حمور زيادة يؤكد أن الجهاز الأمني في السودان يحول دون وجود حراك ثقافي وإبداعي

نملك المادة الخام الأساسية

انشغل الكثير من النقاد الذين ناقشوا رواية "شوق الدراويش" للكاتب حمور زيادة - التي فازت بجائزة نجيب محفوظ الأدبية لعام 2014 وكانت ضمن القائمة القصيرة للبوكر العربية لنفس العام - باستلهام الرواية لتاريخ الدولة المهدية وانقسموا حول رؤيتها وبنائها ما بين مؤيد ومعارض منتقد، خاصة أنها تحمل أبعاد وملامح الحاضر وتلقي ظلالا واسعة عليه.

والكاتب ولد بالخرطوم بمدينة أم درمان في السودان ونشأ بها، واشتغل بالمجتمع المدني لفترة ثم اتجه للعمل العام والكتابة الصحفية، فكتب بصحف: المستقلة، والجريدة، وأجراس الحرية، واليوم التالي، وتولى مسئولية الملف الثقافي بصحيفة الأخبار السودانية، وله مجموعة قصصة "سيرة أم درمانية" ورواية "الكونج" ويستعد الآن لطرح روايته الجديدة.

حول رواية "شوق الدراويش" ورؤيته للكتابة والحركة الثقافية في السودان والمشهد الإبداعي في الداخل والخارج، كان هذا الحوار مع الكاتب.

بداية وحول انقسام النقاد حول "شوق الدراويش"، قال حمور زيادة: "لا أعتقد أن الكاتب له حق التعقيب على النقاد أو القراء، لكل قارئ حقه في الرؤية خاصة، ولكل ناقد أن يستخرج من العمل ما يشاء مادحا أو ذاما، محبا أو قاليا، للدقة أنا لا أحب أن أعلق على أقوال النقاد وإنما أتلقاها وأستفيد منها إذا كان بها فائدة وأتعامل مع ما لا يعجبني منها أو ما لا أستفيد منه باعتبار أنه الأمر الطبيعي في أي منتج يخرج للناس".

وأوضح زيادة "عندما أتناول أي فترة تاريخية لا أتعامل معها باعتبارها تاريخا، أعتقد أن أمتنا جميعا لا تزال تعيش في تاريخها، كل القضايا التي شغلت أجدادنا مازالت تشغلنا، الأمور التي كان أجدادنا ضدها ومعها ويختلفون عليها مازلنا نحن الآن معها وضدها ونختلف عليها، فحين أبدأ الكتابة عن التاريخ أكتب عنه باعتبارها حاضرا مازلنا نعيشه، لكن لأنه يرتبط بأمور لم نرها ولم نعشها يحتاج الأمور إلى المراجع واستحضار تلك الأرواح والأماكن والمشاهد خاصة أنني أكتب في بعد زمني وجغرافي مختلف.

إنني أكتب في القاهرة عن السودان وتاريخه، فأحاول دائما الاعتماد على المراجع، ربما أحيانا بعض الصور لأعلقها في غرفة الكتابة لأحاط بصريا بهذه الفترة، لكني أحاول الهروب مما يسمونه الإسقاطات المباشرة، عندما أكتب عن الماضي باعتبارها حاضرا لا أحاول لي عنق الماضي لأسقط به أمورا ربما معاصرة لا علاقة له به، وإنما أتناوله كما هو وأنا بي ثقة أنه بشكله الذي حدث به لا يزال يلامس الحاضر الكئيب الذي نحياه".

ورأى إن تاريخنا الماضوي مازال ممتدا، لازلنا نتقاتل حتى اليوم سنة وشيعة على من كان أولى بالخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) علي أم أبوبكر، وقع هذا الخلاف قبل 1370 عاما ومازلنا نختلف عليه حتى هذه اللحظة. كانت أمتنا تختلف على مسألة الديمقراطية هل هي أم جد أم أمر سيء؟ مازالت تختلف عليه حتى هذه اللحظة.

