حوار الثقافات يقتحم عاصمة التطرف في مصر



المنيا (مصر) ـ من عبدالمنعم عبدالعظيم


الحوار يثلج الصدور

ترتدي المنيا عروس الصعيد طرحتها البيضاء وفستانها الأبيض الجميل الجرجار لتتهادى على النيل مزهوة بتاج ملكة مصر الجميلة نفرتيتي، وفخورة أنها حمت فرعون مصر اخناتون عندما أقام عاصمة التوحيد في تخومها في مدينة تل العمارنة في نفس المنطقة التي عاش فيها نبي الله إدريس أول الموحدين وأول الأنبياء الذي عاش في مدينة الاشمونين ومنها خرجت ماريا القبطية ابنة قرية حفن الشيخ عبادة هدية المقوقس جريج بن مينا عظيم القبط في مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلد له ابنه إبراهيم.

وفتحت المنيا عروس الصعيد زهرة مدائن الجنوب صدرها للحوار الذي نظمه منتدى حوار الثقافات بالهيئة القبطية الإنجيلية، شارك فيه العديد من الشيوخ والقسس ورجال الفكر ومنظمات المجتمع المدني.

وأدار الحوار اندريه زكي نائب رئيس الهيئة القبطية، والقس الواعي المهموم بكل هموم مصر والذي جعل منتدى حوار الثقافات جزء من ضمير هذا الوطن، حيث ناقش بكل صراحة وموضوعية القضايا الساخنة والرؤى المستقبلية وهو أول من فتح أفاق الحوار حول هذه القضايا مع سميرة لوقا دينامو خيرة مفكري مصر، والموصولة دائما بنخب المثقفين والإعلاميين والشيوخ والقساوسة.

وأفاض وحيد عبد المجيد "الكاتب والباحث ومدير مركز الأهرام للترجمة والنشر، والذي أهل ضيفاَ على هذا الحوار" في البحث عن الهوية من أنا؟، ومن أنت؟، وكيف أرى نفسي؟، وأرى الآخرين؟، ثم عرج إلى ترتيب عناصر الهوية المصرية ليفسح قاعدة للتسامح وقبول الأخر، وعاد بنا للجذور الأصيلة للشخصية المصرية منذ رفاعة الطهطاوي الذي جمع كل المصريين تحت راية واحدة، وشعار الثورة العرابية "الدين لله والوطن للجميع"، وثورة 1919 التي خاضت غمار الثورة بشعار "الهلال مع الصليب".

وأشار إلى بروز حركات دينية مع بداية القرن العشرين تعتمد على الفكر السلفي مثل الجمعية الشرعية، والإخوان المسلمين التي خلقت جو من الانحياز للفكر المتعصب و الدخيل على روح مصر السمحة ورغم المشاركة الوطنية الواسعة في الحركة السياسية قبل الثورة إلا أن مرحلة القوانين الاشتراكية أثرت على الاقتصاد القبطي، وهاجر كثير من أثريائهم للخارج، كما أن سوق العمل بدول الخليج جذب عدد غير قليل من المسلمين الذين عادوا بأفكار دخيلة على الفكر الديني المصري.

وأكد عبدالمجيد أن ما بيننا في مصر اكبر من أي خلاف في الدين أو الجنس، ولا يوجد في مصر خلاف عرقي لأننا من جذر واحد ولا يوجد احد ضيف على الأخر.

وأضاف أن أي أحداث عادية يومية بين المسلمين والمسيحيين بدأ تضخيمها، مؤكداَ أن تنامي التشدد الديني مرجعه إلى عدة أسباب أبرزها قيام دولة إسرائيل في المنطقة وهزيمة 1967.

وقالت أمنه نصير الأستاذ بجامعة الأزهر، نحن في سفينة واحدة، إذا خرق احدهم جسم السفينة غرقناَ جميعاَ، مؤكدة على أننا كلنا مصريون، ولابد من تكاتف الجميع ضد أي محاولات خارجية من شانها النيل من وحدتنا ومصريتنا.

