حول الحملة الجديدة على المؤسسات الإسلامية الأميركية

بقلم: أسامة أبو ارشيد

حملة المداهمات التي قامت بها عناصر من الوكالات الحكومية المختلفة لمقار ومنازل أكثر من 24 مؤسسة وشخصية إسلامية أميركية، كلها باستثناء واحدة في ولاية فرجينيا، والأخرى في ولاية جورجيا، يوم الأربعاء (20-3) تؤكد معطى واحد، هو أن الجميع بات مستهدفا، وبأن الأمر ما عاد ينصرف فقط إلى من يوصفون بالمتشددين من المؤسسات الإسلامية.
المقار التي دوهمت كلها تعود إلى مؤسسات فكرية وتعليمية واستثمارية وواحدة خيرية، والمنازل التي اقتحمت تعود لشخصيات معروفة ببعدها عن العمل السياسي، هذا إن لم يكن لها خلاف مع أصحاب هذا العمل أصلا. فمثلا المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وجامعة العلوم الاجتماعية المرتبطة به، يركزان كليا على العمل الأكاديمي والفكري، الذي يوصف بالمعتدل، ولم نسمع يوما أنهما ارتبطا بأي عمل سياسي. ونفس الأمر ينطبق على رابطة العالم الإسلامي التي تشرف عليها الحكومة السعودية مباشرة، ولا يعرف عنها أبدا ارتباطها بأي جهات غير حكومية. ونفس الأمر ينسحب إلى بقية المؤسسات الاستثمارية الأخرى التي تبتعد كليا عن أي قضايا يفترض أنها "تشكل وجع رأس".
إذا ما الذي حصل، ولماذا هذه التطورات المفاجئة؟.
إذا أخذنا ببعض المعلومات التي رشحت من مصادر في وزارة الخزانة الأميركية، فإن المعهد العالمي للفكر الإسلامي مثلا كان قد تبرع قبل أربع سنوات أو خمسة بحوالي أربعة آلاف دولار لمركز دراسات العالم والإسلام في تامبا فلوريدا، والذي كان يقوم عليه في ذلك الوقت كل من الدكتورين مازن النجار وسامي العريان. وإذا أخذنا بما يقوله أمثال ستيف أمرسون فإن معهد الإسلام والعالم كان يشكل واجهة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، على الرغم من أن هذا المركز كان مرتبطا بجامعة جنوب فلوريدا، ويتلقى منها تبرعات أيضا ويعقد نشاطاته بالتنسيق معها، بمعنى انه إذا صدقت تلك المعلومات التي رشحت عن وزارة الخزانة، فإنه كان ينبغي أيضا مداهمة مقار جامعة جنوب فلوريدا لأنها تبرعت لـ"إرهابيين" كما يصر أمثال أميرسون ودانيال بايبس. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإنه حتى ولو افترضنا جدلا أن مركز دراسات العالم والإسلام كان على علاقة بحركة الجهاد الإسلامي كما يصر-أميرسون المتخصص في التحريض على المؤسسات الإسلامية-فإن قيمة التبرع الضئيلة تمت قبل أربع سنوات أو خمس، أي قبل تصنيف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في قائمة الإرهاب التي تصدر عن الخارجية الأميركية، والكل يعرف أن وزارة الخارجية الأميركية كانت قد منحت في ذلك الوقت تأشيرة دخول للشهيد فتحي الشقاقي الأمين العام الأول لحركة الجهاد الإسلامي…فهل معنى ذلك أنه يجب أيضا اقتحام مقار ومكاتب وزارة الخارجية الأميركية ومعها جامعة جنوب فلوريدا التي شاركت في ترتيب برامجه!؟.
ومع وجاهة السبب الذي قدم في السطور السابقة، إلا أنه لا يفي بالحاجة. ولكن ثمة حاجة هنا بداية لأن نوثق قضية هامة، وهي أن أغلب المؤسسات والمنازل التي دوهمت، مرتبطة بشكل أو بآخر مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، إذن فأي تعليل يقدم لمداهمة المعهد العالمي من الممكن سحبه إلى الأغلبية الباقية، باستثناء رابطة العالم الإسلامي، التي ربما يكون اقتحامها رسالة موجهة إلى الحكومة السعودية بأنه لا أحد مستثنى، ومؤسسة النجاح الخيرية التي قد يكون اقتحامها على صلة بالحملة على العمل الخيري الإسلامي الأميركي بشكل عام.
وبعيدا عن التفصيلات والتخمينات، يبقى لنا أن نركز على الدافع الأساسي لهذه الحملة الجديدة، التي لن تكون الأخيرة، وهي بالطبع لم تكن الأولى.
