حمى ارتفاع الأسعار في رمضان تصيب اليمنيين بالذهول

رمضان ثقيل على اليمنيين هذا العام

صنعاء - حل شهر رمضان هذا العام "ثقيلا" على اليمنيين في ظل أوضاع معيشية بالغة السوء وغير مسبوقة، وتصاعدت الحركات الاحتجاجية التي تشهدها أكثر من محافظة خاصة الجنوبية والشرقية.
وثمة حالة مزاجية معكرة تلمسها عند أول مواطن تلتقيه في الشارع، وهيمنة مشاعر التذمر التي لم يعهدها اليمنيون من قبل بهذه الحدة والقسوة.

اللافت في اليمن هذه الأيام عزوف كثير من المواطنين عن السهر الطويل على غير عادتهم في الأعوام الماضية، إذ غابت منذ اليوم الأول من رمضان، ظاهرة بقاء المحلات التجارية مشرعة الأبواب إلى وقت آذان الفجر كما كان معتادا في الأعوام المنصرمة، وثمة نقص واضح في الاستجابة لسقف المطالب الرمضانية داخل كثير من الأسر اليمنية.
وتوقع تقرير استراتيجي صدر حديثاً أن الآثار الاقتصادية السلبية الناتجة عن استمرار ارتفاع الأسعار في اليمن لن تتوقف عند حد معين في حال استمرت نفس السياسات الحكومية القائمة الآن في مواجهة هذه الظاهرة.

وأوضح التقرير الصادر عن المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية للعام 2006 أن الزيادة الكبيرة في الأسعار خلال الشهور التي تلت الانتخابات الرئاسية والمحلية في أيلول /سبتمبر 2006 أدت إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للسكان، بل إنها نقلت أغلبية اليمنيين إلى وضع معيشي آخر غير الذي كانوا عليه قبل ذلك التاريخ.
واضاف التقرير "وتأثرت سلة الاستهلاك سلبا بنسبة لا تقل عن 40 في المائة، إذ لم يجد المواطن اليمني أمامه من حلّ غير تخفيض سلة الاستهلاك بما في ذلك سلة الغذاء بالنسبة لمن كانوا يستطيعون توفير الاحتياجات الغذائية بقدر معقول قبل هذه الزيادات وهم في الغالب السكان الذين يعيشون على أكثر من دولارين، ونسبتهم تزيد على 55 في المائة من إجمالي السكان فهؤلاء لم يجدوا مفرا من حرمان أنفسهم من بعض القليل الذي كان يتوفر لهم فيغدو الحرمان والجوع هو الحل بالنسبة لهؤلاء".

وأكد التقرير أن موجات الغلاء الأخيرة نقلت المواطنين من حالة الفقر والمعاناة إلى حالة الفقر الشديد والحرمان والجوع، إذ أصبح هدف القضاء على حالة الحرمان والجوع بديلا عن هدف القضاء على الفقر وتحسين مستوى معيشة السكان، ولذلك فقد تزايد ارتفاع الأصوات المنادية بإيقاف كوارث الأسوأ ومواجهة التحديات وأهمها تأمين الطعام.

وقال التقرير ايضا "إن الآثار الاقتصادية السلبية لهذا الوضع الذي تفاقم في الأشهر الماضية لن تتوقف عند هذا الحد من البؤس الذي يعيشه الناس، وذهاب أي قدر تبقى لهم من الطمأنينة، فجمود الحركة والنشاط الاقتصادي صار واضحا للعيان من مجرد النظرة إلى حركة الناس في الأسواق، فجميع المحال التجارية تقريبا تشكو من انخفاض حركة الشراء والبيع وتتراوح نسبة الانخفاض ما بين 20 في المائة للمواد الغذائية الأساسية إلى أكثر من 70 في المائة لبعض السلع غير الضرورية، وهذا يعني أن دخل المواطن اليمني انخفض بشكل كبير، ناهيك عن تآكل جزء من النسبة المتبقية بسبب ارتفاع نسبة التضخم وزيادة الأسعار والمحصلة الفعلية لهذا الوضع هو تأثر العملية الإنتاجية والسلعية والخدمية وهو ما يؤدي في النهاية إلى غياب الاستقرار الاقتصادي فضلا عن غياب الاستقرار المعيشي، وبدلا من زيادة مقدرات النمو يحدث التراجع الذي بدوره يؤسس لمزيد من التدهور".

وأكد التقرير أن المستقبل السياسي للرئيس علي عبد الله صالح سيتوقف على مدى قدرته على الوفاء بالحد الأدنى من التزاماته تجاه الشعب اليمني والمجتمع الدولي، ويبدأ تنفيذ برنامجه الانتخابي المتضمن جملة من الالتزامات الاقتصادية والديمقراطية، لافتا الانتباه إلى أن أهمها "مكافحة الفساد بجدية والتخفيف من الفاسدين الذين أثقلوا كاهل حكمه وبناء مؤسسات حقيقية وحديثة للدولة ومكافحة الفقر والبطالة خلال عامين وضبط موارد النفط واستقلال القضاء وتوازن السلطات والحريات العامة والخدمات الأساسية وتدوير الوظيفة العامة وإيقاف غلاء الأسعار وإنهاء الزيادات السعرية (يسميها اليمنيون الجُرَع)".

من جانبه، قال أحد الموظفين الحكوميين "إن شهر رمضان لهذا العام جاء بائسا بالنسبة لي ولكثير من الأسر فالغلاء يعم البلاد بصورة لم أعهدها طوال عمري الأربعيني ويمتد من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، وتزامن مع حركات احتجاجية واسعة ذات هويات مطلبية في المقام الأول".

