حول نيوماركسية النيومحافظين

بقلم: الطاهر الأسود

في مقال سابق ("محاولة لتقييم شمولي للحظة الراديكالية الراهنة") كنا اقترحنا تقاطعا بين ظاهرتين تبدوان على طرفي نقيض: البلشفية والقاعدية. أشرنا الى أن طبيعة ذلك التقاطع مزدوجة، تتعلق بالأمور النظرية (ما سميناه "الطهرية") وجانب الظرفية التاريخية ("اللحظة الراديكالية"). طبعا يمكن أن يبدو ذلك التلاقي مفارقا. غير أن ما هو مفارق ليس بالضرورة غير واقعي. توجد في الواقع مفارقات أخرى تستحق الانتباه.
سنتتبع هنا أحدها: ومرة أخرى يتعلق الأمر بـ "أطياف ماركس" Specters of Marx (حسب تسمية فيلسوف التفكيكية الراحل أخيرا جاك دريدا) التي لا تزال تخيم على واقعنا الراهن بالرغم من كل محاولات التناسي. لا يتعلق هذا المقال تحديدا بجرد مختلف المعطيات التي تؤكد على الأصل التروتسكي أو النيوماركسي لشخصيات رئيسية في التيار النيومحافظ. ولكن سنقوم بذلك لا لسبب إلا لتجاوز الأسلوب الذي يتبعه الكثير من المحللين (بما في ذلك العرب) والذي يعتمد على تكرار معلومات عامة عن "تروتسكية" النيومحافظين دون بذل أي عناء لاستقصاء جدي لهذه المسألة.
لكن في الحقيقة لا تستحق هذه النقطة إهتماما في ذاتها كما يمكن أن يعتقد البعض. ما يجعل مسألة تتبع الجينيولوجيا الايديولوجية لبعض الشخصيات النيومحافظة مسألة مهمة هو ما توفره من معطيات لاقتفاء أثر الجينيولوجيا الايديولوجية للفكر النيومحافظ ذاته.
ولكن من الضروري توضيح نقطة اصطلاحية في البداية. يجب النظر الى التروتسكية كرؤية نيوماركسية في الأساس. ينسحب ذلك على مدارس أخرى: اللينينية، الماوية، الغيفارية، وحتى الاشتراكية-الديمقراطية في أحيان كثيرة... وهنا يمكن للرؤية الماوية مثلا أن تنفي عن الرؤية التروتسكية ماركسيتها، والعكس بالعكس، ولكن نرى أنه متى اعتبرت أي من هذه المدارس الرؤى الماركسية منبعا رئيسيا للإلهام النظري فيجب الإقرار شكليا على الأقل بحقها في إدعاء ما تشاء. وهنا إصرارنا على مصطلح "نيوماركسية" أساسي في فهم أصول النيومحافظين وفكرهم حيث تم التركيز بشكل مبالغ فيه (خاصة في الولايات المتحدة) على الأصول التروتسكية دون غيرها للنيومحافظين وهو ما همش أصولا غير تروتسكية ولكن نيوماركسية على أي حال للنيومحافظين، كما أدى الى التركيز على النواحي الحزبية والتنظيمية على حساب النواحي الايديولوجية في أغلب التحليلات كما سنرى لاحقا. سنطرح هنا مسألتين: أولا(مسألة الجينيولوجيا التنظيمية)، من هي الشخصيات النيومحافظة التي كانت تنتمي لتنظيمات تروتسكية أو نيوماركسية؟ ثانيا (مسألة الجينيولوجيا الايديولوجية)، هل كانت نيوماركسية هؤلاء (التي تمردوا عليها ظاهريا) مصدرا أساسيا في نهاية الأمر لصياغة رؤيتهم النيومحافظة؟
الجدال حول "تروتسكية" النيومحافظين
سال الكثير من الحبر في أمريكا الشمالية حول مسألة "الأصل التروتسكي" لشخصيات نيومحافظة اختلطت فيه الحقيقة في أحيان كثيرة بالخيال. ظهرت أولى المقالات الجدية حول هذه المسألة منذ بداية التسعينات في إطار رد فعل "الباليومحافظين" ("المحافظون القدامى") على بداية اكتساح النيومحافظين للحزب الجمهوري. غير أن أهم المقالات والدراسات كانت على الخصوص إثر بداية الحرب على العراق والبزوغ غير المسبوق لنجم النيومحافظين. حينها حاول عدد من الكتاب المحافظين القدامى (مثل بات بوكانان) تنظيم حملة على هؤلاء من جهة غير متوقعة: حيث تمت إثارة وقائع تشير الى أن عددا من الذين يتصدرون اليمين الأمريكي كان ينشط في أوساط يسارية راديكالية قبل الالتحاق بالتيار النيومحافظ بل والمساهمة في إنشائه.
أفرزت هذه الحملة ردودا من الجانب الاخر ساهمت في النهاية في تأكيد الوقائع المذكورة أكثر من نفيها بل والتدقيق فيها أحيانا. كُتبت أكثر المقالات إثارة في علاقة بهذا الموضوع في شهر يونيو/حزيرن سنة 2003 حيث وصل الجدال أوجه بين الطرفين.
يتعلق الأمر على وجه الخصوص بثلاث مقالات: في عدد 7 يونيو/جوان من اليومية الكندية الناشيونال بوست كتب الصحفي الكندي جات هيير Jeet Heer مقالا طويلا عنونه بشكل مثير "شبح تروتسكي يجول في البيت الأبيض" عرض فيه معطيات تاريخية تشير الى "تروتسكية الكثير من الشخصيات النيومحافظة". بعدها، وبسرعة قياسية، لقي المقال ردا عنيفا في النشرية النيومحافظة الرئيسية الناشيونال ريفيو وهو ما عكس إنزعاجا نيومحافظا من مقال هيير خاصة أنه لاقى رواجا فوريا في بعض الدوريات والمواقع الاخبارية الأمريكية. الرد الأول كتبه الباحث في مؤسسة هوفر أرنولد بايشمان Arnold Beichman في عدد 9 يونيو/حزيران والرد الثاني كتبه أحد الوجوه الهامة من التيار النيومحافظ والذي يعتبر من الشخصيات المعنية بهذا النقاش بوصفه تروتسكيا سابقا ستيفان شفارتز Stephen Schwartz في عدد 11 يونيو/حزيران.