ودعا ضياء الدين محافظ المنيا إلى ضرورة وضع معايير واضحة، وقصر استعمال عبارة الفتنة الطائفية على الوقائع التي تخطط عمداَ إلى إخراج المواطنين من دياناتهم كرهاَ إلى دين آخر، وأشار إلى ضرورة الابتعاد عن توصيف الأحداث الجنائية بلفظ الفتنة.

وأكد أن الجميع في مصر ينشد الأمن والسلام الاجتماعي، وان مبارك هو أقوى المدافعين عن الوحدة الوطنية، وهو قدوة لكل المصريين في ترسيخ المواطنة وحمايتها.

وقال ضياء الدين "انه لا توجد فتنة طائفية في مصر، إنما هناك حوادث ذات طبيعة دينية، وهي حوادث عادية تتحول إلى فتن بسبب الشحن الديني، وغياب الخطاب الديني الخلاق".

وشدد المحافظ على أهمية تفعيل القانون و تطبيقه واحترامه من الجميع دون تمييز، مشيراَ إلى أهمية تقوية الانتماء الوطني والالتزام بالقيم الدينية السمحة، مشيراَ إلى أن المنهج الحقيقي للإسلام والمسيحية هو احترام عقائد الغير والتعاون والمحبة.

وطالب أحد شيوخ الأزهر الحاضرين البابا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية بضرورة إغلاق القناة التي تزرع الفتنة بين أبناء مصر من خلال بث خطابات أحد القساوسة.

ومن جانبه، قال احمد زايد أستاذ علم الاجتماع أن "الفتن مظاهر عارضة ولا يجب أن نركز على الاختلافات الطائفية، بل نركز على الهموم الإنسانية التي نشارك فيها جميعا، ولابد أن نحول الدين إلى طاقة للعمل وبناء الحضارة".

وقال الأب انطوت جيد "أن شعب مصر نسيج واحد مترابط، ومتعايش يصعب التمييز بين مكوناته والتسامح صفة أصيلة فينا".

الجدير بالذكر أن منتدى حوار الثقافات يتصدى لظاهرة التطرف الديني للحيلولة دون وقوع فتنة طائفية في المنيا التي تحول اسمها إلى عاصمة "التطرف الديني في مصر" نظراَ لكثرة الأحداث الطائفية التي عصفت بها على امتداد مراكزها، فمن بين 53 حادثة عنف ديني كان من نصيب المنيا 21 حادثة على مدار عامين منذ يناير ـ كانون الثاني 2008.

ولعبت عوامل كثيرة في جعل المنيا ساحة للحوادث الدينية من بينها عوامل جغرافية، حيث يغلب عليها الطابع القاري الصلد، كذلك التركيبة الديموغرافية للسكان، بالإضافة إلى انغماسها في الكثير من المتناقضات التي تنفرد بها مثل الفقر المدقع والغناء الفاحش لبعض السكان.

وتتنوع أنماط حوادث العنف في محافظة المنيا، حيث أن أخطرها هو "الانتقام الجماعي" الذي يستهدف أتباع ديانة ما في منطقة بأكملها، وتقوم فكرة الانتقام الجماعي على سريان قناعة غير عقلانية تعتقد بمسئولية جميع المسيحيين في منطقة ما عن فعل منسوب لشخص واحد أو أكثر من المسيحيين تجاه شخص واحد أو أكثر من المسلمين، وكذلك بمسئولية جميع المسلمين في تلك المنطقة عن الانتقام لهذا الفعل، بغض النظر عن علاقة القائمين بالانتقام أو المنتقم منهم بالفعل الأصلي حسب القناعة نفسها.

ويرتبط الانتقام الجماعي بمفهومين ظهرا بقوة خلال فترة الرصد هما "هيبة المسلمين وكرامتهم"، و"شرف المسلمين"، أما عمليات الانتقام من مسيحيين تجاه مسلمين فليست معدومة ولكن عددها ومستوى العنف فيها أقل بدرجة كبيرة، حيث يفضل المسيحيون عند شعورهم بالغضب اللجوء إلى أشكال احتجاج مختلفة مثل التظاهر والاعتصام، ودائماً ما يلجئون إلى الكنيسة لمطالبتها بالتدخل نيابة عنهم.