حنين

قصة: وائل وجدي
أتكون أنت صاحب الصور أم طيف آخر؟

فور أن تنتهي من امتحانات آخر العام الدراسي، تُحضر حقيبتك الصغيرة، لا تنس الكتب التي اخترتها لقراءتها أثناء وجودك في البلدة. سفرك إلى جدك، محاولة للاعتماد على النفس، تُحب مؤانسته والحديث معه، والتعرف إلى عالم الكبار.
تعود من المدرسة، تجد خالك "ضياء"، ينتظرك، يسألك عن تجهيز نفسك للسفر، تدخل حجرتك تحمل حقيبتك، يُسرع بأخذها منك، تُقبل والديك، تركب معه سيارته لتوصيلك إلى البلدة.
لا تشعر بالطريق، تسرح مع لغز من ألغاز المغامرين الخمسة، تستغرق في القراءة تمامًا، تلهث أنفاسك وراء أحداث المغامرة، يعجبك "تختخ" وذكاءه.
يأخذك النوم، تحلق في الأحلام: تركب حصانًا، تنطلق به وسط الحقول تجري وتجري.
تستيقظ على قُبلة. تفتح عينيك، تجد ابتسامة جدك الحلوة، تقفز من مكانك، تحضنه، تقبله في وجهه ورأسه.
رائحة العيش المخبوز، تنساب في باحة البيت الكبير، تشتهي أكله مع الجبن القديم وعسل النحل.
تسابق جدك في الصعود على السلم، تدخل حجرته، تقفز إلى السرير، لصق النافذة، تحب أن تطل منها. تنظر إلى السماء أو تتابع الناس في الشارع الطويل، المواجه للبيت.
يأتيك صوت جدك - الودود- أمام باب الحجرة:
- ألست جوعانًا..
تجري إلى حجرة السفرة، تجلس بجوار جدك، تهجم على عيش القمح – الذي تحبه – تلتهم كسرة كبيرة الحجم، بعد تغميسها في طبق العسل، تظمأ، تشرب كوبًا من الماء، ينظر لك خالك مبتسمًا.
يعطيك جدك ثمرة مانجو، يحذرك من اتساخ ملابسك، تجري. تأكلها براحتك، وأنت تطل من نافذة الصالة، تتابع الطيور العائدة إلى أعشاشها.
بعد صلاة العشاء، تمشي أنت وخالك في السوق، تشم رائحة الفسيخ، تحميص الفول السوداني، تطلب منه أن ترى بائع الذرة، وهو يقوم بشوائها على الفحم. يقف في شارع الكورنيش، تُصر على متابعته أثناء الشواء، تحب رائحة الذرة المشوية وطعمها اللذيذ.
في المساء، يفتح جدك الراديو، تستمعان إلى حلقات ألف ليلة وليلة، يعجبك صوت شهرزاد وحكاياتها العجيبة، يحرك المؤشر تستمع إلى إحدى حفلات أم كلثوم – المسجلة – يبهرك صوتها ونفسها الطويل.
تسمع آذان الفجر، تلمح جدك ينفض غطاء السرير، يفتح باب الحجرة، يتغيب دقائق، يعود فارشًا سجادة الصلاة. تقفز من السرير، تتوضأ، تجري لتلحق بجدك، تقف بجواره، تتابع الصلاة معه.
لم تستطع أن تنام، تطل من النافذة، تنتظر الشروق وشقشقة العصافير. اللون الرمادي الغامق، يقل تدريجيًا، يبدأ قرص الشمس في الطلوع.
تخرج من حجرة النوم، تجد جدك يجلس بجوار نافذة حجرة الجلوس، يقرأ في القرآن الكريم. لا تزعجه وتجلس على الأريكة، تنتظر حتى ينتهي من قراءته. تحب تلاوته لسور كتاب الله. صوته رخيم، عذب.
تفطر مع جدك. البيض المسلوق الساخن والجبن والعسل. تجد أمامك كوبًا من اللبن الطازج، تشعر أن طعم كل شيء به اختلاف.
تشتاق إلى ركوب الحنطور- الخاص بجدك - والذهاب إلى العزبة، والتمشية وسط الحقول. تشتاق إلى الخضرة، ومتابعة الساقية، وهي تدور، واندفاع الماء في القناية.