ما سنعرضه هنا من معطيات يعتمد جزئيا على ما ورد في هذه المقالات. ولكن أهم مصادرنا ستكون كتابات شخصيات أخرى رئيسية في التيار النيومحافظ خاصة مذكرات أهم شخصية نيومحافظة على الاطلاق إرفينغ كريستول Irving Kristol المنشورة على التوالي سنتي 1983 و1995. بالإضافة الى ذلك سنعتمد على مقال يتميز بتحقيق دقيق للمعلومات (بعنوان "النيومحافظين والتروتسكية") للصحفي والباحث الكندي ويليام كينغ William King نشره في اذار/مارس 2004 في موقع الكتروني للمحافظين الكنديين وتم طبعه في عدد كانون الأول/ديسمبر 2004 من دورية American Communist History. كما سنرجع الى بعض المراجع الأخرى والتي سنذكرها في حينها. وهنا من الضروري الاشارة مرة أخرى الى أننا ركزنا على مسألة تحقيق المعلومات وذلك بسبب الخلط الذي اعترى الكثير من الكتابات وذلك بتأثير الظروف السياسية التي أحاطت بالنقاش.
نيومحافظون ولكن نيوماركسيين سابقا: الجيل الأول
يوجد جيلين من النيومحافظين مثلما يوجد جيلين من التروتسكيين أو النيوماركسيين الذين تحولوا الى نيومحافظين. الجيل الأول عاش نيوماركسيته في خضم المد النيوماركسي في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، في حين عاش "تخلصه من الوهم الماركسي" ومسيرته نحو اليمين ثم التأسيس للتيار النيومحافظ منذ الأربعينات. الجيل الثاني عاش نيوماركسيته حتى المد النيوماركسي ستينات القرن الماضي، في حين توصل الى "الخلاص" النيومحافظ في السبعينات. عندها، أي في السبعينات، تشكل بشكل نهائي الاطار الفلسفي للنيومحافظين. لنبدأ بالجيل الأول وبأهم عناصره على الاطلاق إرفينغ كريستول.
لم تمض بعد بضع سنوات على وعي التيار النيومحافظ بذاته (أواسط السبعينات حين تجمع أهم أقطابه في "معهد المؤسسة الأمريكية للسياسات العامة" AEI في واشنطن) عندما نشر كريستول مذكراته في شكلها الأولي سنة 1983. في العنوان تحديدا تم الاعلان عن تسمية التيار الجديد: "تأملات نيومحافظ" Reflections of a Neoconservative، وبمعنى اخر كانت المذكرات الشخصية لكريستول مناسبة لنشر مانيفستو هذا الفريق الجديد. غير أن عنوان الفصل الأول كان ذي مغزى خاص: "مذكرات تروتسكي". كان من الواضح أن عراب التيار النيومحافظ لم يكن يرى حرجا في الحديث عن هويته التروتسكية السابقة فحسب بل أكثر من ذلك يعمل جاهدا على إبرازها كفصل رئيسي في دراميته الشخصية. يروي كريستول أنه أصبح تروتسكيا عندما التحق بالمؤسسة التربوية المشهورة "معهد مدينة نيويورك" وذلك خلال الثلاثينات. ويرمز الى تلك المرحلة من خلال الموقع الذي كان يجتمع فيه مع بقية مجموعته وهو "قاعة المراجعة والأكل رقم 1" (مقابل القاعة رقم 2 الأكبر مساحة والتي كانت مقر "اليسار الستاليني"). ولم يكن كريستول متعاطفا فحسب بل كان عضوا منتظما في التنظيم التروتسكي "شبيبة رابطة الشعب الاشتراكية-الأممية الرابعة" والذي كان منتشرا في الأوساط الشبابية المثقفة في نيويورك (ولكن الأقل تأثيرا من التنظيم اليساري الرئيسي في الأوساط الشبابية "شبيبة الرابطة الشيوعية" الموالية للخط الستاليني انذاك). يذكر كريستول أسماء عناصر خلية "معهد مدينة نيويورك" ومن المثير أن غالبيتها أصبحت إما متموقعة ضمن التيار النيومحافظ أو قريبة منه. من ضمن هؤلاء نذكر: عالمي الاجتماع سيمور ليبست Seymour Lipset ودانيال بالDaniel Bell والذين تميزا في السنوات الأخيرة بـ "نظرية بال-ليبست حول نهاية الايديولوجيا". عالم الاجتماع أيضا ناثان قلايزر Nathan Glazer. ميلفين لاسكي Melvin Lasky رئيس تحرير نشرية واجهة للمخابرات المركزية خلال الحرب الباردة والتي ساهم كريستول نفسه في تأسيسها وهي نشرية "انكاونتر" Encounter. من الضروري الإشارة الى أن غالبية هذه الخلية (مثلما هو الحال بالنسبية لغالبية طلبة "معهد مدينة نيويورك") يتحدرون من الطبقات الفقيرة والمتوسطة للأقلية اليهودية وقد تقلدوا ولايزالون أدوارا رئيسية في المؤسسات الرئيسية للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. علينا أن نضيف الى الأسماء أعلاه الصديقين المقربين في نيويورك لكريستول وزوجته (بالرغم عدم مرورهما من "معهد مدينة نيويورك") من الأوساط التروتسكية نورمان بودوراتز Norman Podhoretz الناشر لاحقا للدورية النيومحافظة (والموالية أيضا للوبي الصهيوني) "كومنتري"Commentary، وزوجته ميدج ديكتر Midge Decter والتي كانت شريكا ملازما لكريستول في الأنشطة التي قام بها خاصة خلال ترؤسها لأحد واجهات المخابرات المركزية الأمريكية "لجنة العالم الحر" Committee on the Free World في الصراع ضد السوفيات خلال الحرب الباردة.