اليمنيون استقبلوا الشهر هذا العام وهم في حالة ذهول من الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، ولاسيما مادتي القمح والدقيق، وهما مادتان رئيسيتان للمائدة الرمضانية لدى الأسر الفقيرة والغنية على السواء ولا يمكن الاستغناء عنها.

واجتاحت موجات متتابعة وعشوائية أسعار السلع الأساسية منذ الأيام القليلة التي سبقت حلول شهر رمضان، وسجلت أعلى زيادة في سعر مادة القمح إذ بلغ سعر الكيس الواحد (50 كلغ) أكثر من ستة آلاف ريال، في حين أن المؤسسة الاقتصادية لازالت تؤكد أن سعر كيس القمح هو 3700 فقط.

وقال مواطنون في مديرية المواسط الريفية بمحافظة تعز جنوب البلاد، "إن سعر كيس القمح يصل إلى 6200 ريال"، كما بلغت مادة القمح حد الندرة في كثير من مديريات محافظة مأرب ما اضطر بعض المخابز للتوقف وإغلاق أبوابها.

وفي محافظة الحديدة الساحلية غرب البلاد والتي تعد إحدى أكثر محافظات الجمهورية فقراً، اصطف مواطنون بمديرية الضحى في طوابير أمام إدارة أمن المديرية لتصرف لهم مادة القمح بسعر 6300 ريال للكيس الواحد.

ونقلت مصادر محلية أن مكتب الخدمة المدنية في مدينة مأرب أجاز لموظفيه من المحافظات الأخرى السفر إلى مناطقهم منذ الثلاثاء بعد أن عجزت المطاعم عن توفير الخبز لمرتاديها.
وانعكس الارتفاع الكبير في أسعار القمح والدقيق سلبا على أمانة العاصمة ما أدى إلى ندرة في عرض الخبز في الأفران الكبيرة والمخابز الشعبية.
وتسبب ارتفاع الأسعار المتواصل منذ عام في أزمة اجتماعية هي الأسوأ منذ رفع الدعم الحكومي عن المواد الأساسية ضمن برنامج للإصلاح الاقتصادي والإداري منذ العام 1996.

ومحاولة من الحكومة لمواجهة تداعيات التطورات السعرية الأخيرة أمر مجلس الوزراء في اليوم الأول من شهر رمضان وزير المالية تقديم مبلغ أربعين مليون دولارا للمؤسسة الاقتصادية اليمنية بغرض مواصلة دورها في توفير المواد الغذائية الأساسية وخاصة مادتي القمح والدقيق.
وكلف مجلس الوزراء ايضا وزارة الصناعة والتجارة بالإشراف على تعاقدات المؤسسة الاقتصادية في إطار التسهيلات المقدمة وكذلك خطة التوزيع، وكان المجلس الوزاري قدم تسهيلا في وقت سابق قبل حلول شهر رمضان للمؤسسة الاقتصادية بمبلغ عشرة ملايين دولار.

من جانبه، أكد الدكتور محمد أفندي وزير الاقتصاد والتجارة الأسبق ورئيس المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية أن مشكلة الأسعار في اليمن دخلت مرحلة الفوضى المتسارعة والمتصاعدة.
وقال أفندي "إن لهذه المشكلة جذور محلية في المقام الأول تعزى إلى اختلال السياسات الاقتصادية الموجودة وإلى الاختناقات في العرض الكلي وإلى مفعول الآثار التراكمية بسبب رفع الدعم عن كثير من السلع الأساسية، التي مازال تصاعد أسعارها ينعكس مع مرور الأيام".
واستطرد أفندي "يعزى أيضا إلى أن الحكومة لم تعمل ما فيه الكفاية من أجل تحسين الإنتاج المحلي من الحبوب الرئيسية ولم تعمل ما فيه الكفاية لتأمين احتياطي غذائي للبلد في حالة حدوث مثل هذه المشاكل التي وقعت فيها، وكذلك تعكس وجود الفساد المستشري الذي يخلط بين التجارة والسياسة، فأصبح تقييم الكلفة يخضع لاعتبارات سياسية واقتصادية، ولا يجد من يوقف هذا التدهور عند هذا الحد بسبب الفساد. ويعكس أيضاً الركون إلى أن مسألة الحرية الاقتصادية وفهمها القاصر والخاطئ، إن معنى تخلي الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية ومسؤوليتها الأدبية والأخلاقية في ضبط الأسعار وضبط المتلاعبين وتأمين وصول هذه السلع بحسب الدستور والقانون وخاصة السلع الأساسية بأسعار مستقرة ومناسبة للمواطنين".

وأكد أفندي أن "الأسباب المحلية هي جملة من الاختلالات الاقتصادية التي ما زالت أيضا تفعل فعلها في تصاعد هذه المشكلة وتفاقمها، ثم يأتي بعد ذلك ارتفاع الأسعار العالمية بمعنى أنها سبب وليس كل الأسباب".
وقال "نحن نعرف أنه لو لم تكن هناك أسباب محلية لما كان للارتفاعات العالمية هذا الأثر الكبير على الأسعار، ولذلك هذا معناه أن الأسباب المحلية هي الأساس وما ارتفاع الأسعار العالمية إلا القشة التي قصمت ظهر البعير وزادت الأمر سوءا". (قدس برس)