تسأل جدك عن "عم كامل"، ليقلك إلى العزبة. ينظر إليك، مبتسمًا:
- دقائق وستجده هنا.
لم يكمل جدك حديثه، وجدت "عم كامل" ببشرته السمراء، وجسده الممشوق، وجلبابه الأزرق الغامق. يدخل من باب شقة جدك فاتحًا ذراعيه لك. تندفع تحضنه. يرفعك بيديه، كما كان يفعل وأنت صغير. تتسارع أنفاسه، يقول لك:
- كبرت ما شاء الله.
ارتفعت ضحكات جدك:
- الولد في الإعدادية يا كامل.
ينزلك "عم كامل"، يجلس على الأريكة، يلتقط أنفاسه. تجري إلى جدك، وهو يجلس بجوار النافذة:
- من فضلك أريد أن أركب الحنطور مثل كل عام.
- حاضر، سيذهب بك كامل إلى العزبة حتى انتهى من بعض الأمور المهمة.
تجلس على الكنبة الخلفية للحنطور، تتابع المهرة "زهرة"، وهي تنطلق إلى العزبة. تخرج محفظتك الجلدية، تتأمل صورة "أماني". كم كنت تتمنى أن تكون معك. تشاركك هواياتك المختلفة: القراءة، جمع الطوابع، السباحة.
لم تشعر بالمسافة بين البيت والعزبة. تنتبه عندما تلفح أنفك رائحة زهر الليمون. تجد خالك "ضياء" يجلس في ظلال شجرة الجميز. تقفز من الحنطور تجري نحوه، معانقًا:
- أريد أن أذهب إلى الحقل.
تند ابتسامة على ثغر خالك:
- خذ المظلة وافتحها. الشمس حامية اليوم.
تأخذ المظلة، تندفع ناحية الحقل. إحساسًا بالسعادة يجتاحك كلما تحضر، تتملى الخضرة المنبسطة في الأفق. تحب لوزة القطن، وبياضها الناصع. تتابع جمع القطن. تجري هنا وهناك. ترتاح من اللعب في ظلال شجرة التوت العجوز. ترقب "أبو قردان" وهو يهبط من تحليقه، يلتقط الديدان، ويعود مرة أخرى إلى التحليق.
أماني اسم تحبه، تشغف بصاحبته، شقاوتها، انطلاقاتها المرحة. تذهب معها إلى سينما النادي، تشاهدان أفلام: عادل إمام، جيمس بوند. لا تستطيع أن يمر يوم دون الخروج سويًا. أحلى أيام تقضيها في البلدة، لكنك تشعر بسعادة باهتة. تفتقدها، تحن إلى حديثها، ابتسامتها الحلوة.
تٌفاجأ بخالك يجلس بجوارك، ينظر إليك مبتسمًا:
- تعبت من الشمس الحامية؟
- أرتاح من الجري هنا وهناك.
- أمازلت تحب الآثار وزيارة المتاحف المختلفة؟
- بالطبع يا خالي أحب التاريخ وآثاره.
- إنك تتحدث أكبر من سنك. ما شاء الله عليك.
- أحب المعرفة والقراءة في شتى المجالات.
- في الأيام القادمة سأريك اكتشافًا جديدًا.
تعتز بصداقتك لخالك. تحب أن يشاركك اهتماماتك وما تهوى. تلحظ ولعه بالآثار. تخرج في كلية الآداب، يدرس التاريخ قديمه وحديثه. كثير ما أخذك إلى المتحف المصري في "ميدان التحرير"، تنبهر بالكنوز الذهبية التي تركها "توت غنخ أمون" في مقبرته. وما يقصه عليك من معاناة مكتشفه "هوارد كارتر" من صعاب شديدة حتى اكتشف المقبرة التي لم يصل إليها اللصوص. يعطيك كتابًا مبسطًا عن كنوز مصر القديمة. تعيش مع صفحاته العامرة بالمعلومات والصور الخلابة.
تركب الحنطور تطلب من "عم كامل" الذهاب إلى جدك، لأنه أوحشك كثيرًا ولعله يكون في مقهاه المفضل.