القتال الايديولوجي ضد السوفيات
انتقل هؤلاء جميعا في نفس الفترة تقريبا، أي خلال الأربعينات، الى اليمين الراديكالي حيث شارك عدد منهم في الحرب العالمية الثانية وكتبوا خلال ذلك أو فيما بعد مجموعة من المقالات والمؤلفات تنتقد إلتزامهم السابق برؤى يسارية راديكالية وتراجع موقفهم من دور الولايات المتحدة كقوة جديدة عالميا. وأتى هذا التحول في ظرفية صعبة للتنظيمات التروتسكية عالميا بما في ذلك في الولايات المتحدة حيث تراجعت جاذبيتها خاصة بعد نجاح ستالين في اغتيال تروتسكي سنة 1940 والانتصار التاريخي للاتحاد السوفياتي في الحرب. ومن الواضح أنه في الوقت الذي تخلوا فيه عن الرؤى التروتسكية فقد حافظوا على موقفهم المعادي بشدة للمعسكر السوفياتي وهو ما جعلهم بشكل مستمر من أنصار التصعيد والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي وهو ما ميز هوية التيار النيومحافظ في ظرفية الحرب الباردة خاصة خلال السبعينات والثمانينات.
ومن أهم الدراسات الصادرة أخيرا والتي تركز خاصة على علاقة الجيل الأول من النيومحافظين بالمخابرات الأمريكية وبحربها الثقافية ضد السوفيات مؤلف صادر سنة 2002 للباحث البريطاني جيل سكوت-سميث Giles Scott-Smith بعنوان: The Politics of Apolitical Culture. ويشير سكوت-سميث الى أن كرسيتول وعددا من رفاقه السابقين كانوا في مقدمة الفريق الذي عمل على إنشاء واجهات ثقافية للاستخبارات الأمريكية خاصة من خلال المشاركة بنشاط في تأسيس "المؤتمر من أجل الحرية الثقافية" Congress for Cultural Freedom سنة 1950 إثر لقاء بالعاصمة الألمانية برلين والذي واصل العمل حتى افتضاح علاقته الوثيقة بالمخابرات الأمريكية سنة 1966. ونفس الشيء ينطبق على "لجنة العالم الحر" التي تم تأسيسها سنة 1981 أو نشرية "انكاونتر" والتي تأسست سنة 1953 في لندن. وكان الهدف الرئيسي لهذه المبادرات تجميع مثقفين خاصة من الأوساط اليسارية الأوروبية المعادية للاتحاد السوفياتي، وهكذا كان من أهم العناصر التي تم جذبها لهذه المؤسسات شخصية مؤثرة مثل الكاتبة حنا أرندت Hannah Arendt مؤلفة الكتاب الذائع الصيت "جذور الشمولية" The Origins of Totalitarianism كما تمت اتصالات ومحاولات (فاشلة في أحيان كثيرة) لجذب مفكرين اخرين مؤثرين في الأوساط اليسارية غير الموالية للسوفيات مثل سارتر وميرلوبونتي.
غير أن "المؤتمر من أجل الحرية الثقافية" ضم عددا كبيرا من الناشطين النيوماركسيين سابقا (بما في ذلك المنتمين لأحزاب شيوعية موالية للسوفيات) أقل شهرة من الأسماء أعلاه ولكنهم تقلدوا مواقع رئيسية فيه، يتعلق الأمر خاصة بسيدني هوك وجيمس بورنهام (الولايات المتحدة) وأرثر كوستلر (المجر) وتشارلز بليسنيير (بلجيكا) ونيكولاس نابوكوف (روسيا- تحصل لاحقا على الجنسية الأمريكية). وبعض هؤلاء كانوا أيضا عناصر أساسية في المرحلة التأسيسية للنيومحافظين: على سبيل المثال جيمس بورنهام ساهم في الخمسينات بشكل كبير في تأسيس النشرية الرئيسية حتى الان للنيومحافظين أي الناشيونال ريفيو.
وقد كان هذا التوجه الأمريكي الاستخباري في الحقل الثقافي متوازيا مع مشاريع أخرى ضمن خطة أمريكية عامة تنزع للاستثمار السياسي في الأوساط اليسارية التي كانت تهيمن على المشهد العالمي وذلك من خلال التركيز على الأطراف المعادية للأطراف الشيوعية في نسختها السوفياتية. وعلى سبيل المثال تجسدت هذه الخطة على مستوى الحركة النقابية العالمية من خلال دعم النقابات المعادية للسوفيات ولعب نقابي أمريكي ذائع الصيت مثل جاي لوفستون Jay Lovestone والذي كان عضوا في الحزب الشيوعي الأمريكي (قبل طرده في الثلاثينات) دورا عالميا مميزا اخترق عبره الكثير من النقابات على المستوى الدولي خاصة في الدول حديثة الاستقلال لتجميعها في تحالفات مضادة للنقابات الموالية للسوفيات. ومن المعروف الان أن لوفستون كان موظفا كبيرا في المخابرات المركزية الأمريكية مثلما كان صديقا مقربا من قيادات نيومحافظة رئيسية مثل سكوب هنري جاكسون (يتعرض كتاب صدر سنة 1999 بالتفصيل وبالاعتماد على الوثائق والشهادات لحياة لوفستون: الكتاب تأليف تيد مورغان بعنوان A Covert Life).
