حمير تهرب لترتاح يومين ثم تعود

بقلم: مصطفى نصر
ذكاء الحمير

السعادة مع عالم الحمير كان رجب مولعا بعالم الحمير والجياد، وكل أمله أن يتمكن، عندما يكبر، من أن يشتري حصانا كبيرا ليجر عربة "بنز" يتفسح بها على كورنيش البحر.
وكان يتحدث كثيرا عن حمار والده مسعود الذي لديه قسم زبالة في حي سبورتنج.
حمار أبيض قوي، عندما اشتراه مسعود كان يعض كل من يقترب منه، ويجن عندما يرى أمامه حمارا آخر، فيشد لجامه، ويهجم على هذا الحمار يعضه ويرفسه في عنف، حتى خافته حمير الحارة وابتعدوا عنه.
رغم هذا، كان فيه عيب كبير هو خوفه من رؤية رؤوس البقر والجواميس المعلقة لدى الجزارين، ما أن يراها حتى ينهق ويرتعد، ويسرع بعيدا عنها، وكان يخاف أيضا من المياه، فإذا اقترب من شارع فيه مياه يجفل، ثم يرتد إلى الخلف ويحرن ويمتنع عن التقدم إلى الأمام خطوة واحدة، ينزل عامل مسعود ويضربه دون فائدة.
رغم هذا كان رجب يثني عليه كثيرا ويصفه بالشجاعة والقوة. وينتقص من قيمة حمار زوج عمته الذي يسكن معهم في البيت، كان أسود وأكثر طولا وعرضا من الحمار الآخر، لكنه هادئ ولا يجري أبدا على الشر. إذا ما قابله حمار مسعود بنهيقه وثورته، يبتعد في هدوء وكأن شيئا لم يحدث. كان رجب يقول عنه: إنه ني وجبان.
يذهب سعد مع جده عبدالعال، زوج عمة رجب، إلى قسم الزبالة الذي يمتلكه في حي محرم بك، والذي يبدأ من خلف شارع عرفان من ناحية شارع الإسكندراني، وينتهي بعد المحكمة، سكان هذه المنطقة من الطبقة المتوسطة التي لم تكن تدفع أجرة كبيرة، بعكس سكان قسم زبالة مسعود الذين يدفعون أكثر، خاصة الخواجات الذين كانوا موجودين وقتذاك.
مازال سعد يذكر هذه الأيام، الصباح المبكر، وجده عبدالعال بقامته القصيرة، ووجهه الجميل المائل للاحمرار، وطاقيته التي كانت قبعة وجدها في الزبالة، ففردها وغطى بها رأسه، وبنطلونه الطويل دائما، الذى يثنيه ثنيات كبيرة واضحة، وجلوسه على عريش العربة الفارغة، ويصعد ابنه بشر وسعد ابن ابنته إلى صندوق العربة المرتفع يتمازحان، أو يتشاجران داخل العربة.
يقود عبدالعال العربة، ويتوقف أحيانا أمام بائعة كسكسي، فلاحة بيضاء تقف في تقاطع شارعي محمد العباسي المهدى والأمير أحمد رفعت، تصحو مبكرة لتلحق الزبالين قبل الذهاب إلى أعمالهم، ودكان عم يس المواجه للمحكمة. الرجل يحب عبدالعال، يمازحه طوال الوقت، ويقدم إليهم الإفطار؛ شاي بلبن وعيش فينو من فرن في شارع الإسكندراني القريب جدا، أو شربة العدس والفول والطعمية، ويبدأ العمل.
بشر، خال سعد، الذي يكبره بعام واحد يعرف أصول المهنة أكثر منه، لابد أن تحمل القفة الكبيرة فوق ظهرك وتصعد بها فارغة إلى الدور الأخير، ثم تبدأ في حمل الزبالة وتهبط بها.
ضغط سعد على جرس الباب، ففتحت امرأة شابة، نظرت إلى ذلك الطفل الصغير الممتلئ في دهشة، قال في خجل: الزبالة.
ضحكت المرأة بصوت مرتفع ونادت أختها الكبيرة التي في الداخل قائلة: شوفي عبدالعال جايب لنا إيه.