تدخل المقهى، تزدحم بالرواد، تبحث عن جدك. يأتيك صوته الجهوري، يملأ فضاء المكان. تجده يجلس على منضدة بجوار الحائط، يلتف حوله أصدقاؤه، يلعبون الشطرنج. تندفع تحضنه وتقبله. يرحب بك، وينظر لأصدقائه، قائلاً:
- الولد كبر.
يرددون في وقت واحد:
- ما شاء الله.
ينادي جدك على النادل ليحضر كرسيًا ويطلب لك شايًا بالحليب. تجلس بجواره، تحاول أن تتعلم فنون لعبة الذكاء.
تشرب بعض رشفات من الشاي. تنظر حواليك، تلاحظ أنها نفس الوجوه التي تراها عندما تحضر من العام إلى العام.
الكل يتكلم في وقت واحد. الأصوات تتداخل مع أصوات النادل، وهو يؤكد على طلبات الرواد. دخان السجائر والشيشة، يملأ فضاء المقهى، يضايقك لكنك تسعد بالجلوس مع جدك، ترقب مهارته في تحريك قطع الشطرنج. في العام الماضي علمك خطة نابليون. أصبحت بارعًا في تنفيذها مع أصدقائك.
يستأذن جدك من أصدقائه، تخرجان سويًا. تجد عم كامل ينتظر بالحنطور أمام الرصيف المقابل للمقهى. تصعد الحنطور، تجلس بجوار جدك، يربت كتفك:
- عندي مفاجأة ستسعدك كثيرًا.
تبتسم:
- ما هي؟
- لن أخبرك حتى نصل إلى البيت. كامل مر بنا على خميس السماك.
- حاضر. دقائق وسنكون عنده.
تدهشك رشاقة "زهرة" وانتظام خطواتها على أسفلت شارع الكورنيش. تحب صوت حوافرها وهي تلامس الطريق. يقف "عم كامل" بالحنطور أمام محل خميس السماك. يخرج جدك مبلغًا من المال يعطيه له، قائلاً:
- وصيت على السمك قبل أن أذهب إلى المقهى.
- دقائق وسأحضر المطلوب.
تنزل من الحنطور مع "عم كامل". تدخلان المحل. تجدان الطلب جاهزًا. يدفع عم كامل النقود. يأخذ الأسماك المشوية – التي يعرف جدك أنك تحبها – تقفز إلى الحنطور، تقبل جبين جدك. شاكرًا إياه على هذا الغداء الشهي.
لا تنتظر حتى يغير جدك ملابسه، تسارع إلى حجرته تطلب أن تعرف المفاجأة. ينظر إليك مبتسمًا:
- انتظر ولا تتعجل. نأكل السمك المشوي ثم....
- لن أصبر حتى أنتهي من الطعام. أريد أن أعرف ما هي؟
- أعرف أنك متلهف لمعرفة ما هي المفاجأة، لكنك منذ الإفطار لم تأكل شيئًا.
- أرجوك.
- خلاص يا حبيبي. افتح ضلفة هذا الدولاب ستجد حقيبة جلدية في الرف الأوسط.
تخرج الحقيبة من الدولاب. يعجبك جلدها الأسود البراق. تفتحها. تنظر إلى ما بداخلها. تجد مجموعة من الكتب. تخرجها. تقرأ العناوين. تفرح أن جدك اختار ألغازًا جديدة للمغامرين الخمسة، وكتاب 200 يوم حول العالم لأنيس منصور. تهم بتصفحها، وتسرح معها.
يأتيك صوت جدك، بحزم:
- هل نسيت السمك؟
- حاضر. من فضلك دقائق.
- سيبرد وأنت لا تحبه إلا ساخنًا.
رغم أنك تولع بأكل السمك المشوي إلا أنك تشتاق لأن تقرأ ما أهداك جدك من كتب، تلمحه ينظر إليك، مستغربًا عدم أكلك السمك بشهيتك المعتادة:
- ألم يعجبك السمك؟
- الطعم لذيذ لكني مشتاق أن أقرأ المغامرات الجديدة للمغامرين الخمسة.
- ما توقعته حدث. انشغلت بالكتب، وتركت الغداء. لم تأكل إلا لقيمات صغيرة.
- سأكمل الطعام بعد أن أقرأ أحد الألغاز.
- كما يحلو لك.
تأخذ حقيبة الكتب. تنير "نجفة الصالة". تجلس بجوار النافذة. تفتح الضلفة. تختار لغز أبو طرطور. تلتهم صفحاته.