نيومحافظون ولكن نيوماركسيين سابقا: الجيل الثاني
بالرغم أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الجيل الأول والجيل الثاني من نيوماركسيي النيومحافظين إلا أن هناك رابطا قويا يستدعي الانتباه. يتعلق ذلك أساسا بشخص رئيسي في الأوساط النيوماركسية الأمريكية طوال القرن العشرين: ماكس شاختمان Max Shachtman. وتتقاطع مسيرة شاختمان مع الجيل الأول وتحديدا خلايا نيويورك التروتسكية من "شبيبة رابطة الشعب الاشتراكية-الأممية الرابعة" وخاصة خلية "معهد مدينة نيويورك". ففي البداية كانت هذه المجموعة بمثابة الذراع الطلابية للتنظيم التروتسكي الأساسي في الولايات المتحدة والذي لم يتأسس فعليا إلا سنة 1938 أي "حزب العمال الاشتراكي" بقيادة جيمس كانون (في الواقع كانت هناك كتلة تروتسكية لها استقلالية تنظيمية قبل ذلك التاريخ غير أنها بقيت جزءا من "الحزب الاشتراكي" الأمريكي حتى اقتنعت بالانفصال تحت ضغوط تروتسكي نفسه). غير أنهم انضموا (بما في ذلك عناصر خلية "معهد مدينة نيويورك" مثل كريستول وليبست) الى فصيل جديد نشأ على إثر انقسام طرأ على الحزب تعمق خاصة إثر مقتل تروتسكي سنة 1940 وكان ذلك الفصيل الجديد "حزب العمال" بقيادة شاختمان، والذي يذكره كريستول بشيء من الاحترام في مذكراته، وجه انتقادات لغموض موقف الحزب من المسألة الديمقراطية وقدم تأويلا جديدا لموقف تروتسكي من ذلك (تم ذلك خاصة في مقدمة كتبها شاختمان لطبعة شهيرة سنة 1943 من أحد المؤلفات الأخيرة لتروتسكي The New Course ترجمها شاختمان بنفسه مثلما ترجم عددا اخر من مؤلفات تروتسكي).
لم تدم هذه العلاقة عاما واحدا حيث انضم كريستول ومجموعة نيويورك الى انشقاق اخر ضمن "حزب العمال" وجه انتقادات للخلفية التروتسكية و"البلشفية" للتنظيم وأبدى تركيزا أكبر على المسألة الديمقراطية. لا بد من الاشارة هنا أن أرقام الناشطين في جل هذه التنظيمات لم يتجاوز خلال هذه الفترة في أحسن الحالات الألف عنصر. غير أنه في هذه الحلقة الضيقة تتكرر الأسماء التي ستشكل القيادات المؤسسة للتيار النيومحافظ: وعلى سبيل المثال فإن شاختمان كان على علاقة وثيقة نظريا وعمليا خلال هذه النزاعات مع كل من سيدني هوك وجيمس بورنهام وهي العلاقة التي ستنتهي الى القطيعة إثر التشخيص السلبي بشكل مطلق الذي توصل اليه الأخيرين للتجربة السوفياتية في حين رفض شاختمان هذا الموقف. إثر هذه القطيعة مع الجيل الأول للنيومحافظين لن تتقاطع مسارات الأخير مع النيومحافظين إلا بعد سنوات كثيرة عندما بادر شاختمان بتبني تكتيكات ومواقف نظرية غير مسبوقة من حيث قطعها مع ماضيه التروتسكي. ففي سنة 1958 انضم شاختمان مرة أخرى مع ما تبقى من الموالين له الى "الحزب الاشتراكي" المغمور والذي كان يسعى لتأسيس قطب ثالث في الولايات المتحدة. غير أنه قرر سنة 1964 الالتحاق بالحزب الديمقراطي بعد التوصل الى موقف استحالة الدفع بإصلاحات اجتماعية خارج النظام السياسي القائم وبالتالي خارج الحزبين الرئيسيين. وهو موقف عنى التخلي نهائيا عن نظرية "الثورة البروليتارية" على الأقل بمعناها البلشفي، ولكنه بقي يحاجج من موقع نيوماركسي بالأساس يدافع فيه عن "الطابع الماركسي" لرؤاه.
غير أن هذا التحول الكبير كان أكثر وضوحا على جبهة القضايا الخارجية حيث أصبح شاختمان تدريجيا رأس حربة ضمن الحزب الديمقراطي للدفاع عن الحرب الأمريكية في الفيتنام ورفض الانسحاب. وقد بوأت هذه المواقف الحاسمة على الجبهة الداخلية (إصلاحات اقتصادية والدفع تجاه إدماج السود وحل مشاكل الحقوق المدنية) والقضايا الخارجية (التمسك بالحرب في الفيتنام على أساس الايمان بالدور الطليعي للولايات المتحدة في حماية "العالم الحر") مجموعة شاختمان موقعا مميزا داخل الحزب الديمقراطي منذ سنة 1964 جعلتهم يمسكون بسرعة موقع القرار في الحزب ومن ثمة في البيت الأبيض من خلال تبني الرئيس ليندون جونسون أجندتهم السياسية. وعلى هذا الأساس أصبح أبرز القادة في الحزب من مجموعة شاختمان ويتعلق ذلك على وجه الخصوص بالفريق الذي تحلق حول السيناتور هنري سكوب جاكسون Henry Scoop Jackson وأصبح بمثابة حكومة ظل خلال فترة نيكسون. وهنا الحلقة المفتاح بالنسبة للجيل الثاني للنيومحافظين: حيث أصبح من المعروف على نطاق واسع الان بأن سكوب جاكسون وأهم مساعديه من أنصار شاختمان (مثل جوشوا مورافشيك Joshua Muravchik) كانوا الرعاة الأساسيين للأقطاب الحاليين للنيومحافظين خاصة بول وولفويتز وريتشارد بيرل.