وجاءت الأخرى مسرعة، وقفتا على الباب تضحكان لرؤية ذلك الزبال الصغير.
كان حمار عبدالعال الأسود الطيب يجر العربة المحملة بالزبالة الثقيلة، ويقف في مكان كل يوم دون مساعدة من أحد، فهو يعرف الأماكن التي سبق أن حددها عبدالعال للوقوف: أمام خرابة، ثم قريبا من بيت أم بعجر المواجه لمدرسة صلاح الدين، بعيدا عن النوافذ والشرفات.
يقف الحمار أمام هذه الأماكن، فيضع عبدالعال له طعامه، وعندما يرفع الطعام عنه، يعرف الحمار المطلوب منه، فيسير دون قول، ويقف دون قول، بجوار بيت امرأة مجنونة، تقف في الشرفة وتحدث نفسها وتصيح.
بعد أن يحملوا زبالة القسم كله، يركب سعد فوق العربة، ويجلس عبدالعال على العريش، وأحيانا يجلس بشر، ابنه، بجواره، ويذهبون إلى "المقلب" على ترعة المحمودية ليلقوا الزبالة هناك.
ويبدأ الفرز، الورق يوضع في أجولة من الخيش. والأقمشة المهترئة توضع في قفة كبيرة، والزجاجات والعلب الفارغة توضع في قفف كبيرة .. الخ.
بعد ذلك يحملون هذه الأشياء ويذهبون بها إلى تاجر الورق، وتظل الزبالة المتبقية في مكانها، فهناك يربون الخنازير التي ترتع وتأكل من هذه الزبالة، والمتبقي يبيعه عمال المقلب إلى الفلاحين ليتخذونه سمادا لأراضيهم.
عندما يشم سعد رائحة الزبالة المتجمعة في مكان لمدة طويلة يتذكر هذه الأيام.
لم يتحقق لرجب ما أراد، فبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة، كانت البلاد في عز النكسة، نتيجة لهزيمة مريرة من إسرائيل، والدولة في حاجة إلي طيارين كثيرين، فقبلوه في كلية الطيران، وارتدى بذلة طلبة الكلية الجوية وسط دهشة أهالي غربال الذين أحسوا بأن عالما جديدا ينتظر المنطقة، لكن لسوء الحظ فصل من الكلية لأنه لم يحس بالأرض عند هبوطه بالطائرة، وأشاعت بعض النسوة هناك أنهم فصلوه بعد اكتشاف مهنة والده، فكيف يكون طيارا ووالده يعمل زبالا؟ عربات الزبالة وحرب 56 تقف عربات الزبالة في غربال أمام معظم البيوت، ترفع عريشيها لأعلي، كل عريش يحيط به طوق من الحديد، فيبدو وهو معلق هكذا وكأنه فوهة مدفع. لذا، خاف الناس أيام حرب 56 وقالوا: أنزلوا سيقان هذه العربات لأسفل خشية أن تظنها طائرات العدو مدافع، فيدكون المنطقة بالقنابل.
وبالفعل نزلت "أعرشة" العربات إلى الأرض، ولم ترفع إلا بعد أن انتهت الحرب. وتكرر هذا في حرب 67 أيضا.
عند المغرب يأخذ عبدالعال حماره الأسود الطيب مثله إلى أعلى الجبل، حيث التراب بكثرة ليتمرغ هناك ويرفس بساقيه الأربعة وينهق براحته، هكذا "يتمطع " الحمار ويسترد قوته التي أنهكت طوال ساعات العمل الطويلة.
وهكذا يفعل كل أصحاب الحمير في المنطقة، لكن البلدية صنعت سلالم بازلتية، ووضعت ثلاث حدايد في أعلى الجبل حتى لا تقع السيارات من أعلى، فحرمت الحمير من التمرغ والراحة.
بعدها يجر عبدالعال الحمار إلى أسطبل "نزهة" وهو مصنوع من الصفيح ومضاء بلمبات جاز خابية الضوء في الأركان.
وتستيقظ الحارة في الصباح على صياح، نظنه أول الأمر مشاجرة من المشاجرات الكثيرة التي تحدث، ونكتشف بعد ذلك أن حمار فلان الفلاني هرب من إسطبل "نزهة".