مازلنا نتساءل هل المرأة تتولى منصبا عامة أو متقدما في الدولة أم أن النساء لا تصلحن لهذه المناصب؟ كل هذه المشاكل لازلنا نعيشها، نحن مجتمعات مازالت تعيش في الماضي حتى لو ارتدت الثياب الحديثة، لذلك أعتقد أننا لسنا بحاجة لإحداث إسقاطات، إذا تناولنا الماضي كما هو سنجد أنه يتناول كل قضايانا الحالة".

وحول ما إذا كانت ثورة الجماعة المهدية تكفيرية، أكد زيادة أنها لم تكن ثورة جماعة، بل كانت ثورة أمة، وقال: "من الصعب أن أصف أمة أنها ارهابية، لكن بالتأكيد أفكار المهدية كانت أفكارا متطرفة مثلها مثل أي فكرة تحتكر الحقيقية أن يقول الإمام المهدي: أنا المهدي المنتظر ومن لم يؤمن بمهديتي فقد كفر، هذا أمر قطعي جدا لا مجال فيه للاختلاف، أن يحشد خلفه الناس بفكرة أن معصيته أو عدم إطاعة أمره أو الشك في أمره حتى ولو بظن قلبي أمر موجب للنار.

هو لم يدع مكانا للاختلاف، لذلك كانت الثورة المهدية مثلها مثل كل الثورات الدينية في الوطن العربي، كانت شديدة مع مخالفيها تستبيح دماءهم وأموالهم وأعراضهم باعتبار أن هذا باسم الله، لذلك تململ منها الكثيرون من السودانيين وذلك بعد قرب نهاية الدولة المهدية التي كانت قد وقعت في صراعات مع أغلب مكونات السودان من كافة الأعراق، حتى أن عرق الخليفة عبدالله التعايشي خليفة الامام المهدي، وحتى مع أقارب الإمام المهدي أنفسهم، لأنه من الصعب ومن المستحيل أن تعيش في ظل دولة تحتكر الحقيقة المطلقة وتعتبر أي معارضة أو مخالفة لقراراتها هي هي أمر موجب للكفر والنار".

ولفت زيادة إلى أنه حاول أن يكتب بحرية حيث إن تخيل القارئ أثناء الكتابة يضع قيودا على الكاتب، وأضاف "إنني أحاول عند الكتابة أن أقتل الرقيب الداخلي وأقتل القارئ المتوقع الذي سأكتب له، لكن في المراجعة النهائية أضع في ذهني أني أكتب لغير السودانيين فأحاول أن تكون اللغة المحلية المحكية داخل الرواية التي ترد أحيانا أن تكون مفهومة، أن أقدم بعض الشروحات من ضمن النص، لأني لا أؤمن بالهوامش في الروايات، بعض الأمور الواردة في النص أن يتم شرحها ضمن هذا السياق، فأنا أعمل على التسهيل بالنسبة القارئ عندما أستحضره في مرحلة المراجعة أنه قارئ غير سوداني لا يعرف كثيرا من الأشياء التي أحكي عنها، وأحاول أن يتم ذلك دون الاخلال بالسياق الدرامي، فعندما أتحدث عن المهدية لا أقدم حصة تاريخية للقارئ العربي الذي لا يعرف المهدية، وفي نفس الوقت لا أتعامل معه على اعتبار أن المهدية أمر معروف لديه كما هي معروفة لدى القارئ السوداني، هذا أمر ينطبق على كافة الأمور السودانية المحلية التي أتناولها في رواياتي".

ونفى زيادة معرفته بالشعر وقال إنه سعيد بالذين رأوا أن في رواية "شوق الدراويش" نفسا شعريا، الشاعر المصري عبدالمنعم رمضان سألني إذا ما كنت أكتب الشعر، فلما نفيت قال لي بأن هذه الرواية تدل على روح شاعر، هذا أمر لم أعرفه عن نفسي، لكن بالتأكيد أسعد حين يقال ذلك.

وأكد زيادة أن مسيرة الرواية السودانية مظلومة عربيا وعالميا ومحليا أيضا، وعلّل ذلك "لأن هناك ظروفا كثيرة جدا تقعدها، ظروف المبدع السوداني الذي يكتب أو يحاول أن يكتب في وضع لا حريات فيه، في بلد ليس فيها صناعة ثقافية، لا يوجد إعلام للتغطية، لا يوجد إعلام حر، لا توجد طباعة كتب، لا توجد قوة شرائية أصلا، في أوضاع كهذه من الطبيعي أن تجهض المشاريع الإبداعية للكتاب السودانيين، ومن الطبيعي أيضا أن لا يعرف بهم أحد في الخارج، إذا طبعت كتابا وأنت داخل السودان فلن يقرأه سوى قلة فما بالك أن يغادر السودان ليذهب لمكان آخر.