نيوهيجلية الفكر النيومحافظ والنيوماركسية
كنا تعرضنا في الجزء أعلاه الى الجينيولوجيا التنظيمية لبعض الرموز النيومحافظة وأشرنا بشكل مختصر الى أصولها النيوماركسية من ناحية انتماءاتها الحزبية السابقة. وفي الواقع لا تعني تلك المعطيات أي شيئ في ذاتها: حيث يضم التيار النيومحافظ وجوها كثيرة لم تنتم الى أي تنظيم تروتسكي أو نيوماركسي. على سبيل المثال فإن شخصية محورية في التيار النيومحافظ مثل السفيرة الأمريكية السابقة في الولايات المتحدة خلال فترة الرئيس رونالد ريغان، جين كيركباتريك Jeane Kirkpatrick لم تنضم الى أي تنظيم مماثل. ومثلما ذكرنا فإن شخصا رئيسيا خاصة في المراحل الأولى للتيار النيومحافظ مثل هنري سكوب جاكسون لم يكن هو نفسه منتميا لتيارات نيوماركسية رغم تحلق تيار شاختمان في الحزب الديمقراطي حوله. كما أن شخصا مثل بيل كريستول، نجل عراب التيار النيومحافظ إرفينغ كريستول، وأحد أهم الوجوه المنظرة في التيار في الوقت الراهن لم ينتم البتة، مثلما كان حال والده، الى أي تنظيم تروتسكي أو حتى يساري، إلا إذا قررنا أنه كان نيوماركسيا من خلال جيناته الوراثية. هذا بالاضافة طبعا لقيادات سياسية رئيسية في التيار النيومحافظ في الوقت الراهن مثل ديك تيشني ورامسفيلد والرئيس بوش الابن نفسه والتي لم يكن لها أي علاقة بتيارات نيوماركسية. وهكذا من حق بعض المعلقين (مثل ويليام كينغ) انتقاد الروح التبسيطية في بعض الكتابات اليسارية أو المحافظة والتي تكتفي بجرد التاريخ الشخصي لبعض القيادات النيومحافظة لاستخلاص علاقة وطيدة بين الفكر النيومحافظ والتروتسكية. كما أنهم على حق حينما ينتقدون نفس هذه الكتابات في قراءتها التجزيئية والانتقائية للتروتسكية لكي تجعلها ملائمة للخيارات الاستراتيجية والسياسية للنيومحافظين: وهكذا تبدو قراءات من نوع أن هناك استنساخا نيومحافظا لنظرية تروتسكي حول "الثورة الدائمة" في قالب نظرية "الحرب الاستباقية" أو "نشر الديمقراطية بالقوة العسكرية" تبدو نابعة عن عدم فهم لرؤى تروتسكي نفسه، حيث تعتقد أنه كان ينادي بزحف الجيش الأحمر السوفياتي لنشر الشيوعية عالميا وهو في الحقيقة موقف "اليسار البلشفي" مباشرة بعد ثورة اكتوبر والذي انتقده في حينه تروتسكي وأنصاره جنبا الى جنب لينين.
كل هذه الانتقادات صحيحة وتستحق الانتباه خاصة من ناحية تحذيرها من النزعة التبسيطية. غير أننا نعتقد أن هذه الانتقادات تسقط بدورها في الانتقائية والتبسيطية وذلك من خلال حصرها النقاش في التروتسكية وتناسيها للاطار الفلسفي العام الأكبر بالضرورة من الانتماءات السياسية والحزبية. وحالما ركزنا على الفكر النيومحافظ من خلال الرؤية الفلسفية والتي تتجاوز بالضرورة الاجتهاد التروتسكي وإذا وضعنا الماركسية والاجتهادات النيوماركسية خلال السنين الأخيرة (مهما كانت أطرها الحزبية أو التنظيمية) كخلفية فلسفية للنقاش لأصبحت الأمور، حسبما نرى، أكثر قابلية للفهم. وهكذا فإن انتماء الكثير من منظري التيار النيومحافظ الى تنظيمات نيوماركسية في السابق لا يمكن أن لا يترك أثرا على اجتهاداتهم اللاحقة ، كما لايمكن تجاهله والنظر اليه كأنه مجرد صدفة لاغير. غير أننا نحتاج الى أكثر من ذلك لتبيان الأصل النيوماركسي للجينيولوجيا الايديولوجية للنيومحافظين. وهو ما سنحاول القيام به في هذه الحلقة الثانية والأخيرة (لمقال نعتقد أنه يحتاج مجالا أوسع من هذا ليستوفي حظه).
"الديمقراطيين الاشتراكيين": حلقة ايديولوجية مهمشة
نشرت دورية Executive Intelligence Review (التابعة لتيار هامشي بقيادة الديمقراطي السابق ليندون لاروش ولكن أيضا التي تتميز خاصة في علاقة بموضوع النيومحافظين بمقالات ربما تكون الأفضل لولا نزعتها التآمرية المبالغ فيها أحيانا كثيرة) في عدد 18 يوليو/تموز 2003 مقالا أثار في جزء منه موضوع حزب سياسي غير ملحوظ في الولايات المتحدة وهو تنظيم "الديمقراطيين الاشتراكيين-الولايات المتحدة" Social Democrats-USA والذي يعتبر عضوا كاملا في "الاشتراكية الدولية" حتى هذه اللحظة. وأشار هذا المقال الى فترة غامضة في أحيان كثيرة وهي التي تبدأ مع وفاة ماكس شاختمان سنة 1972 وانقسام المجموعات التي كانت تعمل معه ضمن الحزب الديمقراطي، في إطار كتلة "الحزب الاشتراكي". وفي الحقيقة فإن شاختمان قاد قبيل وفاته بأشهر تيارا أغلبيا ضمن هذه الكتلة يدعو للانسحاب من الحزب الديمقراطي وتكوين طرف سياسي جديد يتمتع بحرية أكبر للمناورة ولا يقتصر على التعاون مع الحزب الديقمراطي، وهو ما كان يعني فتح الأبواب للانضمام للحزب الجمهوري. انذاك كون شاختمان الى جانب أكثر مناصريه ولاءا والذين رافقوه في جل أطوار حياته السياسية تنظيما جديدا سمي بـ"الديمقراطيين الاشتراكيين"، كانت تلك اخر مبادرة سياسية يقوم به شاختمان. يشير المقال أعلاه الى مجموعة من المعطيات التي تستحق الانتباه.