هكذا الحمير، يخطر ببالها أن تهرب وترتاح ليوم أو يومين، فيشد الحمار الحبل المربوط فيه، ويهرب من باب الأسطبل المفتوح دائما ويجري بعيدا، وعندما يحس أنه ابتعد عن منطقة الخطر؛ يسير على مهله. ويجول بين الحدائق، ويأكل كما يشاء.
يبحثون عن الحمار، ويحس صاحبه بالأسى فكيف سيذهب اليوم إلى عمله، يبحث عن حمار آخر يشده مكان حماره الهارب، وفي معظم الأحيان لا يذهب إلى عمله في ذلك اليوم الذي يقضيه في البحث عن حماره. وفي كثير من الأحيان يعود الحمار وحده، يسير في العودة على مهله، يدلدل أذنيه، وينظر إلى الأرض كسيفا، ويدخل الأسطبل دون قول، ويقف في مكانه كما كان.
***
ليس الزبالون وحدهم الذين يمتلكون الحمير في غربال، فهناك طبقة جديدة ظهرت، فعندما لا يجد الشاب عملا، يشتري حمارا وعربة كارو ويعمل عربجيا، ينقل الأمتعة، أو يذهب إلى وكالة الخضار والفاكهة في الحضرة، ويتعامل مع تجار سوق الخضار والفاكهة.
بعض هؤلاء كان يذهب بحماره إلى محطة مصر ليؤجره للأطفال في الأعياد، يضع فرشا فوق ظهره، ويمسك عصا رفيعة، ويركب الأطفال، ويطوف بهم حول حدائق محطة مصر نظير قروش قليلة. لكن الزبالين لم يفعلوا هذا، فحميرهم لا تعمل إلا في نقل الزبالة.
وكان معنا صديق والده يعمل ملاحظ كناسين، كان مجنونا بالحمير، فيعرض على أصحابهم أن يأخذ الحمار ويذهب به إلى أعلى الجبل ليتمرغ ويرتاح، أو يوصله لأسطبل "نزهة".
وكانت تخطر له أفكار غريبة، فمرة يضع قرن فلفل حار جدا في مؤخرة حمار وهو يجر العربة، فيأخذ الحمار في القفز بالعربة حتى يكاد يحطمها، ويجري في الحارة ويصطدم بالأشياء.
ومرة ضرب أحد أصحاب الحمير هذا الولد لأنه يركب حماره دون أذنه، كانت صفعة الرجل قوية، فأقسم الولد أن ينتقم منه، وفي اليوم التالي دق مسمارا في ظهر الحمار، حتى سوس عظمه، وباعه الرجل بأبخس الأثمان. وهو يدعو على ذلك المؤذي الذي أذاه. الزبالون يخافون من العُرضي يخاف الزبالون من أشياء كثيرة في عملهم، أول هذه الأشياء هو الطوربيل، فقد كانت البلدية تطاردهم بسيارة نقل كبيرة، فيرمون أجولتهم وقففهم بعد أن تمتلأ بالأشياء التي يجدونها في الزبالة، إلى طوربيلهم الكبير.
والشيء الثاني هو اتهامهم بسرقة أي شيء يضيع في منطقتهم، ما أسهل كلمة (اقبضوا على الزبال).
وهناك حكايات كثيرة حدثت في المنطقة أتهم فيها الكثير من الزبالين بالسرقة، وبعد أن ضربوا وعذبوا عادوا إلى بيوتهم، ولم يحدث أن أدين زبال واحد بالسرقة. فهم لا يمكن أن يسرقوا، كيف يسرقون في أماكن (أكل عيشهم)؟
والشيء الثالث الذي يخافه الزبالون هو "العُرضي" الذي كان في حي محرم بك، قريبا جدا من قسم زبالة عبدالعال. (مكانه الآن مساكن شعبية).
يسير عسكري شرطة، ومعه سايس يحمل لجاما في يده، ويوقفون العربات التي تجرها الحمير أو الجياد، يفتشون فيها، يرفعون أسرجتها عن ظهورها، فإذا وجدوها مريضة أو مجروحة في أي مكان من جسدها، يخلعونها عن العربة، ويضع السايس لجامه في رقبة الحمار أو الجواد ويأخذه إلى العُرضي.
