تنتصر إلى المنهج السلفي لذلك كانت تعمل على الأرض بالتنسيق مع الجماعات السلفية بما فيها الجهادية مثل أنصار الشريعة في تحد صارخ لثقافة المجتمع وقيمه المتسامحة.

وفي الوقت الذي همش فيه الغنوشي قيادات تاريخية مثل عبد الفتاح مورو وحمادي الجبالي عزز نفوذ القيادات السلفية المتشددة مثل العريض والحبيب اللوز والصادق شورو وعبداللطيف المكي وهي قيادات أحكمت قبضتها على مجلس الشورى وعلى المكتب السياسي للحركة كما مدت جسور التواصل مع القواعد المشحونة بعقيدة سلفية وفكر متشدد.

ومع تنامي نفوذ الجناح المتشدد سواء داخل مؤسسات النهضة أو في صفوف قواعدها بدأ الخناق يضيق على راشد الغنوشي الذي يسعى إلى تلميع صورة الحركة التي اهتزت لدى الرأي العام نتيجة فشلها في الحكم وعجزها عن إدارة دواليب الدولة بنجاح وعدم الوفاء بوعودها التي قطعتها في انتخابات أكتوبر 2011.

رهينة في أيدي صقور النهضة

بدا الغنوشي الذي قادته تجربة الحكم الفاشلة إلى صدمة قاسية "متأرجحا" بين رجل الدين ورجل السياسة، حتى أن السياسيين لا يترددون في وصفه بأنه "لا هو بالفقيه ولا هو بالسياسي" وهو مؤشر على أن القيادي الإخواني فشل في رسم صورة مقنعة له لدى التونسيين الدين لم يتعودوا على شخصية مزدوجة تحاول الترويج لخطاب جماعات الإسلام السياسي.

وفيما كان يقود جهودا لانقاذ النهضة من أزمة خانقة قادتها إلى نكسة في الانتخابات البرلمانية في إطار تعهداته للحلف التركي القطري كانت القيادات المتشددة تعزز مواقعها داخل التنظيم ومؤسساته وقواعده لتبرز كقوة ضاغطة لا تهدد الحمائم فقط بل تهدد "سطوة" الغنوشي ذاته.

لم يكن انتصار رئيس النهضة للمتشددين بعيدا عن الحسابات الدينية والسياسية إذ كان يراهن عليهم في مواجهة القوى السياسية الديمقراطية التي ترفض مشروع النهضة غير أنه لم يكن يتوقع أن ذلك الانتصار سيرتد عليه ليجد نفسه أسير تنظيم أكثر منه تشددا لم يتردد في تحميله مسؤولية انهيار أجندة الحركة الأمر الذي دفع بالقيادي التاريخي عبدالفتاح مورو بالتأكيد على أن نهاية الغنوشي كرئيس للنهضة ستكون قريبة بعد أن حاصره متشددون يرفضون الانفتاح على مشهد سياسي تعددي يحظى فيه العلمانيون بتأييد سياسي وشعبي كبير.

وتقول مصادر قيادية في النهضة أن الغنوشي استشعر خطورة المتشددين على مكانته في حركة أسسها بنفسه حتى أنه "هدد خلال الاجتماعات الأخيرة لمجلس الشورى بالاستقالة" في محاولة لاستعادة نفوذه الديني والسياسي وهي الحادثة الأولى من نوعها.

غير ان متابعين للحركة الإسلامية يقولون إن الغنوشي "أصبح رهينة في قبضة تنظيم متشدد نهل تشدده من فكر الغنوشي نفسه، حيث تسلحت قيادات تاريخية وقواعد بنفس الفكر الإخواني السلفي لتشق عصا الطاعة في حالة تشبه انقلاب السحر عن الساحر".

ويتوقع المتابعون لجماعات الإسلام السياسي أن الانتفاضة التي تشهدها النهضة لن تقف تداعياتها عند استقالة الجبالي ولا عند الضغوطات التي يمارسها عدد من القيادات مثل الحبيب اللوز والصادق شورو وإنما ستقود إلى نهاية راشد الغنوشي كرئيس للنهضة .

كما يتوقع المراقبون أن يتفكك تنظيم الحركة الإخوانية خلال الفترة القادمة لينشطر إلى شطرين على الأقل، تيار سلفي متشدد قريب من الجماعات السلفية وتيار معتدل يميل إلى بناء حزب سياسي مدني.

ويبدو، بالنسبة للمحللين السياسيين، أن الخاسر الوحيد من الأزمة التي تمر بها حركة النهضة هو رئيسها راشد الغنوشي الذي يخطو خلال هذه الفترة باتجاه نهايته بعد أن فشل في تنفيذ أجندة التنظيم الدولي للإخوان الذي صنفته دول عربية تنظيما إرهابيا.

ويتحدث محللون عن "النهضة ما بعد الغنوشي" مشيرين الى أن طبيعة الثقافة السياسية للمجتمع التونسي وهي ثقافة مشدودة للحداثة وقيمها المدنية ستنهي الأمل الأخير للإخوان مع نتائج الانتخابات الرئاسية التي يرجح أن يفوز فيها مرشح القوى الوطنية والديمقراطية الباجي قائد السبسي.