خليفة شاختمان وزعيم التنظيم الى حد هذه اللحظة بان كامبل Penn Kemble بالاضافة الى مساعده الأول (الى حد الان أيضا) جوشوا مورافشيك Joshua Muravchik كانوا من العناصر الأساسية الى حد هذه اللحظة في برامج ومشاريع النيومحافظين منذ السبعينات. وعلاوة على أن مورافشيك هو من أهم العناصر في مركز البحث النيومحافظ "معهد المؤسسة الأمريكية لبحث السياسات العامة" AEI منذ ذلك التاريخ الى الان، فإن كامبل كان يعمل بشكل وثيق مع أهم العناصر المقربة من ديك تشيني في وزارة الدفاع بداية الثمانينات وهو ما يشمل شخصيات محورية في الادراة الحالية مثل اليوت أبرامز Elliot Abrams عضو مجلس الأمن القومي وأبرام شولسكي Abram Shulsky مسؤول الخطط الخاصة في البنتاغون. وبالرغم أن كامبل لم ينضم البتة الى الحزب الجمهوري فإنه ساهم بشكل كبير مع نيومحافظين اخرين كانوا أيضا من المقربين سابقا لشاختمان (سواء من الجيل الأول أو الثاني من النيومحافظين مثل إرفينغ كريستول وريتشارد بيرل) في تأسيس مجموعة من المنظمات غير الحكومية منذ الثمانينات (لايزال عضوا فيها الى الان) و التي تركز حول مسائل نشر الديمقراطية في العالم، وكانت زمن الحرب الباردة كما أصبحت الان أيضا رأس حربة في السياسة الأمريكية. من هذه المنظمات نذكر فقط أكثرها شهرة: بيت الحرية Freedom House، المعهد من أجل الدين والديمقراطية Institute for Religion and Democracy، لجنة العالم الحر Committee for the Free World، والمعهد القومي الديمقراطي للشؤون الدولية National Democratic Institute for International Affairs والذي يعمل مباشرة مع المؤسسة الحكومية المعروفة الحساب القومي من أجل الديمقراطية National Endowment for Democracy. المثير أيضا أن المؤسسة الأخيرة يديرها كارل قيرشمان Carl Gershman وهو أيضا عضو في تنظيم "الديمقراطيين الاشتراكيين". تنسجم كل هذه المعطيات مع معطيات أخرى تؤكد الروابط بين الجيلين الأول والثاني من النيومحافظين. فمثلا أحد الرعاة الرئيسيين لكل من وولفويتز وبيرل منذ لايزالان طالبين في العلوم السياسية وأستاذ الفلسفة السياسية البرت ووهلستتر Albert Wohlstetter كان عضوا في تنظيم شاختمان خلال الأربعينات وهو بالتأكيد ما يفسر إرسالهما بتوصية منه للالتحاق بمكتب السناتور الديمقراطي هنري سكوب جاكسون بداية السبعينات والذي كان يسيطر عليها أنصار شاختمان وخاصة منهم مورافشيك. ومن المرجح أن النبرة التعاطفية تجاه شاختمان التي استعملها ارفينغ كريستول في مذكراته المنشورة سنة 1983 كانت تتناغم مع العلاقة الوثيقة بين ما تبقى من الورثة المباشرين لشاختمان مثل كامبل وبقية الرفاق القدامى لشاختمان (مثل إرفينغ كريستول نفسه) والذين اشتركوا في تأسيس المنظمات المذكورة أعلاه.
وفي الحقيقة دفعتنا هذه المعطيات لمحاولة التعرف بشكل أكبر على هذا التنظيم خاصة أنه يبين وجود إطار تنظيمي في الوقت الراهن يجسد تواصلا مباشرا لنفس الحلقات الحزبية من ثلاثيات القرن العشرين، وتحديدا لأولائك المثقفين الذين تخرجوا من التنظيمات المتلاحقة التي أسسها شاختمان. والأكثر من ذلك أن لقيادة هذا التنظيم علاقة مباشرة ووثيقة بتيار النيومحافظين بالرغم أنهم ليسوا أعضاء في الحزب الجمهوري. وعند الدخول على الموقع الالكتروني للحزب وجدنا مجموعة هامة من الوثائق تبين ليس فقط العلاقة الشخصية الراهنة لأعضاء التنظيم بالتيار النيومحافظ بل أيضا دوره في صياغة الرؤى النظرية للنيومحافظين خاصة فيما يتعلق يالسياسة الخارجية، أو بشكل أكثر دقة بـ"الدور التاريخي" للولايات المتحدة. أحد هذه الوثائق رسالة مفتوحة "لا تلزم الحزب رسميا" موجهة للرئيس بوش بتاريخ فبراير/فيفري 2003 تحرضه على خوض الحرب وإسقاط النظام العراقي. المعطى الأول في الرسالة هو قائمة الموقعين عليها: فإلى جانب القيادات الأساسية للتنظيم (مثل كامبل ومورافشيك وراشيل هوروفيتز Rachelle Horowitz وهي عضو بارز ونشيط في الحزب) نجد تقريبا كافة تشكيلة النيومحافظين العاملة في المؤسسات غير الحكومية التابعة لهم بما فيها تلك المذكورة أعلاه، كما تشمل أسماء رئيسية في التيار النيومحافظ: الصحفي وعضو AEI بان واتنبارغ والمنظر البارز روبرت كاغان وجيمس وولسي المدير السابق للمخابرات المركزية. ولكن المعطى الثاني الأكثر أهمية هو تركيز الرسالة على نقطة رئيسية دون غيرها كمبرر لشن الحرب: ففي حين أن جل المواقف بما فيها الموقف الرسمي الأمريكي كان يركزفي ذلك الوقت (أي قبل شن الحرب) على حجة براغماتية لشرعنة العمل العسكري (إدعاء أن النظام العراقي سيمرر أسلحة للدمار الشامل لتنظيم القاعدة) فإن الرسالة لم تتعرض بأي شكل من الأشكال لمثل هكذا حجج وركزت على نقطة واحدة وهي شرعنة الحرب على أساس قيمي يقدم مسألة دمقرطة العراق كواجب للقوات العسكرية الأمريكية وكجزء من مهمة تاريخية يجب أن تشمل "العالم غير الحر"، بلغة تذكر بالخطاب الايديولوجي الأمريكي في المرحلة الريغينية الموجه ضد الاتحاد السوفياتي.
من الضروري التذكير هنا أن هذا الخطاب لم يظهر بهذه الحدة لدى الادراة الأمريكية سوى بعد ناتهاء الحرب والتأكد من خلو العراق من أي أسلحة للدمار الشامل. أحد الوثائق الأخرى الهامة في الموقع الالكتروني للتنظيم هو محضر جلسة للقاء نظمه الحزب في أيار/مايو 2003 بعنوان "كل شيء تغير: ماذا الان بالنسبة للعمل، الليبرالية، واليسار الدولي؟".