حينذاك يجر الزبال ومن معه العربة الثقيلة إلى البيت، أو مكان رمي الزبالة، ويقضي الرجل أياما عصيبة حزينة، تؤثر على بيته كله، فالحمار سيبقى في العرضي يعالجونه إلى أن يشفى، ثم يذهب لأخذه، فيقدمون إليه فاتورة العلاج التي عادة ما تكون ثقيلة لا يقدر عليها، لكنه يفرح بذلك فحماره العزيز سيعود إليه.
وقد حدث أن أخذ مسعود سعدا إلى العرضي، وتسلم حماره الأبيض القوي الشرس، وقال لسعد: أصعد فوق ظهره وعد به إلى أسطبل "نزهة" لأني ذاهب إلى مشوار.
لكن سعدا خاف أن يركبه، وشده من الحبل المعقود في رقبته حتى الأسطبل. (الذي منع سعد من ركوبه ما حدث له عندما ذهب مع الأسرة بعد حرب 56 إلى الصعيد، فقد ركب حمارا، فأخذ الحمار يقفز قفزات عالية حتى يزحزحه عن ظهره إلى أن ألقي به على الأرض). مرعي يعود إلى غربال عندما يأخذ العرضي حمارا يبحث صاحبه عن مرعي، فهو الحل في مثل هذه الحالات. ومرعى هذا شاب قوي جدا، وجهه مستدير وجميل، شعره أصفر وعيناه واسعتان عسليتان، وشاربه أصفر، يرتدي ملابس قديمة، وطاقية من الصوف بأذنين يغطي بها أذنيه صيفا وشتاء.
يذهب صاحب الحمار للبحث عن مرعي على المحمودية، حيث يعيش مع امرأة هناك دون زواج، هي أكبر منه، وتسكن كوخا مقاما على حافة الترعة دون ترخيص أو إذن من البلدية، من وقت لآخر تأتى الحكومة وتهدم تلك الأكواخ الكثيرة المقامة، لكن بعد أيام قلائل يعودون لبنائها ثانية.
الزبالون لا يلجأون إلى مرعي إلا للشديد القوي، والشديد القوي هو العُرضى الذي أخذ حميرهم. فمرعي عبء على من يعمل عنده. هو وحده الذي يستطيع جر عربة زبالة ثقيلة خاصة في الصيف حيث يكثر قشر البطيخ الثقيل.
مرعي يأكل كثيرا طوال وقت العمل، وجسده قوي وكبير، كما أنه يتعب كثيرا، لابد له من ميزانية خاصة.
وبعد أن يعود بالعربة يجلس أمام باب شقة صاحب العمل، يعطيه الرجل أجرته وأكثر منها، ويقول له: تعال في الغد بعد الفجر بقليل.
يفهم مرعي أن المهمة انتهت وعليه أن يعود إلى جسد المرأة وكوخها على المحمودية. لكن مرعي لا يتحرك من مكانه، يظل مبتسما في بلاهة كعادته، ويجلس في مواجهة باب الشقة المفتوح، فيقدمون إليه الطعام، يأكله في الخارج، وبعد أن ينتهي من أكله يظل في مكانه، فيقدمون إليه الشاي.
الزبالون الذين تضطرهم ظروفهم للاستعانة بمرعي يخافون على زوجاتهم منه فهو وسيم جدا وقوي جدا، والمرأة لا تريد أكثر من ذلك، لهذا تكون أيامه المعدودة، حتى يعود الحمار من العرضي، في غاية التعب والقلق والعذاب على صاحب الحمار . ذكاء الحمير قرأت وأنا صغير حكايات صبري موسى، قرأتها متفرقة في مجلة "صباح الخير"، ومازلت أذكر أول حكاية فيها، عن رتل عربات كارو تنقل الخضار والفاكهة الآتية من القليوبية في الليل. حمار يجر عربة وخلفه باقي العربات.
الذين يقودون هذه العربات ينامون فوقها.
