حنان الشيخ ومشاكسة المفاهيم الملغومة

رواية 'عذارى لندنستان' للروائية اللبنانية حنان الشيخ تقتفي أثر الدين والجنس والتعصب الديني إنطلاقا من متابعة حياة هدى وإيفون وهشام.


حنان الشيخ تختار التصريح للتعبير عن الرغبات الجسدية لشخصياتها


'عذارى لندنستان' تراهن على التنوّع في البنية المكانية


العمل يستمدُ انسيابيته من الإستفادة من تقنيات السرد

إرتفاع سقف الحرية في العمل الروائي هو ما يوفّر فرصةً لتأمّل الموضوعات والقيَم السائدة، دون الإمتثال للائحة الرقيب الذي لا يستوعبُ حقيقةً بأنّ المعرفة هي الأخلاق الوحيدة للرواية على حدّ قول الكاتب ميلان كونديرا، لذلك فإنَّ المادة الروائية معجونةٌ بالتناقضات والأسئلة المضمرة.
ما يميّزُ الخطاب الروائي هو احتواؤه للظواهر المُختلفة، هذا عدا عن إحتفائه بالتنوّع والحرية، لذا فمن الطبيعي أن تكون العلاقة بين الروائي والسلطة متوترة بقطع النظر عن الايدولوجيا أو المعتقد الذي تُمثّله. وما عمّق الخصومة بين الطرفين أكثر هو أنّ الرواية أصبحت منبراً للفئات المقموعة والأصوات المهمّشة، لذلك، وجدت المرأةُ كونها كائناً مُغيباً في هذا الشكل الأدبي مساحة للبوح والتعبير عن هواجس الذات وكسر القيود وتمثيل الهوية النسوية.
ولا يخرجُ مسعى شخصيات رواية "عذارى لندنستان" للروائية اللبنانية حنان الشيخ من هذا الإطار، إذ تقومُ الرواية على مُقاربة مفهوم الدين والجنس إنطلاقاً من مُتابعة حياة شخصيتي هدى وإيفون، فالأولى نشأت في بيئة دينية مُسلمة كان أبوها رجل الدين ومرجعاً لأهالي منطقة البقاع في القضايا الشرعية، أما الثانية فهي إبنة أسرة مسيحية، ولا يبدو أنَّ الدين يتّخذُ طابعاً إشكالياً في تكوينها الشخصي، بخلاف صديقتها هدى التي لا تنسحبُ ظلال تجربتها المؤطرة بالدين من ذاكرتها على رغم مغادرتها للواقع المُشبَّع بالمحرم وإقامتها في كندا.
وهي تستعيد وقائع من حياتها تُفسّرُ سلوكياتها ورؤيتها للدين والجنس. يذكرُ أنَّ الجنس إضافة إلى كونه رغبة طبيعية يكتسبُ وظيفة أخرى لدى حنان الشيخ وهي التعبير عن فعل الإحتجاج تارةً ومقاومة الزمن تارة أخرى، كما ترى الحالة الأخيرة عند شخصية إيفون التي يتصاعدُ توتّرها كلّما فشلت في العلاقة العاطفية.
التبذير الحسّي
يطالعك في مفتتح الرواية مشهدٌ يجمعُ بين الشخصيتين الرئيستين على شاطئ البحر، وتتشارك الإثنتان في إستعادة خاطفة لذكرياتهما المُتلبّسة بمشاعر مُتناقضة عن البحر، كما أنَّ القلق من غياب صديقيهما روبرتو ولوتشو وتأخّر الإيطاليين هو ما يضعُ الإثنتين على خطّ الترقّب والتخوّف من الإخفاق في التواصل الجسدي. ومن ثُمَ يتحول الراوي نحو إستبطان مشاعر إيفون وهي بصحبة صديقها لوتشو ومُحاولتها إقناعه بالذهاب إلى شقتها مُتحدّية النظرات المُتلصّصة، غير أنّ لوتشو لا يحقّق لها هذه الرغبة ويكتفي بلذّة عابرة.
وما ينقلهُ الراوي عن ايفون بأنها تمنّت لو أنّ كلّ رجال العرب يتفهمون ضرورة الإنسحاب من الإلتحام الجسدي مع المرأة قبل اللحظة الأخيرة مثلما فعل الإيطالي، يكشفُ عن الإنحياز للثقافة الغربية في بعض تفاصيلها ولكن خيبة أمل إيفون في صديقها وصدمتها بمناوراته للتفلّت منها، يدحضُ الصورة المثالية للرجل الغربي بإعتباره مُتفهمّاً لحساسية الأُنثى. 
وبذلك، يتعمّقُ الحسّ النسوي في فضاء الرواية، وهو أمر يؤكّدهُ موقف الشخصيتين من الجنس الآخر ومحاولة إلغاء دوره بوصفهِ مُكمّلاً للهوية وإختزال حضوره إلى وظيفة آداتية، مثلما يتّضحُ هذا المستوى من الرؤية في علاقة هشام مع كلّ من هدى وايفون، هذا عدا عن مبادرة هدى للتواصل الحميمي مع أستاذها الكندي، مُعلنة أنَّ هذه الرغبة هي ما يفكّرُ فيها كلاهما، كما يتّسقُ ما يتخيّلُ لإبنة الشيخ حول إنطباع صديقها روبرتو عندما يتفاجأُ بنضاحة رغبتها الحسية، وجرأتها غير المعهودة بالنسبة للمرأة الشرقية مع منحى السرد المعبّر عن الذات النسوية. 
وهذا الجانب من الشخصية لا يمكنُ فصله عن تراكمات مرحلة الطفولة المُثقلة بالمُحرّمات وما يثيره من أسئلة وجودية عن الخطيئة والإثم.
إذ تستعيدُ هدى معاناتها وما نُكل بجسدها الغض لأنها شاركت في لعبة النحلة والدبور، والدكتور والمريض حيثُ تتوسّمُ من إلتهامها لشفتي الرجل مداواةً لحرقة الفلفل التي لازمتها منذ أن عاقبتها الأمُ بهذا النبات. لذا فإنَّ ما تقوم به هدى هو إنتقام لطفولة مهدورة. إلى ذلك فإنَّ تأنيب الضمير هو بعد آخر من تركيبة هذه الشخصية التي ما تنفك تفكر بأنّ والدها مات بعدما رأها بالمايوه ولم يتحملْ رؤيتها بهذا الشكل. 
وتختار حنان الشيخ التصريح ولا التلميح للإبانة عن المستوى الحسّي والرغبات الجسدية لشخصياتها.
مُطارحة
مفصلُ آخر من الرواية تنبسطُ على مساحته سجالاتٌ بشأن المفاهيم الُمحملة بالشحنة الحضارية والدينية. ويصبحُ ميدان "هايد بارك" في لندن مِساحةً تنعكسُ وجود آراء وخطابات مُختلفة.
ومن الواضح أنَّ شوارع ومنصّات متوفرة في البلدان الغربية تُصبحُ فضاءً مُنفتحاً للأطياف الفكرية والسياسية المتعدّدة في الرواية العربية وذلك نتيجة غياب قيَم الحرية في ظلّ النظام الشمولي.
 توظفُ الكاتبةُ تقنية الحذف المباشر لرصد شخصيتي هدى وايفون في مناخ جديد بعدما مضت سنة على لقائهما في إيطاليا. وهذا التنوّع في البنية المكانية ليسَ الغرض منه إضفاء التشويق إلى إيقاع الرواية بقدر ما يهدفُ إلى بيان الفكرة التي لا ينتظمُ العملُ بدونها.
إذ إنّ تطوّر الحدث يتطلّبُ مكاناً ملائماً لإضاءة ثيمة أخرى وهي التشدّد الديني والتحوّلات في الشخصية التي تُمثله، وكل ذلك يأتي مصحوباً بأجواء مُشبعة بالإنفعالات داخل "هايد بارك". هناك تتصادم الأفكار ويكون المتلقّي أمام نقاشٍ حول شتّى المواضيع، بدءاً من النقاب بما يحمله من دلالات دينية إلى التمييز العرقي والعمليات الإنتحارية إذ ينحو الأسلوب منحىً ساخراً في بعض الفقرات.