أهم ما في المداخلات هو كلمة شخص يشارك لأول مرة في لقاءات التنظيم (كما أشار الى ذلك مورافشيك في كلمته) وهو الكاتب الشاب (مقارنة بالبقية) بول بيرمان Paul Berman. والأخير هو حلقة مهمة قبل أي شيء لشخصه. فهو يمثل اخر الأجيال النيوماركسية وتحديدا التروتسكية التي تنضم الى النيومحافظين فحتى وقت قريب كان بيرمان يتهجم على الأخيرين. وقد تحدث عن هذا الجيل الأخير تروتسكي سابق اخر وهو ستيفان شفارتز في مقاله في الناشيونال رفيو في يونيو/جوان 2003 (أشرنا اليه في الحلقة السابقة من هذا المقال). وسمى شفارتز هذه المجموعة بشكل ساخر والتي تضمه هو نفسه بـ"الأممية الثالثة والنصف" داخل النيومحافظين. بالإضافة الى شفارتز تضم هذه المجموعة الكاتب كريس هيتشنس Chris Hitchens في حين يصف شفارتز بيرمان بالعضو "النصف" لأنه يشكك في "عمق" تجربته التروتسكية. العضو الثالث في هذه المجموعة هو السياسي العراقي سابقا (متحصل على الجنسية البريطانية الان) كنعان مكية والذي يقدمه شفارتز كـ"ناطق سابقا باسم الأنصار العرب للأممية الرابعة (التروتسكية)" وكأحد الأصدقاء المقربين منذ أيام "النضال التروتسكي"، وهو أمر لا يعرفه إلا القلائل حسبما يذكر شفارتز. ومكية بالمناسبة نموذج مثالي عن "الثوريين العرب سابقا" الذين يشكلون ما يسمى اليوم بـ"الليبراليين العرب الجدد" ولكن ذلك موضوع اخر ليس هنا مجاله. على كل حال المعطى الاخر المثير بالنسبة لبول بيرمان هو كلمته التي ألقاها في لقاء "الديمقراطيين الاشتراكيين"، والتي تستحق في بعض مقاطعها لترجمة كاملة لأهميتها بالنسبة لموضوعنا. يرى بيرمان في "قراءته لكارل ماركس" أنه كان من ضمن جيل المفكرين في بداية القرن التاسع عشر الذين امنوا أن هناك "سر للتقدم البشري" إذا تم تحديده أمكن حل مجمل المعضلات. ويتمثل هذا السر في المعتقدات الليبرالية الأساسية والتي تفترض العلوية المطلقة لمبدأ الحرية. وهذه النقطة بالذات يراها بيرمان محرك التاريخ البشري والأهم من ذلك هي السر الذي توصل اليه النيومحافظون وهو جوهر فكرهم. غير أن بيرمان يشير الى انه بالرغم من انطلاق ماركس من هذه المبادء فإنه انتهى للدفاع عن رؤية مضادة للحرية في نهاية الأمر.
النيوهيجلية وماركس الليبرالي
من الضروري التساؤل أولا ما الذي يمكن أن يجعل النيومحافظين المتأثرين بفكر يوصف بكونه واقع تحت تأثير مفكر مثل ليو شتراوس والذي ينظر اليه البعض كمفكر "ما بعد حداثي" (أو "قبل حداثي" حسب وصف البعض الاخر) بفلسفة مثل الماركسية يُنظر اليها كأحد الأعمدة الأساسية لفلسفة الحداثة. في الواقع ليست الفلسفة الشتراوسية كلا منسجما بقدر ما هي موقف نقدي تعديلي تجاه فلسفة الحداثة. وعلى سبيل المثال فإن الموقف الشتراوسي تجاه مسألة رئيسية مثل "وجود الشيء في ذاته" (الحقيقة المطلقة) والقدرة على "إدراك الشيء في ذاته" (إدراك الحقيقة المطلقة) ينسجم تماما مع الموقف الحداثي والذي يجيب في بعض مدارسه الأساسية (خاصة الهيجلية) بالايجاب على السؤالين (في حين تهاجم أكثر الفلسفات ما بعد الحداثية مثل التفكيكية بقوة هذه الرؤية "الاطلاقية" حسب رأيها). وبالنسبة للنيومحافظين ليس هناك جدال أن هناك "حقيقة مطلقة" كما أنه ليس هناك جدال أن "إدراكها" ممكن. غير أن البعد الفلسفي الحداثي لديهم أعمق من ذلك بكثير ويربطهم تحديدا بمدرسة رئيسية في فلسفات الحداثة وهي الهيجلية.
فالحقيقة المطلقة كما يشير اليها قادة "الديمقراطيين الاشتراكيين" مثلما يشير اليها بقية النيومحافظين من كريستول الى بيرل مرورا بكراوثمر وفوكوياما هي "الحرية البشرية" وأن الشكل السياسي لهذه الحرية هي المؤسسات الديمقراطية وأن الحرية البشرية هي "هدف" في التاريخ البشري مقرر بشكل مسبق بفعل تطوره وبنيته الفكرية وهو بالتالي "حتمي".
وأخيرا فإن "أفضل مرشح" للتحقق الكامل لهكذا تجربة والأكثر من ذلك لنشرها هي تحديدا الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع لا يمكن أن نجد نقاط تقاطع أكثر من تلك التي توجد بين الهيجلية والفكر النيومحافظ. ليس فقط على مستوى المواقف الدقيقة والمحددة تاريخيا (و التي يتجنب هيجل النطق بها وموقفه المشهور من "الريادية التاريخية" للولايات المتحدة هو موقف نادر) بل الأهم من ذلك على مستوى الرؤية الفلسفية. طبعا اشتهر فوكوياما أكثر من أي منظر نيومحافظ اخر بأنه نيوهيجلي ولكن من المعروف الان أن كتاب "نهاية التاريخ والانسان الأخير" لا يمثل وجهة نظره الفردية بقدر ما يمثل القراءة الفلسفية للتاريخ البشري من وجهة نظر النيومحافظين.