هناك محاولات الآن، صحفيون سودانيون يكتبون في صحف عربية يحاولون تقديم قراءات نقدية وعروض لكتب تطبع داخل السودان، لكن قل لي بالله عليك كيف يمكن للقارئ المصري أو الجزائري أو التونسي.. إلخ أن يحصل على كتاب طبع داخل السودان لأنه قرأ عنه في مكان ما، إذا كان الناشر السوداني لا يستطيع في كثير من المعارض ومواجه بمصادرة كتبه وخراب بيته هو شخصيا داخل السودان، هذه كلها أمور مقلقة. لكن الآن بدأ عدد كبير من الكتاب السودانيين يغادرون خانة الوطن الضيقة إلى بعض البلدان العربية للطباعة بها، أعتقد أن ذلك يمكن أن يقدمهم لكثير القراء ويمكن أن ينضج تجربتهم الشخصية وتجربة الكتابية السودانية بشكل عام".

وقال زيادة "أتابع المشهد السوداني إلى حد كبير لكن ليس كالموجود بالداخل السوداني، هناك أسماء بارزة وكبيرة تعيش خارج السودان مثل د. أمير تاج السر، وعبدالعزيز بركة وليلى أبوالعلا، أما الأسماء الشابة الموجودة في الداخل فهناك رانيا مأمون التي تنشر في مصر، ومنصور السويم وينشر في مصر والسودان وإن كان غادر إلى السعودية مؤخرا بعد أن ضاقت عليه البلاد، هناك أسماء جيد لكن أعتقد أن مسألة الوجود داخل الوطن يجعلك محدود التجربة إلى حد ما، قد تكون واسع الثقافة بالواقع الذي تعيش فيه لكن محدود التجربة في المسألة الأدبية، طرائق الكتابة ومخاطبة القراء وكيفية التعامل مع الرواية كفن احترافي يدخل في خضم صناعة ثقافية كاملة، هذا الأمر قد يغيب على من يظل موجودا داخل السودان.

لذلك ما لم تنفتح البلاد أو يغادر هؤلاء الشباب ويحتكون بالثقافة خارج السودان، فستظل مشاريعهم حبيسة خلف مطار الخرطوم ولن تغادره. الحل إما فردي بالهجرة وهذا أمر لا يمكن أن ينضح به الجميع أو أن تتغير الأوضاع في السودان".

وحول إمكانية أن يصنع هؤلاء الشباب من المبدعين حركة بأنفسهم أشار إلى أنهم يحاولون بالفعل عمل ذلك "لكن الأمر صعب جدا، أي فعالية تحتاج إذنا من جهاز الأمن السوداني، وهذا الجهاز يمنح التصاديق ويسحبها بدون أي مبررات، هناك فعالية لعرض كتب أقيمت لعدة أشهر كان اسمها (مفروش) ثم قرر جهاز الأمن أن هذه التجمعات الثقافية خطر عليه، فقام بإلغائها.

اتحاد الكتاب السودانيين كان ممنوعا لفترة ثم منح تصديق لممارسة نشاطه ثم قرر الأمن فجأة إلغاء وجوده وتجمد نشاطه.

لا يأس وهناك محاولات لخلق حراك لكن لا توجد تجربة تأخذ دورتها الكاملة لتنضج ليتم إنضاجها، لذلك فالنصيحة الذاتية هي الخروج والذين خرجوا نجحوا، أو أن ينجح عموم الشعب السوداني في تغيير هذه الأوضاع وتصبح السودان دولة أكثر ديمقراطية وحرية وانفتاحا، بعد ذلك تأتي الصناعة الثقافية ولا ينقص السودان المبدعين، فإذا وجدت لدينا الصناعة الثقافية، فإن الحراك سوف يتحرك بسرعة لأننا نملك المادة الخام الأساسية التي هي الكتاب أصحاب التجربة".