حنان الشيخ
تمثيل الهوية النسوية

 ونجحت الكاتبة في تفويض هدى لمُناقشة هشام المُتشدّد في أمور دينية لأنها تثقّفت بمفردات الشريعة بفعل موقع والدها الديني والإجتماعي.
وما يدور في ركن الـ"سبيكرز كورنر" هو حلقة أساسية في تسلسل السرد نحو محور جديد وهو علاقة هدى بهشام الذي تسميه تأبطَ شراً. فالأخير من أصول جزائرية كان مقيماً في فرنسا قبل إنتقاله إلى لندن حيث يتحوّل السجال العنيف بين الإثنين إلى مطارحة غرامية غريبة بعدما ترجع هدى لـ"هايد بارك" وتنصب شركاً للمتعصّب، إذ تتظاهر بالإعياء والدوار في إحدى المحطات على مرمى نظر هشام وما من الأخير إلّا أن يسارع إليها ويأخذها إلى غرفته في عمارةٍ يعملُ فيها بوّاباً. 
وما يستتبعُ هذا الموقف عبارة عن مشاهد كوميدية حيثُ تبلغ حدة الشبقية بهشام لدرجة انه يمارس العلاقة الحميمة أربع مرات مع ضيفته. هنا تُظهرُ حنان الشيخ الرجل في صورة كائن ساذج لا ينتبه إلى لعبة المرأة التي تستخدم وصفتها الجديدة ومن ثُمَّ تغادره مُعلقاً في الحيرة من أمره.
يستمدُ هذا العمل رشاقته وانسيابيته من حسن الإستفادة من تقنيات السرد خصوصاً الحوار والإسترجاع، فضلاً عن الوصف الخارجي والتدوير، لكن يلاحظُ فقدان الشخصيات لاستقلاليتها في بعض المقاطع ما يجعلها نمطية في الحركة والتفكير.