حوار في السياسة مع مريد بنكيران

جمعتني معه مقصورة قطار رابط بين مدينتي فاس والرباط، شاب في العشرينات من عمره أنيق المظهر بلحية خفيفة جدا. تجاذبنا أطراف الحديث، تزجية للوقت وتقريبا للمسافات. وكأي حديث يبدأ بسؤال، يجر من وراءه جواب فأسئلة أخرى.

في خضم الحديث قلت له، تعرف أن رئيس الوزراء عبدالإله بنكيران مؤخرا انطلق غاضبا أسفا على القناة الأولى والثانية وصحف في الفضاء الالكتروني وأخرى لازالت تكتب على الورق.

لم يتفاجأ صاحبنا، فقال بثقة هي اقرب للفجاجة بأن الصحافة فاسدة ولا تستحق إلا هذا الذي فعله بها بنكيران بها. قلت، وهل تعرف أن رئيس الوزراء قبل أن يجلس على كرسي الوزارة كان أكثر المتشبثين بأهداب الصحافة والمتابعين المدمنين لما يكتب فيها والمنافحين عن كرامة وحرية العاملين فيها؟ فلماذا هذا الانقلاب الكبير على منابر إعلامية كانت بالأمس هي الصديق والمدافع؟

عندما يقول عبدالإله بنكيران "إذا كانت الصحافة خصما فسنقبل بها، وإذا كانت عدوة، فسأحاربها شخصيا، وبكل الوسائل" ألا يعدو هذا التصريح كونه تمهيدا لفظيا لحرب ضروس على مهنة توجه وتنور وتخبر الشعب. وتعمل على تنبيه المسؤولين إلى الثغرات في التدبير اليومي للسياسة والاقتصاد.

ألا تعتبر معي أن سلوك رئيس الوزراء يعيق عملية الإصلاح التي شرعت فيها الدولة باكرا.

لم يبالِ هذا المريد، بل زاد توضيحا بأن عبدالإله بنكيران رجل المرحلة الراهنة وقد اختاره الله، لذلك أدعو له بالتوفيق. وأضاف الأخ الموالي والمحب والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل. قلت لا ضير، لكن الرجل مسؤول على مصالح شعب وممثل دولة انتخبته الجماهير لاجل وعود أطلقها في حملته الانتخابية. وعلى هذا لا يمكنه التمادي في سياسة التهريج وإطلاق العنان للسانه دون لجام.

ولأن الأخ الصغير متيم ومرآة الحب عنده عمياء فهو لا يرى إلا ما يرون ويقول ما يقولون. فهو لا يعير للأرقام اعتبارا، ولا تعنيه بطالة شباب في شيء، وحرية الرأي والتعبير عنده لا يمكنها أن تخرج عن النص المنقول لا مجال للتأويل أو الاجتهاد.

قلت له لقد وعد بنكيران بمحاربة الفساد واقتلاعه من جذوره، ووعد الحر دين عليه. أليس كذلك؟ أجاب صاحبنا، وهل رئيس الحكومة قصر في مسعاه؟ وبدأ يعدد لي المنجزات. حتى وكأن أمامك شخصا أتى للتو من كوكب آخر لا علاقة له بالمغرب يصور أمامك رئيس الحزب والحكومة معجزة الزمان التي غيرت حركة التاريخ بهذا البلد.

ولا تشك للحظة واحدة انه قد تعرض لغسيل دماغ بمادة فعالة في غرف لا تدخلها اشعة الشمس وما يتنفسه الناس. فعندما تحاصره بان هناك هدرا في فرص العمل الضرورية وليس هناك استجابة لطموحات جيل من الشباب الجديد الذي يتسم بالدينامية، يرد عليك غيبا ما لم يستطع تنفيذه فكله بأمر الله.

قلت له، يا أخي السياسة مثلها مثل الفلاحة ازرع في الوقت وأرعى النبتة تكبر وتأتي بإنتاج يأكل منه الكبير والصغير. قلت الم تسمع عن تقارير المندوبية السامية للتخطيط بأن معدل البطالة ارتفع من 9.4 في المائة إلى 10.2 في المائة.

فيجيب هذا المريد وهو متحفز لكن العفاريت والتماسيح لم يتركوا الرجل يشتغل. قلت، كلامك مردود عليه فقد أعطيتك مثال الفلاحة عندما قرنتها بالسياسة في متاعبها ومقالبها ومتالبها، المهم هو ان تشتغل تحت أي ظرف والباقي يصلحه الباقي.

قلت له بأن بنكيران يصنع دعاية لنفسه فقط، بوعود اطلقها قبلا ولم يستطع تنفيذها بعد وصوله بل استثمرها ايما استثمار وهاهو الان على راس الحكومة.

الحزب احتل المرتبة الأولى في انتخابات 2012 أليست هذه مشروعية شعبية يستطيع معها بنكيران فعل كل شيء؟ المشروعية أيها الأخ ليست شيكا على بياض يعطيه الشعب بالمجان. وما دمت تتحدث بالارقام فماذا عن انتخابات 2009 وما خلفته من نتائج اقل من المتوسط لحزب العدالة والتنمية رغم توسع دائرة ترشيحاته.

إن الحزب تعرض للمضايقات وهو جديد على الممارسة الحزبية والسياسية. قال كلمته وقد احمر وجهه وتوسع البؤبؤ وبدت على جبينه بعض القطرات من العرق. اجبته قائلا، لكن هذا لا يبرر ان يقوم الحزب بعمل محاكم التفتيش يحاسب الكل بلا استثناء، وبعشوائية بمرجعيات ونظريات ونوايا تبتعد عن الواقع العملي والممارسة السليمة للعملية الديمقراطية.

لم يجب وقد اقتربنا من نهاية الخط بعد مجادلة طويلة. كررت للاخ بأن بنكيران يصنع دعاية لنفسه فقط، بوعود أطلقها قبلا ولم يستطع تنفيذها بعد أن وصول إلى الحكم. رد متشنجا أن حزب بنكيران ديمقراطي. أجبت وكيف تبرر تلك الاستقالة التي قدمها قياديون في العام 2011 بدعوى تسلط الأمين العام بنكيران.

الديمقراطية يا سيدي تتعدى تطبيق القانون لكونها تتماثل مع الحكامة الجيدة في إدراك جيد للواقع السياسي وقراءة للماضي والحاضر دون إقصاء ولا انتقام ولو كان هذا الاخير له تبريراته.

مع انتهاء الجملة الأخيرة كان الأخ العشريني قد وصل إلى قناعة بان هناك عالما آخر، لا يفكر مثل تفكيره، ولا يمتهن السياسة بلاهة أو شطارة. اقتنع بان هناك أفكارا أخرى وآراء مخالفة. لكني لست متأكدا من انه فهم الدرس واستوعب الرحلة.