ما ينبغي التشديد عليه، هو أن هذه الحملة جزء من الحملة على المؤسسات الإسلامية والجالية الأميركية المسلمة، التي لم تبدأ ولكنها تكثفت وازدادت شراسة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ايلول الإرهابية. لا بد لنا أن نقر كمؤسسات إسلامية-إن أردنا أن نقوم بحملة مضادة ناجحة-بأن ثمة أطرافا داخل الإدارة الأميركية مرتبطة بأجندة خارجية ترى في الإسلام والمسلمين عدوها الأول، مستفيدة في ذلك من اعتداءات سبتمبر، وترى في الجالية الأميركية المسلمة رأس هذا العدو. تحرك المسلمين ونموهم في هذه البلد وبدأهم في تنظيم جهودهم وطاقاتهم، تشكل رعبا لأطراف أخرى لا تريد لنا كجالية أميركية مسلمة أن نحقق إنجازات أو أن نتحرك كقوة فاعلة وضاغطة في أميركا. يجب أن نقر بأن اليمين الأميركي المتطرف المتحالف مع الصهيونية قد علا صوته وانتصر داخل الإدارة الأميركية الحالية، وبأن ما يحدث الآن هو دليل على انتصار مقولات اليمين المعادي للإسلام والمسلمين.
كلنا يعرف أن وزير العدل الأميركي جون أشكروفت استهزأ بالإسلام نفسه قبل أشهر، ولم تنجح كل الأصوات القادمة من مؤسساتنا بإرغامه على الاعتذار أو حتى نفي الكلام الذي نسب إليه عن الإسلام. ورغم كل اعتراضات مؤسساتنا ومؤسسات حقوق الإنسان والحريات المدنية الأميركية على استهداف المسلمين أمنيا وإعلاميا بعد أحداث سبتمبر، فإن كل ذلك لم يمنع وزير العدل الأميركي مرة أخرى من الإعلان أن وزارته ستقوم بحملة استجواب لثلاثة آلاف عربي ومسلم آخرين، غير الستة آلاف الذين تمّ استجوابهم في المرة الأولى..هذا الإعلان يجيء ونحن لمّا ننجح بعد في معرفة مصير أكثر من 1200 معتقل من أبناء الجالية المسلمة في السجون على خلفية أحداث سبتمبر، وكل ما نعرفه أن واحدا فقط وجهت له تهم جنائية في حين أن أكثر من 1200 معتقلون منذ أكثر من ستة اشهر بدون تهم ولا اشتباه.
الحملة الجديدة والتي استهدفت مؤسسات لم يكن يتوقع أحد حتى من أشد المتشائمين أن تطالها الملاحقة، هي رسالة من أطراف داخل الإدارة الأميركية بأن لا أحد من الجالية الإسلامية سيكون فوق الشبهات والملاحقة. الحملة رسالة بأن "المعتدل" و"المتشدد" منكم وجهان لعملة واحدة. الحملة رسالة بأن عداء أطراف معينة داخل الإدارة لجاليتنا المسلمة مبني على أساس ديني لا على أساس عرقي وسياسي. فلا حصانة لأحد، ولا ميزة لمؤسسة تعمل في الحقل الأكاديمي والمدني عن مؤسسة إسلامية أخرى تعمل لصالح فلسطين..فالكل من نفس "السلة"!.
الأطراف التي تقود الحملة ضدنا تعرف ماذا تريد وإلى أين تريد أن تصل. ولكن السؤال الذي يبقى بحاجة إلى إجابة هل نعرف نحن كجالية مسلمة ماذا نريد وإلى أين نريد أن نصل؟
الحملة ضد الجميع، ومن لم يفهم الرسالة من خلال الحملة الأخيرة، فأنصحه أن يترك ساحة العمل ويسمح لمن هو أوعى منه أن يتقدم. الجهات التي تريد استهدافنا وحدت جهودها وإمكانياتها، فهل سنقوم نحن أيضا بتوحيد جهودنا وإمكانياتنا، أم أن الأمر سيجري كما جرت عليه العادة، الجالية والمؤسسات تتفق على شيء، والبعض يرى في ذلك إبعادا للأضواء وعدسات الكاميرات عنهم، فيتحركون بشكل انفرادي، تكون نتيجته تمييع موقف الجالية!.
القضية هذه المرة لا تحتمل التمييع، والحملة الجديدة رغم ظلمها وقسوتها إلا أنها فرصة للجالية المسلمة أن تتوحد وراء مطلب واحد: أوقفوا حملة الكراهية ضد المسلمين الأميركيين، وكمسلمين أميركيين سنقف لحقوقنا الدستورية مهما كلفنا الأمر.
إنها دعوة لكل المؤسسات الأميركية العربية والإسلامية، أن توحد كل جهودها لخدمة جاليتها وأمتها ودينها..إنها دعوة لترك البحث عن وهج أضواء الكاميرات إلى البحث عن جمر الدفاع عن حقوقنا..إنها دعوة لكل تلك المؤسسات التي تساهم من حيث تعلم أو لا تعلم في إدانة مؤسسات عربية وإسلامية أخرى باتهامها لها بـ"التشدد" ليظهروا هم بصورة "المعتدل" بالتوقف عن هذا الأسلوب الرخيص، وللأسف فنماذجه موجودة ومعروفة. وهذه دعوة أيضا للجالية الأميركية العربية والمسلمة لكي تقف وراء مؤسساتها وقيادتها، فتحصيل الحقوق لا يكون بالثمن الرخيص، ومؤسساتنا وقياداتنا بدون دعمنا لا تمثل إلا أصفارا شمالية..إنها دعوة للجميع إلى توحيد الجهود والارتقاء إلى مستوى التحدي، وانتهاز هذه الفرصة لتحصيل حقوقنا. * أسامة أبو ارشيد-رئيس تحرير صحيفة الزيتونة
واشنطن
alzaitonah@aol.com