اخر الدلائل المعلنة على هذا الاتفاق تم تضمينه كأساس للالتقاء في الجدال المستمر على صفحات الناشيونال انترست (منذ عدد صيف 2004 حتى العدد الأخير: ربيع 2005) بين أقطاب النيومحافظين وخاصة بين فوكوياما وكراوثامر. حيث تم الإقرار من الجانبين بنفس المبادئ المذكورة أعلاه كإطار للفكر النيومحافظ برغم أي خلافات حول تفاصيل تسيير السياسة الخارجية. وفي الواقع فإن مفتاح مسألة الأصول النيوماركسية للفكر النيومحافظ تكمن تحديدا في نقاش أصوله النيوهيجلية وبالتالي يجب اعتبار هذه المسألة الفلسفية أكثر أهمية من أي ارتباطات تنظيمية وحزبية لبعض القيادات النيومحافظة. كما أنها الاطار الأنسب من الاطار الايديولوجي التروتسكي الأكثر محدودية. وهنا تأتي أهمية قراءة بيرمان المذكورة أعلاه حيث توفر لنا نموذجا عن صورة ماركس نفسه في الوعي النيومحافظ: حيث يصبح تراث ماركس من وجهة النظر النيومحافظة ليس في "يساريته" أو في تموقعه سياسيا ضد المنظومة الرأسمالية. يتم النظر بحنين أكبر الى ماركس عندما كان نيوهيجليا (أو "ماركس الشاب") حين كان يكتب ويشرف بين سنتي 1942 و1943 على الدورية الليبرالية Rheinische Zeitung. حينها كانت القضية الماركسية الرئيسية (بوصفه "هيجليا يساريا") هي "حرية التعبير" في نظام سياسي استبدادي. ولكن حتى ماركس اللاحق يتمتع باحترام كبير مثلما تشير الى ذلك الفصول الاقتصادية في مذكرات إرفينغ كريستول، هنا ماركس هو نموذج رئيسي في المدارس الاقتصادية الكلاسيكية والتي أرست منهجا وصفيا دقيقا يؤكد قبل كل شيء ليس على رئيسية القيمة الأخلاقية (و التي لا طالما نظراليها ماركس كمعطى طوباوي يعرقل القدرة على التفكير في الاقتصادي السياسي كما وضح في نقده للـ"الاشتراكيين الطوباويين") بل على رئيسية "قوى الانتاج" (التجديد التكنولوجي) وعلاقتها الموضوعية بعلاقات الانتاج. ومن المثير أن إرفينغ كريستول قد لاحظ في مذكراته أن "اليسار الجديد" "لا يفهم ماركس" أو "ليس ماركسيا" في التحليل الاقتصادي لأنه يسقط في موقف طوباوي يجعل "الدفاع عن المقموعين اجتماعيا" أولويا بغض النظر عن حاجات قوى الانتاج. وهنا فإنه بغض النظر عن صورة ماركس في الوعي النيومحافظ فإن الماركسية تحضر بقوة في تنويعاتها النيوماركسية. وعلى سبيل المثال فإن ما يتم تغييره هو الشعار الماركسي وليس الرؤية الفلسفية الماركسية: فالايمان بأن الثورة الديمقراطية حتمية تاريخية تحتاج الى دفعة من العنف لتتحقق إنما تتفق فلسفيا مع الأسس الفلسفية للشعارات الماركسية وخاصة حتمية الثورة البروليتارية والحاجة الى دفعة من العنف لتحقيقها.
إن ما يغيب عن الكثير من المجادلين (سلبا أو أيجابا) حول موضوع نيوماركسية النيومحافظين هو تركيزهم على المقارنة الشعاراتية وليس الفلسفية-الايديولوجية. فشعارات "الثورة البروليتارية" و"حتمية انهيار الرأسمالية" و"حتمية المجتمع الشيوعي" هي نتائج لقراءة فلسفية سابقة نيوهيجلية بالأساس. وكما شرح انجلس في أواخر حياته أكثر من مرة وكما أوضح ماركس في رده على فيورباخ فإن الهيجلية (بالرغم أنها تمشي على رأسها) كانت أداة رئيسية للتحليل الماركسي. إن الاختلاف بين النيومحافظين والماركسية لا يكمن في الرؤية الفلسفية أكثر من أنه يكمن في الشعارات والنتائج المستخلصة من أدوات التحليل الفلسفي. واختلاف النتائج لا يعكس اختلافا في استعمال الوسائل بقدر ما يعكس تأكيدا على أولوية هذه الوسائل والأدوات الفلسفية: فالحاكمية الرؤيسية للهيجلية والماركسية على السواء هي معطيات الواقع وتطوره، وهكذا فالايمان العميق بأولوية الحرية كهدف حتمي للتاريخ البشري تبقى رئيسية على مسألة "كيف ومن هو الفاعل التاريخي الذي سيحقق ذلك؟".
أثبتت الوقائع أن الاستخلاصات الاقتصادية لماركس المبنية على واقع رأسمالية القرن التاسع عشر لم تدرك ما للرأسمالية من قدرات على التأقلم وهو ما لم يتمظهر إلا فيما بعدة بفضل تهديد الثورات العنيفة المهتدية بالماركسية في القرن العشرين. كما أن الحيوية التي غلفت "الأممية الاشتراكية" خلال القرن التاسع عشر وجعلت منها إطارا لكافة القوى الحرة لم تستمر بعد ثورة أكتوبر، حيث تضخمت "الدولة الاشتراكية" مركزة تجربة استبدادية في الوقت الذي كان فيه ماركس يحاجج على تماهي تحقق الحرية مع نهاية الدولة. ماذا يمكن أن يكون موقف ماركس تجاه تطورات واقعية مماثلة: التمسك بشعاراته أم بمنهجه الفلسفي؟ نعتقد أن الاحتمال الثاني أكثر واقعية. لقد كانت الماركسية أهم ايديولوجيات القرنين التاسع عشر والعشرين وعبرها استمرت الهيجلية. إن نيوماركسية النيومحافظين هي دليل على ظاهرة أساسية حتى هذه اللحظة: لا يمكن حتى بالنسبة لأقصى اليمين التجديد الفكري خارج الماركسية أو نيوهيجليتها في أقل الأحوال. الطاهر الأسود
باحث تونسي يقيم في أمريكا الشمالية