والحمير اعتادت على السكة وتسير فيها دون معاونة من أحد. تصل هذه العربات إلى سوق الخضار والفاكهة في الصباح المبكر، لكن رجلا سكرانا، طلعت في رأسه فكرة، فأمسك أول حمار وشده إلى عرض الشارع لكي يعود ثانية إلى الطريق الذي جاء منه. فعادت العربات إلى القليوبية.
عندما استيقظ الرجال الذين كانوا ينامون فوق العربات، وجدوا أنفسهم في قريتهم في القليوبية، وهكذا كان يفعل حمار عبدالعال، يسير دون معاونة من أحد ويقف في الأماكن التي سبق أن حددها له.
وحدث أن قبضت الشرطة في الصعيد على حمار محمل بالأسلحة وهو يسير وحده، فأخذوا الأسلحة عنه وتركوه، فعاد إلى بيته، فعرفوا الذين وضعوا الأسلحة فوق ظهره وقبضوا عليهم.
وحكى لي رجل كان يمتلك حمارا ينقل به بضاعته، ثم استغنى عنه بسيارات النقل، فوضعه في أسطبل وأوصى عماله به خيرا، لكنهم أهملوه وتركوه دون أكل، فذهب لزيارته، فإذ بالحمار يبكي في أسى ويتمسح فيه، فصاح الرجل في عماله غاضبا:
ـ عملتوا إيه في الحمار؟
ثم ربت على رأسه وقدم إليه الطعام مواسيا، ووعده بأن هذا لن يتكرر.
وحكى لي آخر، يمتلك عربة كبيرة يجرها حمار، أنه قرر أن يبيع حماره ليفك أزمته المالية، فإذا بالحمار، ولا يدري أحد ما الذي أخبره بما نوى أن يفعله صاحبه، قد اقترب منه، وأخذ يمسح برأسه في ظهره وكتفه، فقام الرجل وضمه لصدره قائلا:
ـ لن أبيعك مهما حدث.
ورأيت في سوق الجمعة، حيث يقف الباعة في يومي الخميس والجمعة لبيع الأشياء القديمة، فتزدحم الشوارع بالباعة وبالأشياء وبالمشترين، وتقف عربات تجرها الحمير والجياد في طريق ترام 6 التي تبدأ من قصر رأس التين وتنتهي في محرم بك. تأتي الترام، فيضغط سائقها على الجرس، فيبتعد الحمار بعربته ليفسح مكانا لسير الترام، وبعد أن تمر يعود وحده ليقف في مكانه. كل هذا وصاحبه يتابعه وهو جالس مع باعة الأشياء القديمة يحدثهم ويسامرهم.
وحدث أن ضحي حمار بنفسه لينقذ الناس، فقد تجمعت المياه أسفل كوبري سموحة، وهي عادة ما تتجمع هكذا أيام المطر الغزير لدرجة أن ساكني هذه المنطقة يتعذر عليهم الخروج من بيوتهم والذهاب إلى أعمالهم، وكان يقف بعض الرجال يلبسون في أرجلهم أحذية طويلة، ويحملون الرجال والنساء والأطفال، ويعبرون بهم هذه المنطقة نظير أجر قليل.
حدث في هذه المنطقة أن غطت المياه الأسلاك الكهربائية العارية، فأدى هذا إلى كهربة الأرض، ومرت عربة كارو في هذه المنطقة، فصعقت الكهرباء الحمار ومات في الحال، فعرف الناس أن هذه الأرض مكهربة، فتعاملوا معها على هذا الأساس، ولولا الحمار لمات الكثير وهم يعبرون.
الغريب، رغم كل هذا، أن يرتبط الحمار بالغباء، ويقول يحيي حقي في كتابه الجميل "وجدت راحتي مع الحمير"، "الحمار عينيه ذليلة وحزينة وتكاد تترقرق فيها الدموع، ليس في صوت حيوان آخر مثل هذه الحرقة والتفجع والمرارة. إنها صرخة عذاب واستغاثة وإشهاد الناس في نوبة متفجرة من بكاء بلا دموع تمزق الهواء، ثم تذوب كأنها لم تكن." مصطفى نصر ـ الإسكندرية