تطل من النافذة، تتابع محل تصنيع الصفائح. كيف يتم الطرق على رقائق الصفيح بالمطرقة لتسوية أطرافها. تلحم بلمبة اللحام لتشكيل الصفائح بالأحجام المختلفة. تعجبك مهارة الصانع ودأبه. تشم رائحة محببة إلى قلبك. تضع اللغز على المنضدة لصق النافذة. تدخل المطبخ. تجد "البطاطا" تطهى فوق الموقد. تشكر فارس الطباخ على طهي ما تحب.
توحشك "أماني". لم ترها طوال ثلاثة أسابيع. مذاكرة امتحانات آخر العام، تأخذ كل وقتها. تسعد عندما تراها قبل ذهابها إلى المدرسة. الشرفة أمام الشرفة. تحب ابتسامتها وشقاوتها اللذيذة. ترقب نافذتها لعلها تطل ولو لثوان. تجلس في الشرفة. تذاكر بعض الموضوعات المهمة التي حددها المدرسون في مجموعة المدرسة.
تقرأ سطورًا ثم ترفع رأسك لعلك تراها لكنك لا تسعد برؤيتها. تحاول أن تتحدث معها في الهاتف لكنك تجد – دومًا – شقيقتها ترد عليك، تضطر أن تغلق الخط. تكرر المحاولة دون فائدة.
تنشغل في المذاكرة والامتحانات. في وقت الراحة، تخرج ألبوم الصور من درج مكتبك. تتصفحها. كثير من الصور الملتقطة لكما في مناسبات مختلفة. عيد ميلادها. تسلمها الجائزة الأولى في مسابقة كرة الطاولة.
ينادي عليك جدك. تجري إلى حجرته. تجلس بجواره في السرير:
- خير يا جدي.
- هل انتهيت من القراءة؟
- لغز أبو طرطور. فقط.
- بالطبع لم تكمل غداءك.
- عندما أشعر بالجوع سأكمل الطعام.
- القراءة لا تنتهي. عليك أن تنهي طعامك أولاً ثم تفعل ما تشاء.
- لا أحب أن تغضب. سأكمل الغداء حالاً.
يرن الهاتف. تجد صوت خالك:
- أتحب أن تذهب إلى السينما؟!
- بالطبع يسعدني كثيرًا. ما اسم الفيلم؟
- المرأة الخارقة. فيلم من الخيال العلمي.
- أنا أحب هذه الأفلام.
- استعد الساعة السابعة، سأمر عليك.
تدخل حجرة جدك، تجده مازال مستيقظًا. يقرأ جريدته - المفضلة - "الوفد". لاعتزازه بوفديته القديمة.
حكي لك مرة، عن مشاركته في جنازة الزعيم الوطني مصطفى النحاس، وسفره من البلدة إلى القاهرة حتى يودعه إلى مثواه الأخير. تتحين أية فرصة كي يقص عليك ذكرياته وأيامًا لم تعاصرها. يوصيك ألا تصدق ما يكتب عن الزعماء في الصحف والمجلات بعد أن يقضوا نحبهم. هناك الكثير من الكذب وإخفاء للحقيقة مداهنة لعصر حالي عن عصر سابق. تصغي لما يبوح به بصمت وتأمل.
يتنبه على فتحك الدولاب، يبتسم:
- ماذا تفعل؟
- أختار ما سأرتدي وأنا ذاهب مع خالي إلى السينما. ليتك تحضر معنا.
- تذكرني بشبابي وهواياتي لكن الآن لا أطيق الجلوس لوقت طويل.
- كنت أتمنى أن تخرج معنا.
- هذا هو حال الدنيا. نكبر ولا نستطيع أن نفعل ما نحب. ما اسم الفيلم؟
- المرأة الخارقة.
- قرأت عن قصة الفيلم. في إحدى الصحف، أحداث جديدة للمسلسل التليفزيوني المرأة الخارقة في فيلم سينمائي.
- أحب هذا المسلسل. أتمنى أن يكون الفيلم بمستواه.
ترنو إلى ألبوم صورك وذكريات أيام رحلت. أتكون أنت صاحب الصور أم طيف آخر. وائل وجدي – القاهرة waelwagdy62@msn.com